وفيق عبد الحميد محمد المنذر
- فناننا وفيق المنذر يشارك فى الحركة التشكيلية بنشاط وبدور فعال ومتميز وبأداء عرف به وله سماته وخصوصيته التى يحقق من خلالها الفنان ومن تفرده فناً وصياغة لأعمال فنية راقية تصور جداريات تعكس وتعبر عن أصالة ما حوله وعن رؤية تعنى التجديد والتطوير وخامته الخاصة ونجاحها فى أعماله من خلال هذه الرمال التى كانت ساكنة فحركها وجعل منها موضوعات أعادتنا الى تراث ارتبط بها الفنان وفيق المنذر وصاغها خطاً وتكويناً وبساطة تعنى فكراً وثقافة ولوناً .
الناقد / محمد سليمة
المنذر وضوء الجرانيوليت
- وفيق المنذر فنان خاص جداً من مواليد العام 1936، تخرج من كلية الفنون التطبيقية العام 1960 أقام معارض خاصة عديدة الأول منها العام 1956 ثم توالت معارضه فى كل من السعودية( إسلاميات) ، أتيليه القاهرة العام 86 ، 89، 96 ، 99 ، 2004 واشترك فى كثير من المعارض القومية ، كما حصل على عدة جوائز نذكر منها جائزة عيد العلم 1956 ، صالون القاهرة العام 1960 ، 1962 . والفنان يعشق التراث الشعبى القديم كفراغ كونى لأعماله الفنية ولموضوعاته التى لا تخرج عن المرأة ودائماً فى قلب اللوحة، واللافت للنظر والمثير للدهشة والتأمل فى لوحاته الأخيرة هى ثلاثيات المرأة فى اللوحة الواحدة باستثناء عدد قليل من اللوحات بين المرأة منفردة أو امرأتين وعند جمعهم نجدهم يساوون ثلاثة أيضاً ، فنجد فى بعض اللوحات وحدة النبات ووحدة الطيور، فسمة ما تجمع هذه الوحدات المتكاملة نحو بناء تشكيلى محكم فى المجموعة الأخيرة التى استطاع المنذر من خلالها -باقتدار- اختزال الجسد الأنثوى ببراعة وبتحديد خطى أسود فى حوار متصل ومتنوع وبإيقاع موسيقى مثير للاستماع كسيمفونية الصورة الذهنية الخالصة والتى ندركها ونحسها بالشعورية الداخلية ولا نراها بالعين ، فهنا نشاهدها ونسمع فى آن واحد ، وفى المجموعة الأخيرة يظهر ما هو تجريدى مطلق مبتعداً كل البعد عن تجربة الفنان الطويلة فهل هى نافذة جديدة ومرحلة تحول تمتد إلى آفاق أكثر اختزالاً لشفافية الحياة والروح الشعبية التى تميز بها ؟! ويتعامل المنذر مع تقنية فى غاية الصعوبة، فالمواد رملية ومعالجتها تحتاج لخبرة وحكمة وصبر وقدرة على صياغتها بهذا القدر من الشفافية والصفاء الذاتى الذى يشع طاقة أقرب ما تكون إلى `الضوئية` بفعل المادة وجيناتها المتفاعلة الدافئة ، والضوء الذى يصنعه المنذر هو ضوء جينى يتراص واحداً بجانب الآخر يتحرك ويلتئم ويمتد ويتماسك فى جسد الفضاء الذى تحركه درجات التجانس اللونى والتباين فى نفس الوقت ولكن فى حالة إعمال للطاقة اللونية وموجاتها الحية بفعل الضوء الآتى إليها، وعندما تتحرك الخلية الضوئية فى جسد المرأة تكشف هنا عن مدى انصهارها فى تقاسيم البناء التشريحى الذى اعتمد عليه المنذر بعلمه وإحساسه التشريحى للجسد فى توازن وحركة ، ولم يتوقف ضوء جينات الجرانيوليت عند هذا الحد كفاعل تعبيرى فى أعماله بل امتدت الرمزية إلى كثير من الأعمال فالقمر، والطائر، والنبات،والشمس … كلها مفردات دالة على مخزونه الإنسانى والاجتماعى والوطنى ، فالحالة الشعورية عند المنذر فياضة تنضح فى كل أعماله ، ويحسب له سيطرته على تقنياته فدقة الفنان وعلمه بتكنولوجيا فنه جزء لا يتجزأ من الإبداع الفنى وأخلاقيات الفنان، فالفنان المبدع الحقيقى هو الفنان الذى يمتلك فكره ورؤاه وأدواته فى آن واحد فضوء المنذر فى جمال نسائه .
ا.د. احمد نوار
جريدة الحياة - 2004
فى معرض وفيق المنذر : الربيع يولد عند السبعين !
- فى الفن المصرى الحديث والمعاصر كان الفنانون ينظرون إلى المرأة غالبا نظرة استحياء، فيصورون وجهها والجزء الأعلى من جسمها، كل حسب أسلوبه واتجاههه الفنى متجنبين مناطق الإثارة فيه قدر الإمكان وكذلك الحال بالنسبة لبقية جسمها الذى بقى مستورا بالملابس الثقيلة - باستثناء المال مختار- أو يصورونه شبحا بغير تفاصيل أو عنصر متداخل فى تكوين يعمل على أن تتوه معالم الفتنة فيه وسط بقية العناصر .. لهذا يظل الفن المصرى القديم هو الأكثر إبرازا واحتراما للمرأة جسدا ومعنى بمثالية وقداسة وجمال أخاذ يسمو به فوق الغرائز.
- لكن الفنان وفيق المنذر- الذى يقيم معرضه الاستعادى حاليا بقاعتى أتيلية القاهرة احتفالا بعيد ميلاده السبعين- يكسر هذا ` التابو ` أو المحرم فيجعل من جسد المرأة عمود الارتكاز الرئيسى فى عالمه الفنى الممتد عبر نصف قرن مقتفيا بذلك أثر أجداده فنانى مصر القدماء.. نفس الرقة الإنسيابية والهمس الشاعرى والإيجاز البليغ فى الخطوط والتفاصيل والظلال إضافة إلى الوضع الجانبى للوجه ووضع الثلثين للجسم ` تروا كار` فى درجة وسيطة بين المواجهه والبروفيل بقدر غير مليل من التحكم فى الحركة حتى ترنو من الثبات وبالرغم من ابتعاده عن التجسيم الاسطوانى بالظل والنور فإن الخط يقوم بهذا الدور باقتدار متجاوزا الإيحاء الحسى المباشر نحو حالة حلمية أو ثنائية أقرب إلى لحن موسيقى على حالة واحدة يصعد ويهبط ويتمايل ويتماهى ويتشابك مع غيره بمقامات بصرية تطريبية هادئة التوقيع والرنين .
- إلا أننا لن نحتاج إلى تأمل طويل كى نكتشف أن المرأة عند وفيق المنذر تتجاوز صورتها الجسدانية المعتادة فى ضمير الشعوب وحركات الفن كنوع أنثوى يحقق المتعة ويشعل مشاعر الحب والرغبة ويعكس معنى الغواية والخطيئة كما كان الحال منذ عصور الفن اليونانى والرومانى والمسيحى وعصور الفن الأوروبى منذ كلاسيكيات عصر النهضة وما بعدها من المدارس مثل الرومانتيكية والواقعية والانطباعية والسوريالية بل هى عنده أقرب إلى أن تكون صورة دلالية لمعنى الحياة ولقيمة النماء والتجدد وقد تصل إلى أن تكون ضابط الإيقاع لحركة الوجود كله وإن شئنا الدقة أكثر فسوف نجدها معادلا معنويا للدنيا أو رحما أعظم تتوالد منه الطبيعة ديمومتها منذ الأزل وإلى الأبد وتلك ليست استنتاجات أدبية أسقطها على النص البصرى فى لوحات المنذر فهى مترعة بالإيماءات الرمزية إلى رحم المرأة وخصوبتها وارتباطها بالشجرة تعبيرا عن الولادة والتجدد وهو فى هذه المسيرة الدلالية يحيط المرأة برموز أخرى تعادل أنوثتها بطاقة الذكورة ليس فقط فى هيئة رجل يبدو شبحا مبهما فى أغلب الأحيان يقف منجذبا إليها كقطب معناطيسى بل كذلك فى هيئة ديك يؤذن عند القمة أو حمامة تحلق عند قرص الشمس أو تقف شاهدة على ما يجرى أو ثور فحل يهاجمها بقوة الغريزة وثمة عين إنسانية مفتوحة تراقب بيقظة شديدة .
- من هنا تتضح الرمزية فى أعمال المنذر: فالمرأة بما حولها من العناصر المذكورة ما هى إلا رموز للمعانى التى أشرنا إليها وإن شئنا الإسقاط على الواقع فسوف نجدها تومىء إلى مصر بين الخصوبة والجدب أو بين الصحوة والإنكفاء أو بين المقاومة والاستسلام وقد ترددت مثل هذه المعانى على لسان الفنان ذاته وأنا أحاوره أمام لوحاته.
- بيد أن كل تلك المعانى بحد ذاتها لا تكفى لتقييم معمارا قويا لعالم الفنان فالسؤال يبقى دائما هو : كيف عبر عنها ؟
- وما الجديد الذى أتى به؟
- فى البداية تأتى الخامة التى تفرد بها رفيق المنذر منذ ما يزيد على ثلاثين عاما وهى ` الجرانيوليت ` إنها حبيبات صناعية ملونة بمختلف الألوان تشبه الرمال وتستخدم أساسا فى الواجهات المعمارية كنوع من الملاط الزخرفى لكنه استحدث لها تقنيات جديدة جعلتها قابلة لأن يلون بها على مسطح خشبى فى مساحات متنوعة وقابلة كذلك لإعطاء درجات لونية لا نهاية لها بما يساوى الألوان الزيتية لكن بغير مزج بين ألوان عدة للحصول على اللون أو الدرجة المطلوبين فحبيبات الجرانيوليت الصلبة غير قابلة للذوبان وهنا تأتى صعوبة فى تطويعها لإعطاء المقامات اللونية المتصاعدة من مستوى الهمس الدخانى إلى مستوى الفناء الكوراتى العريض. وما بينهما من درجات وألوان وتبدو الصعوبة كذلك فى استخدامه للخطوط الفردانية بلون مجرد من الظلال كما لو كان يرسم بفرشاة مرهفة بالألوان المائية.
- ولا شك أن الصبر الذى يتطلبه التصوير بهذه الخامة العسيرة والوقت الطويل اللازم لإنجاز اللوحة بأضعاف ما يحتاجه التصوير الزيتى قد أتاحا للفنان مجالا أكبر للتأمل والتحليل الذهنى لتصميم اللوحة فعنصر التصميم هو العنصر البارز فيها حتى أنها تبدو محسوبة بشكل عقلانى مجرد، وهو ما يجعله يلامس - فى عدد من اللوحات - حدود التجديد والتكعيب وكان يمكن أن يتحول إليهما بسلاسة لو ترك نفسه لغواتيهما لولا أن ` للموضوع ` هيمنته الطاغية عليه منذ بدايته حتى الآن وربما يكون الأقرب ، للدقة هو ` المضمون ` لأنه يتجاوز محدودية الموضوع إلى آفاق رحبة من الخيال ومن مستويات التلقى المختلفة فى نفس الوقت .
- لقد زرع رفيق المنذر أشجاره فى بستانه الشاسع فأزهرت شتى الزهور وأثمرت مختلف الثمار على مدى خمسين عاما وجعلت منه صوتا متميزا رائقا يستعصى على التجاهل ، واليوم - وهو فى السبعين من عمره - يتألق بستانه بأزهار جديدة نفاذه الشذى صداحه الألوان عبر مجموعة طازجة من اللوحات أنتجها بالأمس القريب تنبىء بمرحلة متطورة فى مسيرته الإبداعية .. أهو الربيع الجديد يولد عند السبعين ؟.. ولم لا ؟!
بقلم : عز الدين نجيب
الأهالى 12-5-2007
عذوبة اللوحة وعذابات ترويض الخامة
- لم يسلم فنان تشكيلى من هاجس السعى نحو التفرد والتميز، حتى يتمكن من احتلال صفحة مشرقة فى كتاب الفنون الجميلة، تحقق له نعمة خلود أعماله. وذلك بطرقه لموضوعات قد تكون تقليدية بخامات متداولة، ولكن فى صياغات فريدة غير مكرورة، أو فى البحث عن خامات لم يقر بها الفنانون من قبل، ومحاولة استنهاض طاقات الجمال به، ولو على حساب الموضوع ، وإما- وهؤلاء هم العباقرة- يجمع الاثنين معاً !
- ولأن الخامة- الوسيط الذى يشكل به الفنان احساسه وآراءه- تلعب دوراً يكاد يكون بطولياً فى عالم الفنون الجميلة ، لذا فقد ظلت تشغل بال الفنانين وتؤرقهم، ويعتبر القرن العشرون هو أكثر قرن شهد سباقاً محموماً بين الفنانين من أجل اصطياد الخامات المختلفة ، ومحاولة توظيفها فى أعمال فنية.
- يعود ذلك بشكل رئيسى إلى التطور التكنولوجى الرهيب، الذى أدى إلى استحداث وابتكار خامات جديدة لم يعرفها فنانو القرون الفائتة ، هذا من ناحية، وفى المقابل، تعقيد الحياة وعلومها الجديدة التى طرحت وبشرت بأفكار وقضايا وجدت القبول عند الناس ، مثل الحرية ، الذاتية ، الخصوصية... إلخ .
- فبعد أن كانت الخامات السابقة التى يستخدمها الفنانون محصورة فى ألوان الزيت، الجواش، المياه، التمبرا، الباستيل .. إلخ، مثلاً وجدنا من الفنانين من لايتحرج من استخدام المسامير والصواميل وأحشاء السيارات والورق والخيش... إلخ، بحيث تحدر العمل الفنى من الهالة أو القداسة التى تفرضها عليه الخامات المستخدمة.
- وربما يكون فنانون المدرسة ` الدادية ` التى ظهرت أثناء الحرب العالمية الأولى فى أوروبا كرد فعل صاخب وعنيف ضد ويلات الحرب ، هم أول من أطاحوا بالخامات المستقرة، وبدأوا يبحثون فى البيئة عن أى شىء يمكن استخدامه فى إنجاز أعمالهم.
- ومع تطور تكنولوجيا البناء الحديث والخامات المستخدمة فى العمارة ، ظهرت خامة ` الجرانيوليت` بقوة وحضور، جذب اهتمام المعماريين ومهندسى البناء ومع ذلك لم يلتفت إليها أحد من فنانى مصر، إلا الفنان الموهوب وفيق المنذر(1936) والذى تخرج فى كلية الفنون التطبيقية بالقاهرة عام(1960) ، و` الجرانيوليت` لمن لا يعرف، عبارة عن حبيبات من الرمل الملون، وقد استطاعت التكنولوجيا الحديثة أن تصنع عشرات الدرجات اللونية من هذه الخامة.
- قدم المنذر أكثر من 40 لوحة نفذها بهذه الخامة الفريدة مؤخراً ، بعد أن استطاع على مدى أكثر من ثلاثين عاما أن يقهر عنادها، ويتجول بحرية فى سراديبها المعتمة، كى يشعلها واحداً تلو الآخر.
- لم ينتم الفنان وفيق المنذر إلا إلى المرأة ، ذلك الكائن الخلاب الذى استحوذ على خيال الفنانين والأدباء على مر العصور، وقد قال لى مفاخراً : ` لم أرسم طوال أربعين عاماً أى رجل.
- فى لوحة ` إمرأة جالسة من زمن فائت ` استعاد الفنان نساء الطبقة الراقية أيام عصر الحريم ، واختار منهن امرأة واحدة تجلس بزيها الأبيض على أريكة إسلامية الطابع، بينما وضع أمامها إبيرقاً تاريخيا وكوبا على منضدة صغيرة ، اجتهد الفنان فى أن ينقل لنا مناخ العصر- أو ينقلنا إليه لو استخدمنا تعبير د. طه حسين- من خلال الحجرة التى قبعت داخلها المرأة، من أول شكل الستارة المنسدلة جهة اليسار، حتى شكل ` الأرش` الإسلامى المقدس والذى يحيط المرأة بحنان.
- فى هذا العمل استثمر الفنان الشكل الشائع للمرأة الفرعونية على جدران المعابد العتيقة حيث الوجه` بروفيل` والجسد فى المواجهة، كذلك أكدت الملابس الضيقة جمال الاستدارات والنتوءات وانسياب جسد المرأة دون ابتذال .
- ويبقى هذا الزخم الزخرفى والذى يذكرنا بالأجواء الأندلسية، حيث تنتشر غابة مورقة من الأشكال الهندسية مختلفة الأحجام مثل المثلث والمعين والمربع بطول اللوحة وعرضها، وإن كان الفنان تمكن من توزيع الدرجات اللونية المتعددة بحكمة بالغة، فقد نثر اللون البنى ومشتقاته على الخلفية، بينما اكتست الوسائد والأبريق والكوب باللون البنفسجى الزاهر واحتفظت المرأة بملابسها لتضئ المشهد ، بعد أن طعمها الفنان بقدر من الظلال لتحقيق الفورم.
- إن الكبد الذى لقيه الفنان فى تنسيق هذا العمل بواسطة هذه الخامة الشرسة، يتجلى فى مقدرته على تحقيق انسجام لونى متماسك وبهيج، يؤكد أن وراءه ` ملوناتى` كبيرا خاصة وأن توزيع العناصر والمفردات فى اللوحة جاء راسخاً ومتيناً ومتزناً، ويبدو أن دأب وفيق المنذر لم يجعله يقنع باستخدام` الجرانيوليت` فى تصميم وإبداع لوحات تنتمى إلى المدرسة الواقعية فقط- رغم براعته فى ذلك- بل نراه يقترب بقوة ومن دون وجل من مدارس الفن الحديث التى شغلت أوروبا فى القرن العشرين، مثل التكعيبية ، محاولأ الاستفادة منها و ` تمصيرها` على طريقته، ومزجها بفنون الشرق التى تحتفل بالزخرفة وتحترم المساحات الهندسية المجردة، ففى لوحة` كونشيرتو البيانو`، يحقق الفنان أعلى كفاءة ممكنة فى توظيف خامته الفريدة، حيث تستقر المرأة المحرومة من ملامح الوجه فى منتصف اللوحة تقريباً، بينما يذوب الجزء الأسفل من جسدها فى دوامة المستطيلات الصغيرة التى تشبه أصابع البيانو` وكأنها إيقاعات موسيقية تصدر عن هذه الآلة صاحبة النفوذ فى وجدان المستمعين.
- لقد أصاب وفيق المنذر عندما جنح نحو اللون الأزرق ودرجاته الهامسة يغطى به معظم سطح اللوحة ، لأن هذا اللون يبحر بنا فى فضاء السحر والرومانسية التى تتوافق مع موضوع اللوحة ، كذلك تخفف الفنان من سطوة الخطوط والمساحات المعادة ، من خلال صنع خطوط ومساحات مقدسة تفتح الحاد وتلطف من المشهد البصرى .
- وفى النهاية جاءت المساحات التى تغازل درجات من الأوكر والبنى لتعزف مع اللون السائد فى اللوحة كونشيرتو يستولى على عين المشاهد، بعد أن قد أمتع أذنه.
- يثبت وفيق المنذر فى هذه اللوحات امكانياته فى إخضاع خامة الجرانيوليت الحادة الطبع، لكل ما يرغب أن يصوره بها، وفى لفتة ذكية، مال الفنان إلى الريف، حيث تنتشر الأراضى الخضراء ، ويسمق النخيل، وتلهو الحيونات، وفى لوحة ` منظر من الريف` قام الفنان بتنظيم لقطة معتادة من الريف المصرى ، فها هى امرأة تحمل ` مقطفها ` تتهب مقدمة اللوحة ، بينما هناك فى الخلف وقفت امرأة أخرى وسط عدد من الماعز اللاهى ! أما النخيل فبدا باهتا فى المدى المتطور، لم يغفل الفنان فى هذه اللوحة قوانين الدراسة الأكاديمية، حيث استجاب لقوة المنظور ، وإن كان لم يهتم بالفورم بنفس الدرجة ، بل اكتفى بخطوط قاتمة تحدد شكل المرأة . ولأن خامة الجرانيوليت تسمح بصنع أسطح متعددة وملامس خشنة فقد وجد الفنان فى مساحات الأرض الزراعية فرصة لتحقيق ذلك التميز الخاص، وأخيراً لم ينس المنذر غرامة بالألوان النضرة، البهيجة، والتى تهب المتلقى نعمة التأمل الهادى، وتمنحة ساعة من الحبور.
- اللافت للانتباه أن خامة الجرانيت لا تصلح إلا للمساحات الجدارية الضخمة والتى تتجاوز الأمتار العديدة ، ولكن الفنان استطاع أن يجردها من هذه السمة وينفذ بها- وفى مساحات محدودة - لوحات تمتاز بالأناقة والنظافة والوله بالمرأة.
- وفيق المنذر فنان من طراز مختلف، انحاز بكل قواه نحو خامة ولدتها التكنولوجيا الخاصة بكيماويات البناء الحديث، وعرف على مدى سنين طويلة كيف يستقطر منها طاقات الجمال الخبيئة ، فكان كمثل صائغ الذهب، يخفى دأبه ومثابرته وعرقه، خلف روعة السبيكة التى يصنعها، فلا تكاد نشعر بجهده، بل تنسينا هذه السلاسة والدقة عذاباته اليومية ، استفاد من فنون القدماء من أول الفراعنة حتى العصر المضئ للحضارة الإسلامية ، وصالح منجزات الفن الحديث فى أوروبا واحترم الأصيل منه ، فحق له أن يفخر بلقب رائد فن الجرانيوليت فى مصر .. وأعتقد .. وفى العالم العربى أيضاً.
بقلم : ناصر عراق
من كتاب ملامح وأحوال
الفنان وفيق المنذر خرائط الجسد .. خرائط الوطن
- فى المنطقة الناقصة من بين المباح والمستور .. يكمن سحر الفن !
- إن الفن الذى يعطى نفسه من أول نظرة سهلاً وسخياً إلى المشاهد ، مهما كان هذا ممتعاً ومثيراً سرعان ما يفقد متعته وإثارته لأنه عطاء مجانى يجعل المتلقي مستهلكاً سلبياً ، وليس مشاركاً في سير أغوار العمل الفنى ، التى قد تكون فى بعض الأحيان خافية على الفنان نفسه ، وكلما كشف المتلقى المرهف الحس عن طبقة من طبقات العمل الغنية بالإبداع تكشفت له طبقة أخرى مثل الطبقات الجيولوجية فى باطن الأرض ، وبقدر تعدد هذه الطبقات يكون ثراء العمل الفنى والعالم الذى ينبع منه ، ويأتى الالتباس فى فهم بعض الفنانين من فرط وضوح أعمالهم بالنسبة للمتلقى ، ومن غلبة الاتفاق بين المشاهدين من مختلف الأذواق على قيم فنية ومضامين شبه ثابته فى أعمالهم تقترب من البديهيات الشائعة ، وهو أكبر خطر يهدد الفنان ، حتى ولو تم الأتفاق بين الجميع علي أهمية أسلوب استحدثه أو تقنية أضافها .. ذلك أن الفن الحقيقى عدو البديهيات والثوابت والمسلمات ، وربيب المغامرة والمخاطرة والكشف عن المجهول .
- والألتباس يصبح قاتلاً حين يكون العمل الفنى خادعاً بمستوى البساطة الخارجية عن تلقيه بما يشبع حاسة التذوق المعتادة التى تقنع ( بالمجانى ) أو ( المتفق عليه ) من قيم الجمال بين عامة الناس ، وعلى رأسها محاكاة الطبيعة ، فيما يضمر هذا العمل أبعاداً فنية وفكرية مركبة لا يلتفت إليها المشاهد ، الذى نال كفايته من جرعة الجمال المجانية !.
- وعلى العكس من ذلك ، فإن الغموض المستغلق على الفهم والتذوق للعمل الفنى بالنسبة لمستويات التذوق ، يكون قاتلاً له بالقدر نفسه إذ ينتفى بذلك أحد الشروط الأساسية لحياة العمل الفنى بعد إنجازه وهو خلق أرض مشتركة للتواص الإنسانى ، واستثارة دوافع الحوار والفكر كوامن من الذائقة الجمالية لدى البشر ، وقديماً قيل إن العمل الفني أو الأدبى يظل ناقصاً حتي يجد متلقياً يتجاوب معه .
- الحضور الغائب
- هذه الخواطر تثييرها بشدة تجربة الفنان المصور وفيق المنذر إنها تجربة تنطلق من منظومة المسلمات الحميمة للوجدان المصرى : الموروث المتعدد المصادر ، البيئة الشعبية في الريف والمدينة ، معطيات الزخارف والرموز المتوفرة فى شواهدهما من عمارة وحرف تقليدية ، المرأة كدالة على الجمال والحب والعطاء والجنس ورمز للوطن أيضاً ، وغالباً ما تشكل هذه المنظومة ( قاعدة معرفية ) يستند إليها أغلب من تعرضوا بالكتابة عن تجربة ( المنذر ) فضلاً عن جمهوره الذى استمتع بأعماله عبر معارضه العديدة خلال رحلة عطائه الفنى علي مدى أربعين عاماً ، إلي جانب ما توفره لهم خبرته التقنية باستحداثه مادة جديدة غير مألوفة فى رسم لوحاته هى ( الجرانيوليت ) حتى أصبحت بالنسبة لهم موضوعاً مثيراً أو غاية ينتهي عندها مرام الفنان ، وليست أداة لتحقيق أهداف إبداعية كبرى .
- وأظن أن هذا الاستهال فى النظر إلي تجربة المنذر - بالاقتصار على تلك القاعدة المعرفية ، وما يصاحبها من أوصاف أدبية تتخذ ، ( أفعل التفضيل ) فى الثناء عليها ، كان من بين أسباب حالة ، الحضور الغائب للفنان فى المساحة التشكيلية عبر مشواره الفنى ، بفترة طالت أم قصرت ، وتلك ظاهرة لا تقتصر على المنذر وحده ، بل تنسحب على أغلب الفنانين من مختلف الأتجاهات والأجيال ، وقد تجعل تلك الظاهرة من الممكن أن تتساوى أصداء معرض لفنان ذى تجربة عريضة ومديدة مثله مع أصداء معرض لفنان ناشئ لكنه يملك قاعدة علاقات إعلامية أكبر من قاعدته ، وهى ظاهرة لا تعود إلي الفنان بقدر ما تعود إلى أزمة النقد ، فقد عجز النقد عن اختراق المسلمات أو المستويات العامة للتلقى والتحليل فى أعمال الفنانين من أجيال ما بعد الستينيات على الأقل ، تلك المستويات التى قد لا تشكل أكبر من ثمن جبل الجليد العائم ، فيما تغوص السبعة أثمان الباقية فى أعماق البحر !
- فهل فى مقدور مجتهد مثلى أن يغامر بالغوص فى أعماق التجربة الإبداعية لوفيق المنذر ؟
على كل .. دعنا نحاول !
- بين المتفق عليه وعالم البصيرة :
- ربما يغرينا المستوى الأول ( المتفق عليه ) في أعمال وفيق بنوع من الحلاوة البصرية ، التي تشبع ما نحب من صورة المرأة الشاعر بشاعريتها الناعمة ، وغوايتها المخاتلة ، وما تجمعه من ثنائيات مثل الخصوبة والعقم ، والحب والكيد وغوايتها السر والفضح ، المسرة والنكد، العطاء والاستحواذ ، الشهوة والطهر ، الضحية والجلاد ... إلخ .
- كما قد تستوقفنا استعاراته لأسلوب رسم الفنان المصرى على جدران المعابد ، والمقابر من وضع جانبي ، وانسيابية الخطوط واختزال التفاصيل ومن إيقاع موسيقى يتردد في همس ، وقد نضيف إلي ذلك عناصر الزخرف الإسلامى والشعبى ، من وحدات المثلث والمربع المشطور إلي مثلثين ومن عناصر الرسوم والزخارف الجدارية فى الريف والمدن .. إلخ ، تلك العناصر التى تشكل النسيج البصرى الجمالى لعالم وفيق المنذر .
- لكن هذه المدركات البصرية المتفق عليها تقودنا إلى مستوى أخر يمكن أن يدخل ضمن عالم ( البصيرة ) فتحيل المجسدات إلى مجردات رمزية ، وتحيل النوازع الحسية إلى إماءات غائرة فى العقل الباطن سواء لدى الفنان نفسه أو الإنسان عامة .
- وربما يكون من السهل علينا ، الوصول إلى مفاتيح هذا العالم الغائر فى الأعماق لوعدنا إلى ذكريات طفولته وأولى خطواته نحو عالم الفن ، فهي كفيلة بكشف إرهاصات الدوافع والنوازع والانتماءات الفكرية لديه ، ومن ثم الوصول إلى بنا شاطئ ` مشروعه ` الجمالى الراهن .
- منابع الذاكرة :
- إن أول ما تفتح عليه وعى الطفل ` وفيق ` قبل المرحلة الإبتدائية : بيت شبه ريفى قرب ترعة ` الحلوة` بحى حدائق القبة أواخر الثلاثينيات ، تفصل بينه وبين الترعة ستارة من أشجار الصفصاف وهى تمد جذورها فى بدن الشاطئ ، فيما تخيم بجدائلها الغصنية المورقة على صفحة الماء .
- هذه الصورة الشاعرية سرعان ما أطاحت بها صورة أخرى : مدافع وطائرات الألمان فى الحرب العالمية الثانية تقصف القاهرة ، أثار القصف تصل إلى بيته فتطيح بأثاثه وتملأ حياة الأسرة بالرعب ، يهجرون البيت والحى كله إلى جبل المقطم ، يطلون على مشهد من نوع آخر ، موغل فى التاريخ والتراث الإسلامى: قلعة صلاح الدين ، قباب ومآذن`سارية الجبل ` مساجد محمد على والسلطان حسن الرفاعى والإمام الشافعى والسيدة نفيسة ، بتجليات الزخارف والآيات القرآنية ، وبإشعاع شبابيك الزجاج الملون المعشق بالجص، وبروعة التراكيب الخشبية الرخامية فيها جميعا .
- وسوف نلاحظ أن مراحل أعمال الفنان، على تعددها - هى ترديدات نغمية تتنوع بين هذين اللحنين الأساسيين من المسالمة ، هرباً من العنف والصراع إلى ملاذ من السكينة الوادعة ، فى حضن الطبيعة ، ولحن التطريب الأرابيسكى على إيقاعات عربية وشعبية وتتألق نغمات اللحنين بتقنيه لا يمتلكها إلا من مر بخبرات حرفية فريدة مثله ، لا تتأتى إلا لمن وهب صبر المجالدة العضلية وعشق المهارة الحرفية بشتى أنواعها منذ الصغر .
- عندما يسترجع الفنان ذكريات طفولته ، يتذكر بيته الفسيح فوق جبل المقطم الذى شيدت جدرانه من الحجر
( حجر الدستور) كما يطلق عليه ، والذى يقطع من الجبل وينقل على حالته إلى موقع البناء ، حيث يقوم العمال بنحته فى أشكال منتظمة (مكعب أو منشور رباعى) وأحياناً يزخرف بأشكال هندسية ونباتية ، وتنحت به كرانيش لتجميل الواجهات والمداخل ، لقد انطبعت هذه المشاهد فى مخلية الصبى الصغير مرتبطة بصور التماثيل التى كان يراها فى مجلات الهلال والمصور .
- ألا نجد أصداء هذه العملية ( النحتية ) فى أعماله حتى اليوم ؟ . ألا نلاحظ هذا الملمس الحجرى فى سطوح مساحاته الرملية بمادة الجرانيوليت ؟ .. ألا نكتشف أثر هذه الوحدات الزخرفية والترديد الهندسى المنتظم فى تكويناته وإيقاعاته ، بما يذكرنا بزخارف الأحجار والبلاطات وانتظام صفوفها ؟ إن حياته ظلت مرتبطة بتلك اللأحجار والبلاطات المصنعة من الحجر الجيرى الأبيض ، ويتذكر الفنان أنه كان يقوم بالحفر عليها بأسلوب النحت البارز وهو صغير، مقلداً تمثيل بعض النحاتين التى كان يراها فى الصور مثل تمثالى الأعمى والمقعد وغيرهما .
- كما يتذكر الفنان أنه كان ميالاً بطبعه منذ الصغر لممارسة الأشغال اليدوية المختلفة ، حتى بلغ فى بعضها مهارة لافته، بالرغم من أنها أشغال تختص بها النساء،مثل أشغال الإبرة والتريكو والحياكة ، والمكياج والطباعة بالأستنسل، إلى جانب أشغال أخرى تستهوى الرجال مثل صناعة الجلود والنجارة والديكور المسرحى .
- أنامل الحرفى والفنان :
- إن من السهل أن نلاحظ أثر هذه الهوايات الحرفية جميعاً على أعماله الفنية فيما بعد ، ألا نجد تشابها ، فى التقنية ( مع تباين الخامات ) بين التطريز وأعمال الفسيفساء التى تميز بها بعد التحاقه بكلية الفنون التطبيقية ؟
- وألا نجد علاقة بين مصفوفاته ومنظوماته الزخرفية ، القائمة على التسطيح اللونى والتكرار المنتظم وبين صفوف التريكو المنتظمة أو وحدات الطباعة المترصة بالأستنسل ؟ وأليس ثمة قرابة بين السلم اللونى الثرى بدرجاته المتقاربة والمتأنقة فى المساحة الواحدة بلوحاته المنفذة بالجرانيوليت ، وبين السلم اللونى الصانع الماكياج على أديم الوجه ؟ نفس القرابة ألا نجدها بين البناء الهندسى المحكم بريايضية أرابيسكية فى لوحاته وبين أعمال الخرط العربى فى المشربية والحشوات الخشبية على الأبواب وبين نوافذ الزجاج المعشق بالجص وأعمال الديكور المسرحى ؟
- فإذا أضفنا إلى ذلك : عشقه للشعر التوقيعى وللموسيقى العربية ولأغانى أم كلثوم ، تبين لنا مدى تغلغل تأثير هذا الولع القديم بالحرف اليدوية ، وبالتطريب النغمى ( سمعياً وبصرياً ) وبالنظام الرياضى المحكم ، على إبداعاته الفنية فى تواصلها وقد نجد تناقضا بين الملمس الحجري الخشن الذى اختاره فى لوحاته ، نتيجة لطبيعة مادة الجرانيوليت الرملية ، وبين درجاته اللونية وإيقاعاته الناعمة ، لكنه تناقض ظاهرى تعبره العين دون توقف ، نظراً لقوة تأثير الجاذبية الأرابيسكية علي سطح اللوحة ، لتأثير التباين البرى بين المساحات اللونية والضوئية المنفذة بأناقة مرهفة .
- كما قد نجد تناقضا آخر بين الحس(الحرفى الجامع بين الخشونة والنعومة ) فى تقنياته ، وهو لا يخلو من صرامة وجفاف ، وبين الحس الرومانسى البادى فى مجمل أعماله ، متراوحاً بين الحلم والتحليق والعاطفة المشبوبة والإيقاع الغنائى الراقص ، لكنه أيضا تناقض ظاهرى تجرفه تلك الحالة الإنفعالية الجياشة والديناميكية الشرقية الطروب التى تغلف تلك الأعمال .
- ثم إننا قد نلاحظ - أخيراً - ازدواجاً بين منهجين مختلفين في بناء لوحاته : منهج الفن الإسلامى والشعبى القائم على تصفيف العناصر الرخرفية والتشكيلية بتساوق لا يعطى البطولة لعنصر على حساب بقية العناصر ، مع إلغاء البعد الثالث والتجسيم الأسطوانى وبين المنهج الأوروبى الذى يضع بطلاً - أو عدة أبطال - فى مقدمة اللوحة ، ويجعل بقية العناصر خلفية ثانوية ، أو يقيم تكوين اللوحة علي أساس متوازن للكتل والعناصر بين الأمامية والخلفية ، وبين الرأسية والأفقية ، محتفظاً بقواعد المنظور الهندسى والتجسيم الخفيف للمشخصات ، لكننا بقليل من التأمل - نكتشف أنه بمزج بين المنهجين دون أن نشعر بتلك الازدواجية ، حيث يعمد إلى تأكيد عناصر الخلفية الزخرفية وراء الشخصية (أو الشخصيات ) الرئيسية عن طريق الجرم واللون والدرجة ، بما يجعلها تبرز إلى المستوى الأمامى للوحة ، فتبدو أقرب إلى التعشيق الخشبى فى حشوات النجارة العربية ، أو إلى نوافذ الزجاج الملون المعشق بالجص ، حتى تحار فى تحديد أى العناصر هو الأمامى وأيها هو الخلفى لأن الجانبين - فى الحقيقة - يتبادلان المواقع بنوع من خداع البصر تساعد عليه تلك الفضاءات غير المنتظرة التى تتخلل الكتل والعناصر وتخفف من ` سيمترية` التكرار الرتيب ، وتجعل من التكوين بناء موسيقيا سيمفونيا .
- تحقيق الحلم :
- وعودة إلى ذكريات وفيق المنذر ، ولعلها تمنحنا مصباحاً ينير لنا منابع رؤيته وأسلوبه ودهاليز عالمه الفنى .. يتذكر الفنان - بعد حصوله على الشهادة الأبتدائية النموذجية عام 1950 وتحقيق حلمه بالألتحاق بمدرسة الفنون الزخرافية - حجم الفرحة التى غمرته عند إعلان قبوله بهذه المدرسة ليدرس فنون الرسم والزخرفة ، لقد وقف أمام الواجهة الخارجية للمدرسة مشدوها يكاد يبكى أو يصرخ أو يطير فى الهواء - على حد تعبيره! - وهو يتأمل تلك الواجهة الشاهقة وقد غطيت بأكملها ببلاطات القيشانى المنقوشة بزخارف عربية وإسلامية ونقوش بارزة مجسمة يغلب عليها اللون اللبنى ، ثم بوابة هائلة من الحديد المشغول ، ومدخل غاية فى الروعة ، ومن فتحات الباب الكبير يستطيع أن يرى نافورة ضخمة من الرخام والقيشانى الملون تتوسط الفناء الفسيح ، ( أليس ذلك الوصف الصادق أشبه بحلم فردوس دخله الفتى الموهوب ذو الأربعة عشر ربيعا ولم يخرج منه حتى اليوم ؟ لقد كاد يجن حينما جاء توزيعه على قسم آخر غير قسم الزخرفة ، ولم يهدأ له بال حتى أقنع المسئولين بإلحاقه بهذا القسم لكن - ويا لسعادته! - كانت تنتظره مفاجآت أخرى بالمدرسة ، فقد عرف أن هناك أنشطة وهوايات متعددة للتمثيل والديكور والماكياج والموسيقى .. ولم يشفق الفتى على نفسه وهو ينغمس فيها جميعاً دون حساب للوقت أو كيفية التوفيق بينها وبين دراسته الأساسية ، حتى أتقن فن المكياج لدرجة الاحتراف ! .. وكأن كل ذلك لم يكن كافياً لإشباع ولعه بكل أنواع الفنون فكان يذهب لسماع الموسيقى خاصة الكلاسيكية ، بالمكتبة الملحقة بمتحف الفن الحديث بمبناه القديم بشارع قصر النيل ، وكان يديره الفنان الكبير صلاح طاهر ، كما كان يذهب إلى دار الأوبرا القديمة ، ليشاهد عروض الباليه والأوبرات الإيطالية ، ومنها إلى مسرح الأزبكية ليشاهد مسرحيات يوسف وهبي وشكسبير وموليير وشوقى ..
- وجه آخر للمرأة :
- وكان لابد أن تقوده قدماه - وسط هذا الخضم ، ليلتقى بالمرأة الأولى فى حياته ، وليس بالفتاة المراهقة التى أحبها فى طفولته، وكانت تعمل فى ملهى ليلى قاده إليه أحد أصدقائه المجربين ، جلس فتاناً منزوياً خائفاً يحصى ما فى جيوبه من قروش قليلة ، حتى أثار منظره شفقتها وهى تقدم الطلبات للزبائن ، فقدمت له مشروباً (مزيفاً ) كى يبدو كأنه يشرب كبقية الزبائن ، وتبادلا أحاديث سريعة متقطعة ، واكتشف كم تخفى الصبغات الفاقعة والمظاهر البراقة البؤس والتعب والرغبة فى الخلاص والتوبة ، وتحرك الفنان الصغير الناشئ بداخله ليرسم أول لوحة زيتية فى حياته بطلتها إحدى فتيات الليل ، وهى تجلس إلى منضدة وأمامها كأس فارغة وسيجارة مشتعلة ، يتصاعد دخانها ليرسم جسدأ عارياً لراقصة تتلوى وسط خلفية يمتزج فيها الأحمر والأسود ! .
- ولم يكن طالب الفن الصغير يدرى أنه بهذه اللوحة سوف يسهم فى حل مشكلة اجتماعية عويصة لا شأن لها بالمرأة أو فتيات الليل وهى الطفولة المشردة !! ذلك أنه حمل لوحته إلى الأستاذ (نظير) مشرف التربية بنادى السيدة زينب ، فتملكته الدهشة لإقدام فتى غض مثله على دخول مثل ذلك النادى الليلى ، بل يتمادى أكثر فيرسم مثل هذه الصورة المنافية للأخلاق!! .. وحمل اللوحة بدوره إلى مجموعة من الأخصائيين المعنيين بالدراسات الأجتماعية والنفسية بالجمعية المصرية للدراسات الأجتماعية، وهى التى أسست أول مدرسة للخدمة الأجتماعية فى مصر ، وكان يرأسها على ماهر باشا رئيس الوزراء ، وأصبح الرسام الصغير ( وفيق ) محل دراسة واهتمام وبحث ، وانتهت الدراسة إلى تبرئته من تهمة الانحراف ، وإلى الاعتراف بقدرته على التحليل النفسى عن طريق الرسم وبناء على ذلك قامت الجمعية بتكليفة بالقيام بإجراء تجربة تربوية غاية فى الأهمية ، فقد استضافت مجموعة من الأطفال المنحرفين نتيجة مشاكل أسرية أدت إلى ارتكابهم بعض الجرائم أو إلى تشردهم فى الشوارع ، وأتاحت لهم فرصة التعبير بالرسم - تحت إشراف فناننا الصغير وفيق - عن كل ما بداخلهم دون تدخل من أحد لتعرض رسومهم بعد ذلك على الأخصائيين الأجتماعيين والنفسيين وخبراء التربية ، حتى تصل إلى الرموز والمدلولات التى تساعد فى الوصول إلى الأسباب والدوافع للانحراف ، وكانت مهمة وفيق هى الجلوس مع هؤلاء الأطفال عدة شهور مقدماً لهم ما يحتاجونه من خامات وأدوات ، وعليه أن يدرس أسلوبهم فى الرسم ، ويجمع حصيلة كل ليلة من أعمالهم ويقدمها للأستاذ نظير بعد أن يدون خلفها بيانات وملاحظات ومعلومات عن كل طفل ، ويذكر وفيق الآن - ويا للعجب ! - أن ما توصل إليه المحللون لرسوم الأطفال كان يتطابق إلى حد بعيد مع نتائج التحريات الأجتماعية التى أجريت عليهم .
- وفى عام 1954 أقيم معرض لهذه التجربة بمقر اتحاد خريجى الفنون الجميلة بشارع البورصة دعى إليه كافة المهتمين بشئون الطفل وأساتذة الفنون ، وأقيمت ندوة لمناقشة التجربة سجلتها الإذاعة انذاك ، وأسفرت عن توصية بإنشاء دور للملاحظة تجمع مثل هؤلاء الأطفال حيث يقضون فترة من الزمن وسط مجموعة من الأخصائيين قبل عرضهم علي محكمة الأحداث وهو ما تحقق بالفعل ! .
- وعلى ضوء أهمية هذه التجربة غير المسبوقة بالنسبة للعمل الأجتماعى ، فإن أهميتها على المستوى الإنسانى والجمالى كانت أكثر عمقاً فى حياة الفنان الناشئ وهو ما سأحاول التعرف على نتائجه .
- مولد فنان :
- كان عام 1955 عاما مصيريا فى حياة وفيق المنذر ، إذ التحق بكلية الفنون التطبيقية ( قسم الزخرفة ) بعد أن حسم تردده بينها وبين معهد الفنون المسرحية ، الذى كان يستهويه لإشباع ما يملكه من مواهب وخبرات فى فنون المسرح المختلفة ، من تمثيل ورسم مناظر مسرحية وماكياج . إلا أن عام 1956 كان هو العام الذى شهد ميلاده الحقيقى كفنان ، حيث أقام معرضه الأول وهو مازال طالباً بالسنة الأولى بالكلية، وكتب النحات العظيم جمال السجينى له شهادة ميلاده كفنان فى سجل الزيارة قائلا:
- إذا أحب الفنان فنه وأخلص له ، تفجرت ينابيع الحكمة بين يديه وأنت يا وفيق ذلك الفنان الذى أخلص لفنه فشفت روحه ، ومزق ضياؤها الحجب ( وبقدر ما استخفته الفرحة فطار محلقاً ، أثقلت كتفيه هذه الكلمات بمسئولية رازحة ، وملأت قلبه بجزع شديد دخول عالم الكبار ، لكنه جزع سرعان ما تحول إلى شعور قوى بالجرأة والاقتحام ، دفعه بعد أربعة أعوام وفى نفس عام تخرجه عام 1960 - إلى أن يتقدم للإشتراك فى مسابقة صالون القاهرة لجمعية محبى الفنون الجميلة التى يتزاحم عليها كبار الفنانين و الأساتذة فى ذلك الوقت وكانت المفاجأة هى حصوله على جائزة الموازييك مع شهادة تقدير ، وكان ذلك سببا فى أزمة بينه وبين أستاذه بالكلية الذى تقدم إلى نفس المسابقة ، فانتزع تلميذه الجائزة منه ! .
- وعين المنذر بعد تخرجه مدرساً بالتعليم الفنى الصناعى بمدينة ميت غمر ، وفى تلك البيئة الريفية الهادئة على شاطئ النيل تفتحت روحه على نوع آخر من الجمال الطبيعى الساحر وسط المزارع والنخيل والامتداد الأخضر بغير نهاية الذى يشقه النهر كأخدود في الجنة ، إلا أن الأكثر سحراً كانت هى المرأة الفلاحة ، برشاقتها المكتنزة وملابسها المشجرة بألوان زاهية تحت الجلباب الأسمر الشفاف الذى يظهر أكثر مما يخفى وبطرحتها التى تتطاير بدلال فى الهواء أو تلتف حول صور ناهد ، واستسلم الشاب لسحر العيون الواسعة الكحيلة إذ تناوشه من بعيد على استحياء آسر ، فكانت تلك الصور مخروناً وزاداً لإبداعه ، ظل ينتح منه على امتداد مشواره الفنى .
- وتوالت نجاحاته مع تعاظم ثقته بنفسه ، وتملكه لأسرار فنه ، فحصل على الجائزة الأولى لمعرض الطلائع عامى 61 ، 62 ، بأعماله فى الموزاييك ، وسافر إلى إيطاليا وإنجلترا عام 63 حيث كان السفر فى حد ذاته هو الجائزة ، وهكذا ارتبط اسمه لسنوات طويلة بفن التصوير بالموزاييك كرائد من رواده .
- أربعة تجليات للمرأة :
- من أين نبع ذلك الاهتمام الجارف بالمرأة طوال مراحل إنتاج الفنان المنذر ؟
- لقد ظلت هى المحور الأساسى - بل الوحيد - لأعماله ، حتى أن هذا الإنتاج خلا من أى ظل للرجل فى جميع مراحله ، مما جعله يبدو عالماً أنثوياً خالصاً ، هل يكمن السبب فى تكوينه الشخصى أى زيادة فى انجذابه لفتنتها ؟ أم هو ذلك التوق الفطري لدي الفنان عموماً لأكتشاف المجهول ، والذى هو المرأة أول بوابات أسراره المغلقة ؟ أم لطبيعة التجارب الخاصة له معها من فترة إلى أخرى ؟ وتحديداً ما هى الخبرة الأكثر تأثيراً عليه من بين تلك التجارب : تجربة الطفولة ، أم فتاة الملهى الليلى ، أم الفتاة الريفية بميت غمر ؟ ربما رسبت تجربة الطفولة فى أعماقه مذاق الشهد والعلقم معاً ، بعد أن ذاق حلاوة نبض القلب البكر ورعشة الأيدى باللمسة المختلسة ، ثم مرارة الخيانة الأولى مع فتى أكبر منه سناً ثم كان اكتشافه الثانى للمرأة من خلال عالم المستور الذى دخله فتى يافعاً أكتشافاً درامياً مزلزلاً للمفارقة بين الوجه والقناع لذا فقد اجتاز دفعة واحدة - مراحل عدة من الرومانسية ، التى قد تستغرق من الشباب عادة سنوات طوالاً حتى يطل على عالمها الداخلى ، ثم جاء تعرفه عليها بميت غمر محفوفاً بإطار الطبيعة المصرية الخلابة فى الريف ، ليقيم التوازن بداخله تجاهها ، ويبنى جسور الوصل بينها وبين الرموز الأسطورية والحضارية فى لوحاته .
- وقد أتمادى فى استنتاجى فأصل إلى تلخيص لرؤيته الفنية للمرأة فى أربعة ألحان رئيسية قد تبلورها أربعة رموز للمرأة :
- الأول : أفروديت اليونانية ، بجمالها النموذجى وهى تتأود منبثقة من زبد البحر بفتنه طاغية ، والثانى : إيزيس الفرعونية الرمز الأبدى للحنان والحب والعطاء والوطن، والثالث: النداهة الشعبية رمز الملكيدة المهلكة التى تتجسد فى صورة خادعة تخفى تحتها نية شريرة تؤدى بضحيتها إلى الضياع ، والرابع : شفيقة المصرية : التى دفعها المجتمع إلى الإنحراف ، ثم حكم عليها بالموت على يد شقيقها .
- قد لا يكون المنذر قد خامرته هذه المعانى أو خطرت له تلك الرموز فيما يقدم لنا فى نماذجه العديدة عن المرأة لكن لوحاته لا تكف عن تحريضنا للنظر إلى نموذج المرأة فيها عبر إحدى زوايا النظر تلك ، سيما وأن علاقة الفنان بالمرأة علاقة بندولية ، تتأرجح بين التغزل فى مفاتنها والولع بكل ما يخصها حتى العكوف على تعلم وإجادة كل ما يقربه إليها من أعمال الحياكة والتطريز وأشغال الأبرة والطبخ والماكياج وتصفيف الشعر ، ثم الاستجابة لضعفها واستكانتها والانجذاب لسحر أنوثتها ، وبين الانقلاب عليها وتصويرها بوجه مهرج وأحياناً بلا أى ملامح أو حتى بلا أى رأس تعبيراً عن غبائها ، وهو فى تلك العلاقة المعقدة - أو الملتبسة - دائب التساؤل عن سر المرأة وعن سر انجذابه الشديد إليها ، إلى حد البحث عن الإجابة فى مخزون نشأته بين أحد عشر أخاً وأختاً ، برغم ما حظى به من حنان الأم ، وقد دفعه هذا التوق لمعرفة المرأة إلى البحث عن نماذجها المختلفة فى الأحياء الشعبية العتيقة مثل الأزهر والحسين والمغربلين خلف ستارة نافذة أو خصاص مشربية ، متجملة بكل زينتها فى رجلها أو عشيقها، وربما متربصة له بالكيد والغيرة وكم حفلت لوحاته يمثل هذه المشاهد.
- وإذا كانت ثمة عناصر مصاحبة للمرأة ( التى قد نراها مضطعجة أو مسترخية أو واقفة ) فهى إما حصان أو ثور أو حمامة أو حدأة أو بومة أو ديك أو ثعبان أو قلة أو عين أو شجرة أو نخلة .. وكلها مرادفات رمزية لمعانى ودلالات مثل عرامة الشهوة أو جموح النشوة أو حلم الحب أو قوة السحر أو وحشة الهجر أو عمق الانتماء أو نبل العطاء ..
- خريطة الجسد خريطة الوطن :
- إن جسم المرأة تحول إلى آلة موسيقية يعزف عليها الفنان ألحانه الأربعة بتنويعاتها المختلفة ، وتمثل الخطوط القوسية المنسابة فيها عنصراً سيادياً ، وتتصاعد الأقواس من الاستدارات العضوية لأجزاء جسم المرأة إلى شكل القباب التى تعلو الرأس والصدر ويمثل الانسياب الخطى لحدود الجسم تضاريس جغرافية موحية بالخصوبة أو الجنس أو الرشاقة أو الدلال ، أما داخل الحدود فيختلف من لوحة إلى أخرى حسب الحالة المزاجية أو المعنى الرمزى لدى الفنان ، فهو حينا مجال للدندنة الشرقية بواحدات زخرفية عبر الذى ترتديه المرأة، وهو حينا آخر مجال للتشريح إلى شرائح تكعبيبة أو كروية ، تبرز مواضع الخصوبة أو الميلاد أو الإثارة ، وفى مثل هذه الحالة يتجاهل الفنان عادة وجود الرأس ، ليصبح الجسم خريطة جغرافية مستباحة ومخاتلة ، تتحول خلالها العين لتفض غموض المساحات المجهولة داخل المرأة ، وهى تغرى بالتواصل مع كنه الحياة بأبعادها المختلفة ، أو تعكس حالة التمزق والاستباحة التى يمثلها نموذج الضحية ، وفى أحيان ثالثة يقسم جسد المرأة طولياً إلى شقين ، أحدهما خمرى والآخر بنى معتم ، بما يعطى مؤشراً للنظر إلى المرأة باعتبارها ذلك الكائن الذى يجمع بين النقضين : النور والظلمة !
- غير أن ثمة ما يدفع المشاهد إلى النظر إلى خريطة الجسد الأنثوى كمرادف لخريطة الوطن ، فإن خطوط التشريج فيه لا تنتهى عند حدوده العضوية بل تتماهى هى مفردات المحيط الخارجى حول الجسم وتمتزج بها فى وحدة عضوية ، حتى لا تكاد تتبين أين ينتهى الجسد وأين تبدأ الخليفة ، فإذا كانت هذه المفردات ذات دلالات على الوطن ، مثل عيدان الزرع وأغصان الزيتون وزهرة اللوتس وإصيص الورد وقلة السبوع وسلاسل الجبال وسوامق النخيل وزجزاج ماء النيل وثقوب المشربية وحروف الهيروغليفية وعين حورس ، تبدت لنا العلاقة العضوية التى لا تنفصم بين المرأة والوطن ، فإذا بنا ندلف من خرائطها إلى خرائطه أو العكس ، وهما فى علاقتهما التكاملية، التبادلية يعوض أحدهما ما يصيب الآخر من تمزق أو انفصام ، فيعمل على التحامه ووحدته.
- وبينما يتحول النبض الحسى إلى معنى مطلق اسمه الوطن يتحول المطلق من خلال الفن - إلى نبض حسى نعيش فيه كما يعيش فينا .. وهكذا ليستخلصنا الفنان من مجانية الكلام المباح وتقريرية ( القاعدة المعرفية ) دافعاً إياناً للإبحار فى أعماق أبعد مدى من المسلمات المتراكمة على قارعة الطريق لنعيد اكتشافها ونرد إليها اعتبارها ، كقيم إنسانية تخاطب العقل والشعور .
بقلم: عز الدين نجيب
مجلة : إبداع (يونيو 2000)
الفنان وفيق المنذر (1936- 2014 ) الذى خذله الفن والوطن!
- عالمه أغنيات بصرية - بلغة الشكل - للحب ولتبجيل المرأة ، وللتصالح الإنساني ، وللتواصل مع الحياة والكون .. ما أشبهها بأناشيد اخناتون قبل 3800 عام ، وهو يرسل أدعيته حباً وتقرباً لباعث الحياة وواهب الجمل والطبيعة والوجود ، ومثله فناني عصر اخناتون حين عبروا عن عبروا عن رؤيتهم الوجودية فانقلبوا على مظاهر ` الفن المثالي ` بالمقاييس الكهنوتية في تصاوير المعابد والمقابر ، ابتكر وفيق المنذر لغة جديدة نابضة بالحياة والشعر ، متوترة بالمفارقة والمغايرة لقواعد المنظور والنسب الطبيعية المعتادة ، فجاءت مفردات هذه اللغة خطوطاً وألواناً إيقاعية متقاطعة ومتناغمة ومتصاعدة ، وجاء أسلوبه تحليلياً وتفكيكاً لعناصر الإنسان والطبيعة ، قبل أن يعيد بناءها وفق قانون البناء الموسيقى ، القائم على مركزية اللحن الأساسي ( الميلودي ) ، ثم تتداعي عناصره وتتقابل وتتعارض وتشكل في النهاية التوافق ( الهارموني ) ، وبدلاً من قياس الحركات النغمية بموازير الزمن ، فإن القياس لدى المنذر يتم في رؤية بصرية خاطفة ومسطحة بغير امتداد زمني .
- ومثلما ابتكر مفردات لغته التشكيلية ، كذلك ابتكر الخامة التي ينفذ بها لوحاته ، بعيداً عن الألوان الزيتية والمائية وغيرها من الخامات التي أعتادها الفنانون العرب منذ قرن مضي ، مقتفين أثر الفن الأوروبي الذي تتلمذوا عليه ، تلك الخامة هي حبيبات ملونة متناهية الصغر أشبه بحبيبات الرمل تسمى ` جرانيوليت ` ، وتستخدم أساساً في تلوين واجهات المباني ، نظراً لمقاومتها للعوامل الجوية وثبات ألوانها في مواجهة الشمس والأمطار ، وللمنذر فضل الريادة في استخدامها لرسم اللوحات المتنقلة وعرضها في المعارض وتطويعها لمقتضيات فن التصوير على الألواح الخشبية مستخدماً سكاكين الألوان بدلاً من الفراجين ، حتى أنه يرسم بها خطوطاً بالغة الرهافة بدون استخدام الفرشاة . ولعه في شبابه المبكر كان مسحوراً بفكرة خلود أعمال الفن المصري القديم وبقاء ألوانها بعد آلاف بكل إشراقها وبهائها بسبب خاماتها المعمرة مثل ألوان التمبرا ، وظل هذا الهاجس يراوده ويحرضه للبحث عن خامة تتحدي الزمن مثل جداريات طيبة ، فبدأ أولاً باستخدام قطع الفسيفساء الحجرية والزجاجية ( الموزاييك ) ، حتى انتهى إلى الجرانيوليت ، ولا تقتصر مزايا هذه الخامة على مقاومة العوامل الجوية ، بل إنها تحقق كذلك ملمساً خشناً محبباً وسطحاً يمكن التحكم في بروزه أو غوره ، تلك قيمة مضافة اجتهد الفنانون لبلوغها بطرق مختلفة في أعمالهم ، كمظهر جمالي يتلاعب الضوء بتضاريسه محدثاً تأثيراً مميزاً ، وهذا ما يعطي للمنذر الجلد والصبر للأنكباب على اللوحة أضعاف الوقت الذي يقضيه عند استخدام الألوان العادية ، كما يكسبه الحنكة للسيطرة على تقنية التصوير فوق السطح بدون حذف ما يريد من ألوان ، لأن ما يتم إضافته غير قابل للحذف أو التغيير مثل الخامات الأخرى .
- أكثر من عاماً من العطاء الإبداعي بغير توقف ، أثمرت مئات اللوحات وعشرات المعارض والعديد من الجوائز ، وكان حرياً به - لو توفر له المناخ الصحي ثقافياً واجتماعاً - أن يكون رائداً لتيار متميز في الفن القومي ، يعمل على الأنتقال بالفن من القاعات المغلقة إلى الجداريات في الأماكن المفتوحة ، وعلي تربية الذوق الجمالي للجماهير وهي تتردد على تلك الأماكن ، وتصافح عيونها أعمال الفن بدون أن تنتقل إلى المتاحف والمعارض التي لا تدخل ضمن اهتماماتها ولا توجد في مساراتها ، وهذا ما ينقص نشاطنا الفني في مصر منذ أربعة عقود ، بعد أن كانت الجداريات التشكيلية الكبرى تقام بأيدي كبار الفنانين وتجمل العديد من المباني الحكومية في ساحات المحاكم ومحطات المترو والسكك الحديدية ومباني هيئة الإتصالات وغيرها ، وكانت التماثيل تنتشر في الحدائق العامة والميادين والساحات المفتوحة لكن يبدو أن المنذر جاء في الوقت الخطأ ، حيث تخلت الدولة عن مسئوليتها في محو الأمية الجمالية الجماهير وتخلى الفنانون عن الألتزام بدورهم تجاه الشعب خارج القاعات المغلقة بالأحياء الغنية ، كما تخلوا عن استلهام أعمالهم من التراث الحضارى ومن واقع الحياة والبيئية ، وفضلوا الأخذ بأساليب واتجاهات الفن الغربي ، حتى ولو أثارت نفور العامة وكثرة من المثقفين .
- تراكمت الأعمال في مرسم المنذر وفاضت عنه وعن منزله مع قلة الإقبال على اقتنائها ، حتى باتت عبئاً يفوق احتماله واحتمال أسرته التي ضحت معه بالكثير من أجل تلبية احتياجات مسيرته الفنية ، وعلى الرغم من قدرته على مواجهة هذا التحدي ، بتوفير الأماكن لأعماله المتراكمة ، وبربط الحزام لمواجهة النفقات المادية المتزايدة ، فإنه لم يكن يستطيع تجاهل الشعور بالإحباط لعدم نيله ما يستحق من التقدير المعنوي من الدولة أو من النقاد ، وهو يرى كل يوم وجوها يتم تكريمها وتلميعها وتصديرها للخارج في المعارض التى تمثل الدولة بعد أن شبعت من التواجد في المعارض المحلية ومن الأقتناء لوزارة الثقافة والهيئات الكبرى ، ويرى أن المؤسسة الرسمية المعنية بالفن تضع معايير التفوق على مقياس اتجاهات الحداثة الغربية أو على حسابات المصالح والشلل ومواقع النفوذ .
- وفي عيد ميلاده السبعين (2006) اتخذ قراراً مصيرياً بالتوقف عن ممارسة فن التصوير والعكوف بمنزله ، ليشكل لوحات افتراضية على الكمبيوتر ، مطلقاً العنان لخياله ومغامراته التشكيلية ، كانت تلك فترة انتقالية استمرت ثلاث سنوات ، قبل أن يقرر الطلاق البائن لفن التصوير ، ثم يخلي مرسمه بالجيزة ( أقصى جنوب القاهرة ) وينقل جميع لوحاته إلى مخزن يملكه أحد أبنائه بمدينة العبور ( أقصى شمال القاهرة ) بعد أن غلف كلا منها بلفافات أشبه المومياوات ، فكأنما يدفنها حية ، بعد أن فقد رغبة في مشاهدتها ، وقد خذلته كما خذله الوطن !
- لم تكن تلك حالة نفسية عابرة أو احتجاجاً انفعالياً عارضاً ، بل كانت قراراً عقلياً بارداً ، مؤسساً على قناعة بأنه لا جدوى من الأستمرار والتضحية والأنتظار العبثي لتقدير لن يأتي أبداً ، في ظل المتغيرات القيمية المتسارعة في الحقبة الأخيرة ، التى جعلت الفن نشاطاً غريباً وزائداً عن الحاجة ، تحت قبضة المطالب المادية وهمينة ثقافة الإستهلاك وقيم المنفعة واقتناص الفرص ، على حياة المجتمع والنخبة المثقفة أيضاً ، ولم يبق ثمة مكان متميز لفنان على الساحة إلا لمن جمع بين الفن والسلطة ، أو بينه وبين أصحاب الثروة والنفوذ وشبكات العلاقات العامة ودوائر الصحافة والأعلام ، ودكاترة أكاديميات الفنون وسماسرة الفن وعبر صالات المزادات ، أما هو فليس له انتساب إلى أى من تلك الدوائر أو حتى رغبة في الأنتساب إليها .
- هكذا نفذ قراره في هدوء وصمت ، ولم ينس أن يهدي بعض أصدقائه المخلصين عدداً من لوحاته ، لكونهم يعرفون قدرها وسوف يورثونها لأبنائهم ، عسى أن يحفظوا اسمه من الاندثار بعد رحيله .
- لكن .. هل كان لمثله - بكل تاريخه - أن يستمر بغير أبداع ؟ لا. لقد استمر يبدع ولكن بعد أن غير الهدف والوسيلة ، فلم يعد معنياً بإقامة المعارض وانتظار بيع أعماله ، لكن بقيت رغبته في التواصل مع الآخرين ، ووجد في الصورة الألكترونية عايته ، ليبثها عبر موقعة على الشبكة العنكبوتية أملا في التفاعل والحوار مع الجمهور الذي لم يقدر له أن يزور معرضاً في حياته ، واستدعت الوسيلة الجديدة في التعبير تغييراً جذرياً في الأسلوب الفنى، فابتعد عن الرسم بمفهومه التقليدى، وازداد قرباً من التجريد ، ليقيم عبر مساحات الألوان أو إيقاعات الخطوط وملامس الأسطح، علاقات جمالية متحررة من ` الموضوع ` لكنها لا تخلو من المضمون، ومن الأسئلة والإيحاءات الرمزية لما وراء هذه الأشكال ، لكنه - قبل أن يكون متجهاً إلى جمهور يشاهد أعماله ليتحاور معها ويستمتع بها ، يتجه أكثر إلى ذاته وإلى التأمل في الكون ، أشبه ما يكون بحالة مصالحة صوفية مع نفسه ومع الوجود ، تنعم روحه بالصفاء والشفافية والزهد في الماديات والأغراض العارضة ، مؤثراً عليها ثراء القلب بالمشاعر وفيض التجليات الروحية ، ولعل ذلك كان عاصمة من الغرق في مستنقع اليأس والإحباط والنقمة والخصام مع الواقع .
- من هو وفيق المنذر ؟.. إنه قاهرى المولد والنشأة ولد عام 1939 ، وكان أول ما تفتح عليه وعيه قبل المرحلة الإبتدائية : بيتاً شبه ريفي قرب ترعة ` الحلوة ` بحي حدائق القبة أواخر الثلاثينات، تفصل بينه وبين ترعة ستارة من أشجار الصفصاف ، تمد جذورها فى بدن الشاطئ ، فيما تخيم بجدائلها الغصنية المورقة على صفحة الماء .
- هذه الصورة الشاعرية سرعان ما أطاحت بها صورة أخرى : مدافع وطائرات الألمان في الحرب العالمية الثانية تقصف القاهرة ، آثار القصف تصل إلى بيته فتطيح بأثاثه وتملأ حياة الأسرة - التي تتكون من 17 أبناً وبنتاً وأبوين - بالرعب ، يهجرون البيت والحي كله إلى جبل المقطم ، يطلون على مشهد من نوع آخر ، موغل في التاريخ والتراث الإسلامي ، قلعة صلاح الدين ، قباب ومآذن ` سارية الجبل ` ، مساجد محمد على والسلطان حسن والرفاعي والإمام الشافعي والسيدة نفيسة ، بتجليات الزخارف والآيات القرآنية ، وبإشعاع شبابيك الزجاج الملون المعشق بالجص ، وبروعة التراكيب الخشبية والرخامية فيها جميعاً .
- ونلاحظ أن اللغة الجمالية للفنان - على تعدد مراحلها - هي ترديدات نغمة تنوع بين هذين اللحنين الأساسين : لحن المسالمة .. هرباً من العنف والصراع إلى ملاذ آمن محفوف بالسكينة الوادعة في حضن الطبيعة ، ولحن التطريب الأرابيسكي على إيقاعات عربية وشعبية ، وتتألق نغمات اللحنين بتقنية لا يمتلكها إلا من مر بخبرات حرفية فريدة مثله ، من تصميمات للعمارة وديكورات للمسرح وتعشيقات للنجارة ، ومن مكياج للمسرح وتصميم للأزياء .. وهي جميعاً لا تتأتي إلا لمن وهب الصبر والمجالدة العضلية وعشق المهارة الحرفية بشتى أنواعها منذ الصغر .. لقد عايش عن قرب ملمس الحجر أثناء تشيد بيت الأسرة فوق جبل المقطم ، وهو يلاحظ العمال إذ يقومون بنحت قطع الأحجار في أشكال منتظمة ، وأحياناً يقومون بزخرفتها بالحفر على هيئة أشكال هندسية ونباتية لعمل الواجهات والكرانيش والمداخل ، فانطبعت هذه الصور في مخيلة الصبي الصغير مرتبطة بصور التماثيل التي كان يراها في بعض المجلات ، لتبزغ آثارها ذات الملمس الخشن فيما بعد فوق سطوح لوحاته بمادة الجرانيوليت ، كما تجلت الوحدات الزخرفية والترديد الهندسي المنتظم في تكويناته وإيقاعاته ، إن حسه الجمالي ظل مرتبطاً بتلك الإحجار والبلاطات المصفوفة الزخرفة ، القائمة على التسطيح للمساحات اللونية والتكرار المنتظم بنكهة أرابيسكية .
- كان عام 1955 عاماً مصيرياً فى حياته ، إذ ألتحق بكلية الفنون التطبيقية ( قسم الزخرفة )، إلا أن عام 1956 كان هو العام الذي شهد ميلاده الحقيقي كفنان ، حيث أقام معرضه الأول وهو لا يزال طالباً بالسنة الأولى بالكلية، وكتب النحات الشهير جمال السجيني له شهادة كفنان بعد أن قام بإفتتاح معرضه، مشيراً إلى أن موهبته جمعت بين الإخلاص للفن وشفافية الروح وانطلاق التعبير .
- وفى نفس عام تخرجه ( 1960) وقد امتلك الكثير من الجرأة على الأقتحام ، تقدم للأشتراك فى مسابقة صالون القاهرة لجمعية محبى الفنون الجميلة ، الذى يتزاحم كبار الفنانين أو الأساتذة للفوز بجوائزه كل عام ، وكانت المفاجأة هي حصوله على جائزة عن لوحة بالموزاييك مع شهادة تقدير ، في نفس الوقت الذي لم يستطع بعض أساتذته المشاركين فى الصالون نيل الجائزة ، وتوالت نجاحاته مع تعاظم ثقته بنفسه وتملكه لأسرار فنه ، فحصل على الجائزة الأولى للطلائع عامى 61 ، 62 بأعماله في الموزاييك ، وسافر إلى إيطاليا وإنجلترا عام 1963 ، حيث كان ذلك في حد ذاته هو الجائزة .
- ظلت المرأة هي المحور الأساسي - بل الوحيد - لأعماله ، حتى أن لوحاته تخلو من الرجال في جميع مراحله إلا فيما ندر، مما جعل عالمه يبدو أنثوياً خالصاً ، يمكن تلخيص رؤيته الفنية للمرأة في أربعة ألحان رئيسية قد تبلورها أربعة رموز :
- الأول : أفروديت اليونانية ، بجمالها النموذجي وهي تتأود بازغة من زبد البحر بفتنة طاغية ، والثاني : إيزيس الفرعونية ، الرمز الأبدي الحنان والحب والعطاء والوطن ، والثالث : النداهة الشعبية رمز الغواية المهلكة التي تتجسد لضحيتها في صورة خادعة تخفي نية شريرة تؤدى به إلى الضياع، الرابع: شفيقة المصرية، التى دفعها المجتمع إلى الإنحراف تم حكم عليها بالموت بيد شقيقها .
- وأيا ما كانت الدوافع والتأويلات، فإن جسد المرأة تحول لديه إلى آلة موسيقية يعزف عليها ألحانه الأربعة بتنويعاتها المختلفة ، وتمثل الخطوط القوسية المنسابة فيها عنصراً سيادياً ، وتتصاعد الأقواس من الأستدارات العضوية لأجزاء جسم المرأة إلى شكل القباب المعمارية ، ويمثل الإنسياب الخطى لحدود الجسم تضاريس جغرافية موحية بالخصوبة أو الجنس أو الرشاقة أو الدلال ، أما داخل الحدود فيختلف من لوحة إلى أخرى حسب الحالة المزاجية أو المعنى الرمزي لدى الفنان ، غير أن ثمة ما يدفع المشاهد إلى النظر إلى خريطة الجسد الأنثوي كمرادف لخريطة الوطن ، فإن خطوطه لا تنتهي عند حدوده التشريحية ، بل تتماهي مع مفردات المحيط الخارجي حول الجسم وتمتزج بها في وحدة عضوية ، حتى أنك لا تكاد تتبين أين ينتهي الجسد وأين تبدأ الخلفية ، فإذا كانت هذه المفردات ذات دلالات على الوطن ، مثل عيدان الزرع وأغصان الزيتون وزهرة اللوتس وأصيص الورد وقلة السبوع وسلاسل الجبال وسوامق النخيل وزجزاج ماء النيل وثقوب المشربية وحروف الهيروغليفية وعين حورس ، تبدت لنا العلاقة العضوية التي لا تنفصم بين المرأة والوطن ، فإذا بنا ندلف من خرائطها إلى خرائطه والعكس ، وهما في علاقتهما التكاملية / التبادلية ، يعوض أحدهما ما يصيب الأخر من تمزق أو انفصام ، فيعمل على التحامه ووحدته ..
- والآن .. بعد أن عملت أزمة الواقع الثقافى على الخصام بين الفنان وبين فنه .. هل يمكن أن تتم المصالحة بينه وبين خريطة الوطن؟
بقلم الناقد: عز الدين نجيب
من كتاب ( الفنان المصرى وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية)
|