زينب عبد الحميد الزرقانى
- قبل منتصف القرن العشرين كانت الفنانة زينب عبد الحميد قد بدأت تضع أقدامها على مشارف الشخصية المستقلة كفنانة تجمع بين التلقائية ومنظور عين الطائر، وقد كان راغب عياد هو بحق أول من وضع التلقائية كوسيلة للتعبير على طريق الإبداع المصرى غير أن التلقائية عند قد ارتبطت بإلقاء حرية التعبير عن أحوال البشر فى الأسواق وفى الحقول فقد ألقى بفرشاته إلى الإنسان البسيط مقتربا من التراث الفرعونى والقبطى بألوان تقترب من ألوان الأيقونات . - ومن عباءته خرج كثير من الفنانين وتشير أعمال زينب عبد الحميد إلى التلقائية والبساطة التى تميز بها فن راغب عياد غير أنها شخصية مستقلة فتناولت عناصر الطبيعة دون التركيز على الإنسان أو الحيوان .
- تنفرد الفنانة زينب عبد الحميد بشخصيتها الفنية المتفردة فقد اختلفت تماماً عن كافة رسامى المناظر الطبيعية فى مصر لسببين : الأول زاوية الرؤية التى اختارتها بمنظور الطائر فهى ترى الأشياء من أعلى وكأنها طائر محلق مدقق متأمل والسبب الثانى هو التناول الموازييكى الذى تتحول فيه جميع الأشكال المرسومة إلى تفاصيل هندسية الطابع مرصوصة بكل الدقة وملونة بألوان جميلة التكوين ومحددة بخطوط سوداء واضحة القسمات مما يجعلنا نطلق عليها لفظ موازييك وكأنها قطع من الزجاج الملون المشع بالضوء واللون، فاللوحة عندها تركيبة شرقية النغمات عصرية التناول متفردة الرؤية جعلت من المناطق الشعبية ببولاق ومراكب وعوامات النيل لوحات رائعة الحسن جميلة التفاصيل ممتلئة بالإشراقات اللونية من خلال منظور فريد مما جعل أعمالها تقترب من الفسيفساء فى العصر الإسلامى بألوانه وإيحاءاته .
- ولدت الفنانة زينب عبد الحميد عام 1919 وهو نفس العام الذى ولد فيه الفنان عز الدين حموده الذى تزوجها عام 1946 وأيضا شاركها فى سنه الميلاد عدد كبير من مشاهير الفنانين مثل منير كنعان ( ميشيل داود كنعان ) ولطفى الطنبولى ومحمد حامد عويس، وفؤاد كامل والفنانة تحية حليم ويحيى على أبو حمده وإيزاك فانوس والمعمارى يحيى الزينى ـ وهى أسماء أيضا جديرة بالتقدير.
- حصلت الفنانة على دبلوم معلمات الفنون سنة 1945 ثم سافرت مع زوجها محمد عز الدين حموده فى منحة دراسية إلى أسبانيا سنه 1949 وعادا معا بدرجة الأستاذية فى الرسم سنة 1952 وعملت بعد عودتها كمدرسة بمعهد معلمات الفنون الجميلة الذى تحول الى كلية التربية الفنية 1976 .
- ساهمت هى وزوجها فى تأسيس جماعة الفن الحديث واشتركت فى معارضها بالقاهرة والإسكندرية طوال عشر سنوات.. تميزت الفنانة باستخدام الألوان المائية والأقلام الملونة كخير معين فى رسم المنظر الطبيعى وان كانت تناولت بعد ذلك عددا لا بأس به من الأعمال الزيتية ذات الأحجام الكبيرة مثل لوحة عوامات فى النيل سنة 1992 ( 260 × 110 سم ) والموجودة كجدارية بجريدة الأهرام وغيرها من الأعمال ذات الأبعاد الصغيرة أو المتوسطة، عرضت الفنانة لأول مرة فى مصر سنة 1947 بمتحف الفن الحديث بالقاهرة ثم الإسكندرية عام 1948 وبالقصر الصغير بباريس سنة 1949 ثم بينالى فينيسيا ( 25 ) سنة 1950 ومدريد وساوباولو بالبرازيل وبينالى الإسكندرية .
- واظبت الفنانة على المشاركة فى المعارض العامة ومثلت مصر فى عدد من المعارض الخارجية والمعارض الخاصة بالمرأة المصرية حيث لاقت أ عمالها كل النجاح وأصبح لها جمهورها الكبير الذى يقدر فنها فانتشرت أعمالها فى مختلف المتاحف فى مصر وفى الدول الأوروبية وأمريكا وأصبح إسمها علما على فنها ذو الخصوصية الإبداعية فهى تشغل سطح اللوحة بكل الاحترام والدقة لكل سنتيمتر .
- يرتكز فن زينب عبد الحميد على عنصرى التحديد وتقسيم المساحات..فالمساحات الكبيرة تتناقص كلما تعمقنا إلى داخل المنظر ممثله الترام القريب أكبر حجما من القاطرة التى تتبعه وبالتالى فسطوحه الملونة أكبر وأكثر ظهورا. وترى الفنانة أن الخطوط هى أساس التكوين وأنه بعد اكتمال الخطوط تصبح اللوحة جاهزة للمرحلة التالية وهى التلوين والتلوين هنا مجال لوضع الإحساس بمادة الشىء خشب أم حديد غير ذلك من خامات مثل القماش والهواء والماء و النبات.. وتقول الفنانة، أن إدراك المنظر ككل يحتاج إلى التركيز فى اختيار زاوية الرؤية .
- سألت الفنانة الكبيرة عما تريد أن توصله للأجيال القادمة قالت: لقد تتلمذ على يدى الكثير من الفنانات والفنانين كما أنه أيضا تتلمذ الكثير على يد الفنان عز الدين حموده وأنت أحد تلامذته وكلانا كان يحب العمل المتواصل فأنا لذلك أنصح الشباب بالعمل المتواصل اليومى وبذل الجهد سوف يجعل منهم فنانين كبار مع الموهبة التى هى الأساس .
- لقد أثرت الفنانة الحياة التشكيلية بفنها العظيم وبأصالتها وتفردها وظلت تعمل فى صمت وتفاجئنا بلوحاتها فى العروض الفنية كواحدة من أهم فنانات مصر المحدثين .
الناقد / مكرم حنين
جريدة الأهرام
- تحرص الفنانة على استخدام الألوان المائية والاقلام الملونة فى رسم لوحاتها . وتختار المناظر والمشاهد من الريف والمدينة لتكون موضوعا لعملها. وتتميز لوحاتها بالخطوط القوية المتحركة والمملوءة بالحيوية والعنف. - وهى غالبا تختار زاوية `عين الطائر ` تطل منها على المشاهد التى ترسمها، وهذه الزاوية من الرؤية تذكرنا بطريقة الفن الإسلامى فى رسم المناظر الطبيعية والخرائط . انها تشدنا لتأملها ومتابعة مواطن الجمال والحيوية فى رسمها . - تنفرد الفنانة الكبيرة زينب عبد الحميد الزرقانى بشخصيتها الفريدة فى تصوير المنظر الطبيعى. أما أهم هذه السمات فهى التعامل مع جميع الأشكال المرسومة بالخطوط الرأسية والأفقية بزاوية تقترب من تسعين درجة. ولكن اللون أيضا يخضع لمعاملة من نوع خاص فنجد الألوان القوية الصريحة فى المقدمة بينما الألوان الهادئة والمتنحية تملأ المساحات الصغيرة بين الخطوط الرأسية والأفقية هذا التناغم المنظورى الطابع هو أهم سمات شخصية الفنانة زينب عبد الحميد التى تختار دائما زوايا جديدة على رؤية المنظر الطبيعى فأحيانا تنظر الفنانة الى المنظر الطبيعى من عين طائر أى من مكان أعلى من مستوى النظر بكثير وفى أحيان أخرى تنظر الى المنظر الطبيعى من زاوية موازية لسطوح المنازل لتكشف لنا عن الأفق البعيد رغم وسائلها الفنية المعاصرة إلا أن هناك كثيراً من القيم الأصيلة لفن تصوير المنظر الطبيعى موجودة بالفعل مثل الإحساس بالفراغات بين الاشكال والمسافات والتنوع . - وفى معرضها بخان المغربى تعرض الفنانة إبداعاتها الفنية على مرور الزمن تناولت فيها الأحياء الشعبية والأسواق وكل موضوعاتها فى المنظر الطبيعى تلتقى برؤية حديثة للغاية مع بيوت البشر المتكاثرة المتساندة والمتداعبة - القائمة والمتهالكة فى تعاطف فنى إنسانى مع عالم الإنسان البسيط فى ابوالعلا وامبابة وغيرهما حيث تتحول كآبة الحوائط والدكاكين الى علاقات تجريدية هندسية وتراكيب مكعبية بالاضافة الى حرارة الألوان وتدرج اللون وتظل الخطوط الأفقية والرأسية فى صراعها مع الوجود التعبيرى للشكل هى العلاقة البارزة فى أعمال هذه الفنانة الكبيرة .
نغمة مشبعة بالبهجة والطزاجة - يأخذنا أسلوب زينب عبد الحميد إلى خصوصية ما،فطريقة ترتيبها للتفاصيل فى مقاطع تذكرنا بالزخارف العربية على الخزف وأيضا بتذكارات التطريز الفارسى. - إن هذه المائيات تولد نغمة مشبعة بالبهجة والطزاجة فالدرجات اللامعة من الألوان مثل الأحمر الزاهى أو الأصفر الليمونى تؤكد وجودها بما تشعه من ضوء. ولكن طابع زينب عبد الحميد الخاص يوجد أساساً فى المشهد الذى تقدمه لنا من منظور عصفور محلق، وهنا يغلب على اختياراتها المشاهد الضخمة الواسعة التى توازنها بمعينات محددة بقوة تدعمها مشاهد يتحرك فيها بشر فى زخم خطوط تتكاثر.. والواقع أن هذا الملمح الأخير جعل الفنانة تحد مبكراً جداً من رسم الوجوه، وربما لا يكون هذا الإختصار دائما ضرورة يفرضها التشكيل فى العمل. - فى مجموعة ` بورتريهات ` المدن، ضمن أعمال أخرى، تلعب زينب بطلاقة بالاعتناء بالتفاصيل فى إطار ما يمليه الشكل الكلى للوحة. وهذه البراعة التى تتميز بها تساعدها على توليف نغمات لونية متباعدة بإضفاء مسحة مخملية عليها، تذكرنا بماتيس . - أعمال زينب عبد الحميد تكشف لنا أساساً عن سحر الرسم الذى يعيد إلى الذهن الجماليات عند دوفى، خاصة فى جانبها التصويرى، الذى نجده محدودا عند زينب. - إن هذه المائيات تتخطى دائماً، بما تصبو إليه، الإطار البسيط لتصوير مشهد من سوق أو `بورتريه ` لمدينة. لكن الحدود الجديدة التى تقترحها الفنانة لأعمالها نراها مدفوعة فى تطورها بالأساليب التقنية . يمكننا مثلاً أن نرى هذه الملامح فى تكرار بعض التقاربات وبعض الخطوط الرئيسية التى تحيط بها الفنانة عادة تكويناتها. نرى كذلك هذه الملامح فى الموازنة الجيدة التى تحدثها الفنانة بين الهيكل القوى فى اللوحة والأسلوب الذى تطوى به بنية الخطوط التى تنسج التفريعات فى كل جزء من اللوحة. - أخيراً نلحظها فى هذا الجهد الواضح للتوفيق بين ما قد ` أنجز فعلاً ` وبين الكشف الخاص بكل محاولة جديدة . - يصبح علينا إذاً أن نعترف بالمهارة التى تقود زينب عبد الحميد فى تجارب كهذه أيضاً، لابد أن نعتبر الطريقة التى تنأى بها هذه الفنانة عن الرتابة والتصنع والتكرار. تبقى هنا وفوق كل شئ، سعادة غامرة تجدها زينب فى ` لعبتها `.. سعادة تكسب تجاربها الأكثر نجاحاً، أصالة خاصة.
بقلم : إيميه آزار
حالة شرقية من الصخب التعبيرى
- استطاعت الفنانة برؤيتها المتميزة أن تنفرد من بين فنانى مصر جميعاً، برؤية شرقية، شديدة الارتباط بإيقاعات الزخارف `العربسكية` فى السجاجيد والأنسجة ورسوم الكتب وزخرفات هوامشها. استحضرت روح التركيب المتنافى، الذى لا ينقطع أو ينتهى فى الفنون العربية الإسلامية، من دون أن تتقيد بعناصرها التراثية المباشرة، وإنما أخذت الإيقاع والحس فحسب، لتؤلف من خلال رؤية واقعية معاصرة للشوارع والحوارى والأزقة والمقاهى والأسواق الشعبية، لا يمكن إزاءها أن نتوقف أمام جزء محدد من اللوحة، أو نتبين عنصراً رئيسياً محورياً للتكوين، وإنما تواجهنا حالة من التعبير الساخن الصاخب، يتساوى فيها أن تجئ تصويراً لبيوت وأزقة، أو مقاهى وأشخاص وموائد، فالعناصر هنا وسائط متساوية الأهمية والقيمة، مهما تعددت أو تباينت، تستخدمها، أيا كانت، فى تأليف `عوالم` صاخبة الإيقاع، ساخنة التعبير.
- والواقع أن الفنانة `زينب عبد الحميد `عبر تجربتها الفنية الطويلة، التى امتدت عبر ما يزيد عن خمسة وأربعين عاماً، استطاعت أن تبلور لنفسها أسلوباً فنياً شديد التميز، جمعت فيه بين الوعى العالى بقوانين بناء العمل الفنى، ومفهوم الصياغة التجريدى للأشكال، والروح الشرقية التراثية فى تناولها، وطلاقة الفطرة، حين تتاح للأشكال أن تتزاحم وتتكدس أو تنفرط وتتناثر، كيفما شاء لها ذلك، وللخطوط أن تتقاطع وتتشابك وتنهمر فى تدفق على السطح، وللألوان أن تتوزع منتشرة بتعددها لتغطى العناصر والأشكال جميعاً، فطرة متحررة من صرامة القصد وبرودة الضبط الهندسى، وحدة الحساب الرياضى المحكم، فطرة هى المعادل للحرية وللصدق معاً، برغم أن الأمر لديها ليس متروكاً للمصادفة، وإنما تخضع الأشكال والعناصر لقوانين الاتساق والتناسق والتوازن، من دون أن تحاول قسراً أن تجعل الأشكال تبدو فطرية كرسوم الأطفال، كما فعل `ديبوفيه ` مثلا، أو `بيكاسو ` فى بعض تناولاته للأشكال، وإنما تركت الفنانة لأدواتها من دون تقييد، فى فرح بالعناصر المتعددة التى تتساوى فيها الشخوص بالأبنية والعربات والموائد والأبواب والنوافذ، فرح يتحول إلى تدفق تعبيرى، حينما تنتظم العناصر فى صياغات غير مجهزة سلفاً، تبدأ فيها من نقطة على السطح، وتتحرك منها فى كل الاتجاهات حتى تملأه بالتفاصيل الدقيقة، التى تؤلف فى مجموعها رؤيتها الخاصة ذات القانون البنائى الخاص، الذى لا يخضع لقوانين بصرية متعارف عليها، فهى تصنع مثلاً إيهام بالبعد المنظورى، ولكنه ليس ذلك الايهام البصرى الأكاديمى، الذى يحكم الأحجام والمسافات ودرجات نصاعة اللون أو خبوه، وإنما تبدو الإيهامات بالبعد المنظورى تارة من أعلى، وهو ما يسمى بمنظور عين الطائر، أو من أسفل وهو ما يسمى بمنظور عين النملة، أو من الأمام وهو المنظور التقليدى الشائع، أو تجمع ما بين الثلاثة معاً، كاسرة بذلك منطقة تسجيل المناظر التقليدية .
- لقد خلقت ` زينب عبد الحميد ` منطقاً خاصاً بها، يجعل الأشكال جميعاً متساوية فى القيمة على السطح، ومؤثرة بالقدر نفسه فى البناء العام للوحة، وقد أفاد ذلك من التحرر من سر القوانين البصرية الصارمة فى جعل الأشكال جميعاً، فى حالة توتر شديد، كأنها مبنية فوق زلزال مستمر، توشك أن تتحرك، أو مرتجة فى عنف، لا يستقيم فيها خط رأسى على الأفق، وإنما تتمايل الخطوط فتكاد أن تهتز معاً، وذلك بالطبع لا يجئ عفواً، وإنما يصنعه قصد متقمص لحس أقرب إلى الفطرة أو استحضار العفوية لإعلاء التعبير، وهو أمر فى الفن شديد الصعوبة والخطورة معاً، لأنه إن لم يجئ نتاجاً للوعى وامتلاك الأدوات، بدا عبثاً وادعاء، وهو ما تجاوزته الفنانة بكثير .
فاروق بسيونى
- تخرجت فى معهد الفنون الجميلة عام 1945 ثم فى أكاديمية سان فرناندو بمدريد أسبانيا- عام1952 وأقامت العديد من المعارض الفردية فى مصر وأوروبا وأمريكا كما شاركت بنشاط ملموس فى تمثيل الفن المصرى فى معارض وبيناليات دولية هامة وأعمالها ضمن مقتنيات متحفية وخاصة فى مصر، أوروبا وأمريكا. وظلت تعرض أعمالها حتى توفيت فى القاهرة عام 2002 .
- تمكنت الفنانه زينب عبد الحميد من بلورة أسلوبها المتميز بين أقرانها من الفنانين المصريين وهو أسلوب يتمتع باستقلالية كبيرة عنهم وعن زوجها الفنان الكبير عز الدين حمودة، وذلك يدل على قوة وعمق شخصيتها الثقافية والفنية، ومنهجها الجمالى ذى النزعة التأملية الشاعرية فى تغليف الواقع المكتظ بالعناصر المتباينة بحالة من التوافق الإيقاعى ، إذا تترجم الزحام والفوضى إلى نظام متألف شرقى السمات ، كالسجادة أو النقوش الأرابيسكية التى تعتمد على تكاثر مفردات بسيطة فى بناء هارمونية بالغة التعقيد والإيحاء الحركى وهى فى ذلك مثل هذا الصنف من المخرجين السينمائيين العباقرة الذين يعتمدون على قدرتهم فى تحريك الممثلين مع كل المرئيات المحيطة بهم إلى مشاهد ملحمية، لا تعمد على تمثيل الأبطال ولا على مميزاتهم الشكلية التى ألفها الجمهور، ولكن على طبيعة التركيب والحركة والإيقاع البصرى، فهى تصور الجالسين على كورنيش النيل بالقاهرة والمارين فى الأسولق الشعبية والحوارى والشوارع المزدحمة بالمركبات، بمثل ما تصور المراكب الشراعية على صفحة النيل.
- تفكك العناصر بنوعياتها المختلفة وتحليلها إلى شظايا أولية ثم تعاود وصلها بصورة تقريبية ليصبح لكل خط ولكل لمسة لونية أهميتها فى البناء الكلى للوحة، فى تجاوب مع توزيعها المسيطر على المجموعات اللونية المتداخلة التى غالباً ما تترك محيطات بيضاء حولها، فإن أغمضنا أعيننا الى حد ما حين النظر لأعمالها، تتبدى لنا حالة تأثيرية من اللون والضوء، وعندما تتفتح حدقة العين نراها تبعد بمسافات شاسعة عن فنانى هذا الاتجاه الخصوصية الأخرى المميزة لأعمال هذه الفنانة هى اختيارها لزاوية المنظور فى كل عمل، فمنها ما تصوره من منظور عين الطائر العلوى أو المنظور المستوى أو الايزوميترى المائل بشدة
.... كما يلعب الخط دوراً مهيمناً إلى جانب اللون فى تحديد عناصرها المتشرذمة وتجميعها وتوحيدها.
بقلم : د. مصطفى الرزاز
من كتاب الفن المصرى الحديث
زينب عبد الحميد ومنظور عين الطائر
- الرسامة زينب عبد الحميد نموذج فريد بين الفنانات المصريات لم تسع قط إلى الشهرة التى يقتتل عليها غيرها ممن لا يمتلكن موهبتها وثقافتها . وظلت ملتزمة بالعمل الدءوب الصامت لسنوات طوال . لكن يبدو أن زحام أنصاف الموهوبين الذين استطاعوا فى غياب حركة نقديه مستنيرة أن ينهبوا من مساحات الضوء ما هو حق لغيرهم قد أجبرها - مؤخرا - على أن تدافع عن موهبتها فأصدرت كتابا فاخر الطباعه عن دار المستقبل العربى . يضم لوحات تشهد بتميزها بين الأخريات . وضم الكتاب تعليقات لبعض الفنانين والنقاد المحترمين من مصريين وأجانب ، أمثال : إيمى آزار وعلى كامل الديب و كارلوس أريان ، وأشرف على إخراج الكتاب الفنان أحمد اللباد .
- موضوعها المفضل
- اختارت للوحاتها `جميعا ` موضوعا واحدا هو موضوع المنظر البيئى . وتجولت من أجله بريشتها فى بلدان ومواقع فى الشرق والغرب . وتألقت بصورة خاصة ، فى اللوحات التى استلهمتها من البيئه الشعبيه المصريه وبالتحديد أحياء منطقه الحسين وأسواق الخضار والفواكه واستطاعت - بدقتها وحساسيتها المرهفه - أن تخلق من زحام الواقع العشوائى ما يشبه النسجيات الشرقيه وما يشبه الأسطح الفسيفسائية العربيه وما يذكر بمشاهد الزجاج المعشق ، وهى لاتندمج فى وصف المشهد الواقعى اندماج الرسامين المستشرقين . بل تحرص على أن تطل على المشهد الذى تنوى استلهامه . من علٍ - أو ما يسمى اصطلاحيا بمنظور عين الطائر.
- وهو منظور يسمح باتساع المجال المرئى كما يسمح بالتأمل الهادئ للجزئيات وتفاعلاتها المتنامية . فى لوحه مائيه بعنوان (من نافذتى فى مدينة مدريد ) تشعر وكأنها استضافت كل مشاهد المدينه المعماريه على مسطح اللوحة ، عبر شرفتها ذات الموقع الكاشف والمميز .
- وهى لاتلتزم التزاما حرفيا بمنظور الطائر لأنها لا تحرص على ` نقل ` الواقع بل هى تعيد صياغته وتبثه ما سكن فى نفسها من آثار عشق للموروث الفنى الاسلامى ، والشرقى عموما . وهى لا تحتفظ من المشهد البيئى الا بصفه واحدة هى صفه الزحام ، لكن شتان بين زحام الواقع وصخبه المنفر وزحام فسيفسائها المشرقه.
- ملامح خاصة
- فى أسلوب كل فنان ما يدل على شخصيته بقدر ما يدل على مثيراته الجماليه التى تأثر بها . ولأن الفن الحديث قد أعطى شرعية للزهد فى نقل الواقع لهذا ترجح - فى كثير من الأحوال- الصفات النفسية للفنان التى تتجلى فى شكل الخطوط والألوان و الدرجات الضوئية والظلية وما ينتج عنها من نسيج جمالى معبر . نلاحظ غلبة المنحنيات الخطية - الرخوة و العصبيه - عند أغلب رساماتنا بينما تفردت زينب عبد الحميد بخطوطها المستقيمة النشطة التى تظنها ، للوهلة الأولى ، قد رسمت بالمسطرة وما أن تتفرسها حتى تكتشف عفويتها وتلقائيتها وبراعة صاحبتها فى آن واحد . وهى تشكل تلك الاستقامات الخطية نسيجا دقيقا ، ل يبخل بفراغات بينية تسمح بتلقف لمسات موجزة ومحكمة تشير إلى مثيرها الجمالى الواقعى ،( كما فى اللوحة التى سبق ذكرها) فبلمسات قصار أوحت بهيئة جبل يطل على المدينة من بعد دون أن تفرط فى الوحدة الجمالية المجردة للنسيج اللونى . إن ألوانها تتسم بالوسطية التى تلطف من صراخ الاألوان وصراحتها ،. لهذا تشرق أسطح لوحاتها بالنشاط واللطافة والمسرة المهذبة ودفء العجالات وحيويتها . وقد نجحت -كما سبق الإشارة - فى تنقية دمامة الواقع فى لوحات تألقت بنسيج لونى رائق ورائع .إن لوحاتها تبدو حتى لمن لا يعرف سيرتها الذاتية منحازة إلى ميراث الشرق المسلم قدر انحيازها إلى البيئة المصرية .
بقلم : محمود بقشيش
مجلة الهلال سبتمبر 1998
الفنانة زينب عبد الحميد .. وروح المكان !
- إذا كان الفن تحريراً للروح من ربقة الواقع الخشن ، فالفنانة المصرية كانت رائدة في عملية تحرير نفسها وجنسها ، بغير حاجة لممارسة العمل السياسي ( بإستثناء إنجي أفلاطون ) ، وبغير حاجة كذلك - في أغلب الأحيان - للتعبير عن الحرية وللدعوة إليها بعرض مباشر لموضوعات القهر والإضطهاد والتمييز التي تعانيها فى المجتمع ، حيث كان الإفصاح عن مشاعرها الفطرية ورؤاها الذاتية وانطباعاتها الحرة بين الحياة والطبيعة والإنسان بلغة الخطوط والأشكال والألوان ، أكثر تعبيراً عن معني الحرية ، لأنه يرتبط بنقاء الفطرة وشجاعة المغامرة ، وأكثر تأثيراً في النفوس ، لأن هذا التعبير يلامس جوهر الحرية في الوجدان ، ولأنه يكسو العمل الفني بسحر خاص مغلف برقة الأنثى وعذوبتها ، وبعمق علاقتها بالخصوبة والتجدد وبهجة الحياة .
- إن الفنانة المصرية زينب عبد الحميد نموذج بالغ الدلالة على ذلك ، ولنا أن نتخيل صعوبة المناخ الذي ظهرت فيه إذا علمنا أنه لم يكن مسموحاً للفتيات بالألتحاق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة حتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ، لأسباب تتعلق بالتقاليد الإجتماعية ، بالرغم من أن الجامعة المصرية كان قد مضي على إنشائها أكثر من أربعين عاماً وهي تضم الطلبة من الجنسين معاً ، هو إذن أمر يرتبط بنظرة المجتمع للفن آنذاك ، إذكان الفن يشكل منطقة حرجة غير مستحبة بالنسبة لممارسة المرأة له ، لكن التقاليد سمحت لها بالإلتحاق بالمعهد العالي للتربية الفنية للمعلمات ، وهو الذى تخرجت فيه زينب عام 1945 ، ونظراً لأن الحركة الفنية كانت تنفجر بتيارات فكرية وفنية مواكبة للحراك الثوري العام أواخر الأربعينيات ، ولأن هذه التيارات تبلورت في عدة جماعات فنية ، وجد المبدعون الشباب من خلالها متنفساً للتعبير عن رؤاهم الثورية في مواجهة الأفكار والفنون المحافظة والمدرسية ، فقد أنضمت زينب إلى أحداها عام 1948 وهي جماعة الفن الحديث ، وكان أبرز أعضائها حامد عويس ، جمال السجيني ، داود عزيز ، عز الدين حمودة ، يوسف سيده ، نبيه عثمان ، إلى جوار بعض الفنانين غير الأكاديميين منهم صلاح يسري . وبرغم أن الجماعة لم تضم من الفنانات غير اثنين هما : زينب عبد الحميد وجاذبية سري ، فقد كان تأثيرهما قوياً في إثراء معارض الجماعة وتحويل فكرها إلى واقع ، بتعبير الفن عن بسطاء الناس وحياة الأسر الفقيرة وتصوير ملامح البيئات الشعبية بأساليب محتررة وجريئة تستوعب اتجاهات الحداثة في الفن العالمي ، ما أشعل روح المنافسة الإبداعية بين الجنسين ، وكان ذلك يتواكب مع انطلاق فنانات أخريات بأعمال فنية مميزة من خارج الجماعة شدت إليهن انتباه النقاد والأوساط الفنية ، أمثال : عفت ناجي ( 1905 - 1994 ) ومرجريت نخلة ( 1900 - 1979 ) وتحية حليم ( 1919 - 2003 ) وإنجي أفلاطون ( 1925 - 1989 ) .
- لكن في الوقت الذي انضوت هؤلاء في مراحلهن الأولى تحت تأثير مدارس أوروبية مثل الانطباعية بالنسبة لعفت ، والسريالية بالنسبة لإنجي ، والتعبيرية بالنسبة لجاذبية ، والواقعية بالنسبة لمرجريت وتحية .. وفق المفاهيم الأوروبية لهذه الإتجاهات ، فإن زينب عبرت عن ملامح البيئة الشعبية بروح شرقية جياشة ، لا تبالي بقواعد المنظور الهندسي أو بالتجسيم الأسطواني بالظل والنور أو المحاكاة لمظاهر الطبيعة كما تراها العين ، بل تقترب من حس المنمنمات العربية والفارسية في زخارف القيشاني والفسيفساء والنسيج والرقش على المخطوطات والجلود .. وفي الوقت الذي تغيرت مع الزمن أساليب زميلاتها المذكورات نحو اتجاهات عدة ورؤى حداثية متفاعلة مع متغيرات الواقع والتطورات الجذرية للحياة السياسية والإجتماعية بعد قيام ثورة يوليو 1952 ، وهي رؤى اختلفت تماماً عن رؤاهن السابقة قبل الثورة ، فإن زينب احتفظت بخصائصها الأولى وحسها الشرقي الذي يوحى بتأثيرات خيوط النسيج وقطع الفسيفساء ، وبعالم ملئ بالزحام الخطي الذي لا يعرف الفراغ ، شأن جميع الفنون الشرقية .
- وكان حرياً بها أن تكون أول من ينقلب على هذا الأسلوب من بين قريناتها ، فقد كانت أول فنانة مصرية تستكمل دراستها الأكاديمية العليا في إسبانيا عندما صاحبت زوجها الفنان عز الدين حمودة في بعثه الدراسية بأكاديمية سان فرناندو بمدريد عام 1951 ، وحصلت على منحة خاصة بذلك من الحكومة المصرية ، ثم تنقلت معه في فترات تولية مناصبه الدبلوماسية بدءاً من أوائل السبعينيات ، بين إسبانيا والمكسيك وأمريكا ، في وقت كانت تجتاح العالم تيارات الفن الحديث بعد الحرب العالمية الثانية بكل تمردها وانقلاباتها ، التي جعلت من أوروبا وأمريكا قطبين للفن ينجذب إليهما ويدور في فلكيهما الفنانون من دول العالم الثالث ، ما يجعل من التمسك بالحس الشرقي سيرا في الأتجاه المعاكس .
- بيد أن عبقريتها تكمن في أنها استطاعت اختزال المسافة تماماً بين بنائية اللوحة الشرقية واللوحة الغربية ، ذلك أن في لوحتها تأثيراً من المدرسة الإنطباعية ، يتمثل في تلك الرعشة الخطية واللونية المحيرة ، وفي اتخاذ اللمسات المنفصلة - المتصلة منهجاً لملء الفراغ ، تاركة بينها فراغات دقيقة بيضاء من الأرضية الخام للوحة ، كومضات الضوء المرتعشة ( متقاربة في ذلك مع أسلوب إنجي أفلاطون ) .. كما أن فيها تأثيراً من المدرسة التعبيرية ، التي تجعل من اللوحة حالة انفعالية نابعة من حس ذاتي مفارق للواقع ، حتى ولو لم تشتمل لوحة زينب على أشخاص في حالات اكتئاب أو صراع نفسي كلوحات التعبيرين ، وأن فيها تأثيراً التجريدية ، التي تجعل من الخطوط والمساحات والألوان مجرد علاقات بنائية متقابلة أو متشابكة تمثل اختزالاً تجريدياً لملامح الواقع ، يصعد بحس المشاهد نحو فضاءات روحانية ، بل إن هناك من قارن بينها وبين فان جوخ ودوبوفيه ، لما في أسلوبها من تواشج معهما .. بالرغم من أنها لم تقصد أياً من تلك التأثيرات ، فإنها تمثل ثراء جمالياً لا يتوفر إلا لإصحاب التجليات والإشراقات الروحية ، وهي سمة صاحبتها منذ بداياتها الأولى قبل أن تلتقي بأعمال تلك المدارس الغربية .
- وربما نجد تعبيراً عن هذا المعنى فيما كتبه الإسباني كارلوس آريان في مجلة أستافتنا في أول أكتوبر 1972 لدي إقامة معرضها بمدريد :
- (( إن زينب عبد الحميد تطرح لنا من أعماقها مثالاً مدهشاً عجيباً لما يمكن أن يكون عليه التطور المعاصر للفن الإسلامي ، وفضلاً عن أن لوحاتها تتوفر بها القيم التشكيلية والإنسانية ، إلا أنها تشكل في بعضها تجربة للاستمرارية التاريخية التى تتحول إلى رموز للثقافة في اللحظة الحاسمة التي يصل فيها تطور الشعب إلى صحوة وبعث حضاري )).
- لم تشغل زينب نفسها إذن بموقعها من الفن العالمي ، ولم تحاول أن تنظر لإتجاهها الفني أو الفكري ، والحقيقة أنها كانت آخر من يهتم بالقضايا النظرية أو الذهنية ، كانت أقرب إلى الفنانة الفطرية في بساطتها وتلقائيتها وروحها الشعبية حتى وهي تمارس عملها كأستاذ بكلية التربية الفنية بالقاهرة ، كانت تجلس بأدوات الرسم أمام المشهد الذي تختاره في حي شعبي أو ريفي أو تاريخي ، ساعية إلى أن تطل عليه من موقع يتيح لها النظر إليه بمنظور عين الطائر ، لتصبح هي نفسها ذلك الطائر الذي يغرد وهو يحتوي الأفق الممتد ، فيحتويه بعيينه ، أما أغنيتها فتترجمها إلى خطوط دقيقة وألوان قليلة على الورق تحيل المكان إلى وحدة كلية ، فإذا به يحتويها بداخله حتى تصبح جزءاً منه ، وكأنه هو الذي يرسمها وليس العكس ، إنها تترك نفسها له ، ليفضي - فوق سطح اللوحة - بمكنونه الروحي أو التاريخي أو الإنساني ، عبر خطوط مبانيه وشوارعه وأبوابه ونوافذه وزحام البشر فيه ، أو أثناء خلوه منهم .. إن الأنطباعيين كانوا في مناظرهم يترصدون اللحظات المتغيرة لحركة ضوء الشمس على أسطح المباني والأشكال ويعكسونها فوق لوحاتهم حالة بعد حالة ، أما هي فإن جميع حالات النهار منذ الشروق حتى الغروب ، بل وما بعد الغروب ، تجتمع في لوحة واحدة ، لأنها لا ترسم بعيني الإبصار بقدر ما ترسم بعينين أخريتين : إحدهما عين الشعور ، والآخرى عين المعرفة الكامنة في وعيها كما يرسم الطفل .. إنها ترسم روح المكان وليس المكان بماديته الظاهرية .. إن فنان المناظر التقليدي يختار من الطبيعة قطاعاً محدداً يجعل منه تلخيصاً لما يحيط به . أما هي فتجعل من حدود اللوحة كوناً كاملاً يشعر المرء ألا أول له ولا آخر ، وهو ما يفسر لنا لماذا تفضل دائماً النظر إلى مناظرها من منظور عين الطائر ، ومع ذلك فإنها لا تجعل من هذا المنظور ذريعة لإختصار التفاصيل الواقعية في المشهد الذي ترسمه ، بل بالعكس ، أنها ترسم وهي عند قمة عالية ما لا تراه إلا عين التلسكوب ، وكأنها تستخدم عدسة ( زوم ) تقرب بها أدق التفاصيل ، غير مكتفية بمظاهرها الخارجية ، بل تريد أن تدخل من الشوارع إلى الأبوابحتى ترى ما وراء النوافذ المغلقة !.
- والرؤية الفنية للفنان تختار أدواتها وليس العكس ، لذا نجد أدوات زينب في الرسم هي الألوان المائية وسنون الحبر الأسود وفرش الألوان بالغة الدقة ، وربما استخدمت كذلك أقلام الفلوماستر الملونة ، فتلك جميعاً أسرع الأدوات لإقتناص (الحالة) التي تلهث وراءها ، وللإمساك بأدق التفاصيل ، لكن هذه التفاصيل - لفرط دقتها ورهافتها - بعيدة عن محاكاة أصولها الطبيعية ، إنها فقط تذكرنا بها ، لكن هذا التذكر لا يتم قبل أن تتشرب عيوننا ونفوسنا روح المكان ، وقبل أن يغرقنا بحس الهمس والدندنة الكونية بترجيعاتها الغامضة ، فتتذبذب هذه الترجيعات في المكان المترامي الأطراف الذي بات غريباً وأسطورياً ، وسرعان ما تطمئن إليه نفوسنا وتزول عنا وحشته وغرائبيته ، إذ نجد أنه مغزول ومطرز بيدي امرأة عاشقة ، بخطوط أشبه بخيوط الدنتلا أو وشي زخارف السجاد المملوكي .. إن هذه الحالات تمثل طبقات الؤية المتصاعدة للصوفي قبل أن نصل نحن كمشاهدين إلى عمق المشهد ونغوص في تلافيفه وتعاريجه وأبوابه، وشرفاته .
- وقد تأخذنا زينب إلى أماكن نائية بعيدة عن مصر.. فى اليونان أو إيطاليا أو أسبانيا أو المكسيك، وقد تبتعد عن الشوارع والعمائر والحواري والأزقة لتطل على شاطئ البحر وترسم أسراب السفن والقوارب، بحركة الأشرعة والحبال المتقاطعة وشرائح الألوان الناصعة على جوانب القوارب المصفوفة، أو قد نرى بيوتاً بأسقف قرميدية حمراء مائلة كأهرام صغيرة متداخلة تذكرنا باللوحات التكعيبية، ومع ذلك كله لا نشعر تجاهها بأدنى غربة، أو بإختلاف أثرها النفسي فينا عن لوحاتها التى تصور حى القلعة وحوارى الجمالية ومقاهى حى الحسين وشارع وشارع خان الخليلى، أو حتى حين ترسم واجهة الجامع الأزهر بزخارفه الكثيفة، ذلك أن المكان عندها يعيش فى داخلها وليس فى خارجها، ربما كانت تفكر فى القاهرة التاريخية فيما هى ترسم مشهداً فى مدريد أو ملقة ، هذا التوحد الكونى وليد اختمار حضاري يختزل الزمان والمكان فى وجدان الفنان.
-عاشت زينب عبد الحميد زوجة مخلصة وأماً لا حدود لأمومتها ، سواء فى حياة زوجها أو بعد وفاته ، وسواء خلال مصاحبتها له فى أماكن عمله البعيدة عبر الدول أو وهى فى انتظاره ترعى الأبناء ، وكذلك في علاقتها بتلاميذها بكلية التربية الفنية ، لكنها بنفس القدر كانت ترعي مئات الأبناء الصغار ، أعني لوحاتها التي جعلت منها إحدى رواد حركة الفن الحديث في مصر ، رفعت اسم بلدها وشرفته في كثير من المحافل الدولية لدى تمثيلها له بمعارض خاصة أو جماعية ، حتى رحلت عن عالمنا .
بقلم الناقد: عز الدين نجيب
من كتاب( الفنان المصرى وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية)
|