`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
جمال الدين محمد الحنفى
فنون من الخزف
-.. الخزف خامة مصنعة من الطين بشكل أساسى المختلط ببعض المواد الطبيعية والكيماوية ، المحترقة فى أفران خاصة مرة واحدة أو عدة مرات ، على درجات حرارة مختلفة الارتفاع ، وفق الأهداف التى يرمى إليها الخزاف ، والمنتجات الخزفية بعضها تطبيقى لأغراض الحياة اليومية ، كالأوعية والأدوات الصحية والكهربائية ، أو للمتعة الجمالية كالأوانى الفنية واللوحات والأطباق ، المزخرفة بتشكيلات تتكامل بألوانها وعناصرها ، مع الفورمات التى تنتظم سطوحها ..
- بهذه الكلمات الضرورية ، نمهد لحديثنا عن أحد معارض الفنون الخزفية ، لواحد من أئمة هذا الفن فى العصر الحديث وهو فنان الآنية : جمال حنفى ، المعرض الذى أقيم فى قاعة دار الأوبرا بالقاهرة ، وكان يضم قرابة الـ 230 قطعة فى شهر مايو سنة 1995 ، تخصص القسم الرضى لعرض الأوانى ، فى تكوينات جمالية ثنائية الوحدات .. أو ثلاثية أو رباعية . بعضها مزخرف بألوان وعناصر تصويرية ، تبلغ فى مجموعها ما يناهز الـ 120 آنية أسطوانية الفورم . تشكل كل مجموعة فيما بينها حوار روحيا ، وتكوينا فنيا يضفى على المتلقى أحساسا فائق الرقة والرهافة ، ويمكن فى نفس الوقت الاستمتاع بكل آنية على حدة ، أو أننا عزلناها عن اترابها ، إلا أن وضعها مع زميلاتها فى التكوين ، وما ينشأ بينهن من فراغات محسوبة ، يسفر عن مضامين عاطفية واستطيقية ، يساعد المتلقى على تذوقها ، الشكل الأسطوانى الوحدات ، وما يتسم به من حيادية وتجريد ، فهو ليس أنية معتادة : لها فوهة وعنق وبدن بفتح الباء والدال وقاعدة ، إنما هى مجرد شكل أبداعه جمال حنفى على القرص الدوار ، بيديه الموهفتين ، وراحيته اللتين أتقن تدريبهما عبر عشرات السنين ، منذ التحاقه بكلية الفنون التطبيقية سنة 1954 ، وتلمذته على عملاق فن الآنية و باعثها فى العالم العربى : سعيد الصدر ( 1909 - 1986 ) ولو أنك راقبت أصباع فناننا ، وهو يشكل الصلصال على القرص الدوار ، خيل إليك أنه عازف ماهر على أوتار آلة موسيقية نكاد نسمع أنغامها الحالمة.
- بالرغم من أن أوانى جمال حنفى الفاتنة ، لا تمت بصلة من حيث الشكل ، إلى روائع الرائد العظيم سعيد الصدر ، فلا يخفى على الناقد الخبير إدراك الوشائج الخفية ، التى تصل بين هذه وتلك ، تكمن فى طبيعة النقش والرقش والملامس وحرفية الأداء وحلاوة النسب ، والخطوط الوهمية التى تحيط بالأوانى ، تبدو متكاملة إلى حد أننا لا نستطيع أن نضيف إليها أو نحذف منها ، دون أن نخل بتوازنها وفتنتها .
- يدور الحوار بين الثنائيات والثلاثيات والرباعيات ، عبر الفراغات البينية ، والملامس والألوان واللمسات الرمزية على الأشكال الأسطوانية ، وما يبرز منها أحيانا من أيدى فى أعلى الآنية التى لا يزيد ارتفاعها عن خمسة وعشرين سنتيمترا ، أما قطر الفوهة فلا يبلغ العشرة سنتيمترات ، كما يناهز سمك الجدران الثمانية ميليمترات ، والجمال و الفتنة فى جميع الحوال فى تلك التكوينات ، يكمنان فى النسب المحسوبة بدقة ، من خلال الحساسية المرهفة والفكر الابتكارى الذى يتسم به جمال حنفى ، يستقل كل تكوين بنفسه على قاعدة متوسطة الارتفاع ، ويتكامل جماليا مع باقى التكوينات التى تنتظم الطابق الأرضى ، والتى تبدأ على يمين الزائر عند المدخل ، برائعتين صغيرتين الرائد : سعيد الصدر ، الذى كشف عن روعة التراث الحرفى الإسلامى بعد عودته إلى احيائه وبعثه بعد موات دام أربعة قرون ، وتطالع الزائر لوحة خلف التحفتين السعيديتين تنتظمها بعض الخطابات التى تسلمها الفنان ، أثناء إقامته فى إيطاليا لدراسة مزيد من فنون الإبداع الخزفى فى مدينة فاينسيا ( 1964 - 1968 ) . تتضمن الوصايا الفنية ، وحديثنا عن الحركة الفنية فى أرض الوطن . وتبدو القاعة للوهلة الأولى ، وكأنها سيمفونية تتخذ نغماتها من اللون والشكل والملمس والفراغات الصغيرة فى كل تكوين على حدة . ثم الكبيرة بين المجموعات التى تنتظم الواجهة والجانبين ، سيمفونية تشكيلية تدفع بالبهجة جزافا إلى صدر الزائر ، تهتز لها روحه فتلحق به فى عالم من الأحلام ، غرابة المائة والعشرين آنية ، فى خمسة وعشرين تكوينا فنيا.
- أول تلك الرسائل ، أعطاها الأستاذ لتلميذه حين ذهب مع زوجته لتوديعه فى مطار القاهرة ، وطلب منه الا يفضها إلا بعد أن تقلع الطائرة ، نصحه فيها بأن يستمسك بتقاليده وتراثه وأخلاقياته ، ويترك نفسه نهبا لتأثيرات البلاد الغربية التى يغشاها . فمصر هى مهد الحضارات ، وعلينا نحن الخزافين - أن نقضى حياتنا أمام الفرن.
- تأثر جمال حنفى بعمق بهذه الكلمات المخلصة للوطن وفنون الخزف ، وكانت سببا مباشرا فى التزامه الجادة ، وانطلاقه الإبداعى طوال إقامته فى إطار الهوية المصرية النابعة من التراث ، مع احتفاظه بالقدرة على مخاطبة العصر من خلال المكتسبات الحديثة ، التى أضافها إلى موهبته وخبرته الدراسية فى أكاديمية فاينسا . الأمر الذى جعله يظفر باحترام جماهير الذواقة لفنون الخزف ، من الفنانين والنقاد الأوربين بعامة .. والإيطاليين بخاصة ، كلما أقام معرضا بين حين وآخر ، أثناء السنوات الأربع التى قضاها فى الغربة ، كان يستفسر خلالها من أستاذه عبر البريد المتبادل ، كلما اعترضته عقبات تكنيكية ، أو قضايا تتعلق بالتراث الفرعونى والإسلامى فى مختلف العصور قرابة الثلاثين خطابا ، أرسلها الأستاذ لتلميذه الذى يشق طريقه لكى يصبح الفنان الكبير الذى نعرفه . وشاهدنا روائعه المتميزة فى قاعة الأوبرا . ومن أعظم الوصايا غير التكنيكية التخصصية ، التى أستوعبها جمال حنفى ، ورصفت له الطريق نحو القمة بعد رحيل الرائد ، أنه لم يعبأ بتجميع الشهادات والمؤهلات المتنوعة ، بل وهب أيامه ولياليه للدولاب الدوار والأفران بأنواعها ، والتجارب التشكيلية والطينات المختلفة ، حتى وصل بإبداعه المتطور منذ عودته للعمل إلى شخصية فنية وجمالية ، نستطيع استخلاصها من بين آلاف الأعمال الخزفية فى المحافل الجماعية : المحلية و الدولية.
- قرابة الخمس والعشرين لوحة خزفية ملونة ، انتظمت جدران الطابق العلوى من قاعة الأوبرا . استجاب فيها لنزعته التصويرية التى لم تفارقه منذ صباه . موضوعات مستلهمة من البيئة المصرية والعمارة الغربية والوادى الجديد ، تتراوح مساحتها بين 60 X 60 سم و 150 X 15 سم على شكل شريط طويل مؤلف من عدة بلاطات ، تذكرنا باستمرارية التوريقات والتفريغات الإسلامية اللانهائية . نلاحظ فى تلك التصميمات الملونة ، البساطة التعبيرية التى اتسمت بها إشارات وعلامات الرائد الكبير ، التى ترتسم على فازات وأطباق والسلاطين . يرجع ذلك إلى عشق جمال حنفى لعبقرية أستاذه ، حتى أنه كان يحتفظ أثناء الدراسة فى كلية الفنون التطبيقية ، بأى ورقة استخدمها سعيد الصدر فى شرح تقنيات تصميمات الإبداع الخزفى والتلوينى ، فالحلاوة والجاذبية اللتان اتشحت بهما تلك اللوحات ، إنما تضرب بجذورها بعيدا فى المعالجات التراثية القديمة والمعاصرة على حد سواء . يشكل فيها قرص الشمس عنصرا أساسيا ، تصور إحداها خزافا يستظل بشجرة وارفة ، على خلفية من مشهد طبيعى خلاب ، لكنه منشغل بإبداعه لاهيا عن كل شئ ، وبالرغم من أن جمال حنفى لم يمنح لوحاته أسماء وعناوين ، إلا أنها تتفجر بحيوية واضحة العناصر والموضوعات ، لكنها فى مجموعها تشبه مشاهد الأحلام الجميلة ، كما تحفل بعضها بتشكيلات تجريدية تعبيرية يشبه الحروف الهجائية ، المستقاة من المعالجات الفنية الإسلامية والفرعونية ، الأمر الذى يجعلها قريبة إلى قلوبنا ، ومثيرة لمشاعر الوافدين علينا ، فالجميع يشعرون بالألفة نحوها مما يؤكد قدرة جمال حنفى الإبداعية ، وجلاء الخطاب الذى يوجه إلينا ، فالتقبل الاجتماعى شرط العملية الإبداعية .
- .. هذا هو المعرض الفردى الثامن ، فى سلسلة العروض التى بدأها الفنان فى فاينسيا بأيطاليا 1966 الجوائز التى فاز بها خلال تلك المسيرة ، فبدأت بميدالية برونزية سنة 1959 بعد تخرجه بعام واحد ، منحتها له جمعية محبى الفنون الجميلية - أعرق هيئة ثقافية فنية فى مصر ، وكانت لجنة التحكيم مؤلفة من كبار النقاد والفنانين : بدر الدين أبو غازى و سعيد الصدر و حسين بيكار و على الديب والجوائز لا تقاس بقيمة خامتها ، ولا بالوظائف الرسمية التى يشغلها أعضاء التحكيم ، بل بالمكانة الثقافية للمحكمين ، لذلك تعتبر برونزية جمال حنفى منذ ثلاثين عاما ، أرفع قدرا من الميداليات الذهبية المعاصرة ، إلا أن فناننا استطاع بمواهبه وقدراته الخلاقه ، أن يظفر بعد عودته من البعثة بميدالية ذهبية، فى معرض الصالون الـ 47 الذى أقامته جمعية محبى الفنون الجميلة فى السبعينيات فى قاعة باب اللوق ، من نفس هيئة التحكيم الرفيعة المستوى مضافا إليها المثال الراحل : عبد القادر رزق .
- ولد جمال حنفى فى 22 سبتمبر سنة 1932 ، فى قرية العمار من أعمال مدينة قليوب ، الابن الثانى بين أخوة أربعة ، تخرجوا جميعا فى مختلف الكليات الجامعية ، شب فى بيئة حضارية ثقافية تحتفظ بمكتبة تحفل بالمعارف المتنوعة ، مما زرع عشق القراءة فى نفس جمال منذ طفولته ومضى فى التعليم العام حتى تخرج فى الثانوية الصناعية ، ثم فى الثانوية العامة القسم العلمى ، وكانت تسمى بالشهادات التوجيهية ، ليلتحق بكلية الهندسة ، لكنه فضل عليها كلية الفنون التطبيقية حيث بدأ مشواره مع الفنون الخزفية ، كان مجموع المتقدمين يقل عن خمسين طالبا ، يتوزعون 12 تخصصا بينها : الزجاج و الخزف و الميادين و التصوير الميكانيكى و النجارة و النسيج .. إلخ ، اختار من بينها قسم الزخلافة ، وفى اليوم الأول الدراسى انتقاه سعيد الصدر - وكان أستاذا فى الكلية حينذاك - مع ثلاثة من زملائه اقسم الخزف ، لم يقتصر عشق الطالب جمال حنفى من يومها على فن الآنية ، و أنواع الصلصال والدولاب الدوار، بل امتد هذا الحب إلى الأستاذ نفسه الذى كان يختلف عن كل المدرسين ، بقوة شخصيته ونظراته النفاذة وسلوكه الإنسانى ، وجديته التى لا وقت فيها للعبث والخروج على الموضوع ، بالإضافة إلى عمله الغزير الفياض ، وخلوصه إلى الإبداع كلما جلس إلى الدولاب الدوار ولما كانت القدوة هى الأصل فى تنشئة الطلاب فى كل مراحل التعليم ، فقد تحلى جمال حنفى بهذه السجايا التى نادرا ما نلمسها لدى طوفان الممارسين للنشاط الإبداعى فى بلادنا.
- بالرغم من التشابه الظاهرى بين فورمات أوانى جمال حنفى ، فهى جد مختلفة من حيث النسب والملامس والألوان والأطوال والاتساعات ، إذا كانت نفوسنا تهفو إليها مجتمعة فى تكويناتها ، أو فرادى وهى معزولة مستقلة بذاتها ، فمرجع ذلك إلى العناية الفائقة التى يبذلها فناننا فى تشكيل فورماتها ، فهو يعلم أن الآنية فورم وهيئة ، تكمن قيمتها الكبرى فى الخط الوهمى الذى يحيط بها ، فهو ينسج على منوال أستاذه ، الذى كان بعد أن ينهى تشكيل آنيته على الدولاب الدوار ، يغمض عينيه ويمر براحتيه على جسمها ، يتحسسه فى رقة بالغة قبل أن يجردها - أو يفصلها عن الدولاب - ليعتبر درجة استجابة مشاعره وأحاسيسه للفورم ، دون تدخل من خداع البصر ، كما لا يسمح بوجود آخرين للفرجة أثناء عملية الإبداع ، لأنها ذات حرمة كأنها صلاة فى محراب الفن.
- الفورمات الجميلة التى يبدعها جمال حنفى، هى حصيلة العمل الوفير والخبرات الغزيرة مع المتغيرات التى تحيط بفن الآنية ، التوافق الضرورى بين تصميم الأفران وأنواع الوقود ودرجات حرارة الإنتاج، وعدد مرات الحريق وطبيعة المكونات اللونية ، والإضافات التى يخلطها بالصلصال .. وعوامل أخرى يقصر عنها الحصر ، تتعلق بالفطرة المكتسبة التى تحولت إلى سلوك تلقائى أثناء العملية الإبداعية اليومية.
- بعد عودته من البعثة سنة 1968 خاض عدة مراحل تجريبية، بدأها بتشكيلات معمارية خزفية مستلهمة من قريته العمار، تتحلى بقباب وعناصر أسطوانية ، ثم دخل فى مرحلة الأطباق العملاقة المزخرفة بالتشكيلات الملونة، يصل فيها الاتساع الى مترين أو ثلاثة. الأمر الذى احتاج إلى تقنيات مبتكرة غير مسبوقة، وصعوبة بالغة فى عمليات الانضاج وقد عرض أطباقه العملاقة تلك، فى بهو فندق فى الميرديان سنة 1976، مزخرفة بمناظر البيئة والحروف العربية والموتيفات الإسلامية ، وانخرط بعدئذ فى إبداع لوحات خزفية تصويرية من عدة بلاطات ، متأثرا بالاهتمام العالمى بالفلك واستكشاف الفضاء، وإذا كانت المرحلة الأخيرة قاصرة على تكوينات الأوانى الاسطوانية، فلا يخفى على عين الناقد المتابع، ما يصل بين المراحل جميعا من وشائج`.
بقلم : مختار العطار
من كتاب ( رواد الفن وطليعة التنوير- الجزء الثانى )
سيمفونية` خزفية .. بين اللوحة والاناء!`
- فى المعرض الاستعادى للفنان جمال حنفى.. بمركز الجزيرة للفنون.
- فن الخزف من الفنون الأقرب إلى قلب البشر فى كل مكان.. والأكثر التصاقاً بالأرض.. يتشكل ويتوهج ويسمو بلا انطفاء.. من صلصالها مسكوناً بالبلاغة والإشارة العابرة والرمز الهامس.. مع موسيقى الألوان وتنوع الأداء وجمال الطلاء .
- وفى مصر المحروسة.. يتنفس الطين بطول الزمن على جانبى النهر الخالد.. تألق من خزف `البدارى` فى عصر ما قبل الأسرات.. كما يعتبر عصر الدولة الحديثة من العصور الذهبية للفن المصرى القديم.. والى الفن القبطى وحتى الخزف الإسلامي.. خاصة الفاطمى ذو البريق المعدنى.. الذى وصل إلى أوج صوره فى الجمال والبهاء.
- وإذا كان مثال مصر مختار قد أعاد الحياة إلى النحت المصرى.. بعد فترة انقطاع دامت لأكثر من 4000 سنة.. فقد بعث الفنان سعيد الصدر `ساحر الأواني` فن الخزف الإسلامي.. بعد موات استمر اكثر من خمسة قرون.. وأصبحت أعماله البوابة الخزفية الأولى فى الفن الحديث.. وخرج من معطفه تلاميذ أصبحوا أساتذة كبار.
- والفنان جمال حنفى `1932-2020` تلميذ الصدر.. يعد احد أساتذة هذا الفن.. بلغته التشكيلية ومفرداته التعبيرية.. ومن هنا جاء معرضه الاستعادى بمركز الجزيرة للفنون.. وتمتد أعماله من فن الإناء والوعاء والأطباق والمزهريات.. كما انتقل الى اللوحة الخزفية التى تألقت بلمسته فى دنيا وارفة متسعة.. من التصوير اللاشكلى أو اللاموضوعى أو التجريد الخالص.. إلى التعبيرية التشخيصية التى تسمو وترق وتتوهج بالحريق والدخان.. مع المنظومات اللونية حتى أصبحت أعماله علامة على فنه.. وأصبح فنه مساحة خاصة ومتميزة فى فن الخزف بين المجسمات والمسطحات.. من الإناء واللوحة.. بما يعنى تلك الموسيقى الخزفية.. وهى موسيقى بصرية من الأنغام والألحان.. مقوماتها: التلوين والتكوين والتصميم والإيقاع والخطوط والمساحات..
- مع ما تحمل من سمات وقوام هذا الفن.. من هندسة الأفران والحريق ودخان الأكاسيد.
ولعل السر فى هذا يرجع مع دراسته الأكاديمية بالفنون التطبيقية.. وكان أستاذاً بها.. إلي طاقته التعبيرية والتصاقه وتوحده.. مع التشكيل بالطين وهو يقول: `أن أعظم ما فى الوجود هو عملية التشكيل بخامة الطين.. وأعظم ما يمكن إخراجه من الطين هو الآنية.. وأسلوبي الشخصى يتركز فى إخراج أواني خزفية ذات رؤية جديدة ومتجددة دائماً.. فاتحاً بذلك طريقاً لا يسد وليس له نهاية ما بقيت الدنيا.. فمعظم الأواني جديدة فى شكلها وطريقة إخراجها.. وجديدة أيضاً فى الوظيفة التى تؤديها.. وأحياناً تكون هذه الوظيفة مزدوجة أو ذات ثلاث وظائف.. تجميع الأواني بعضها البعض رغم اختلاف أحجامها وأشكالها وألوانها واختلاف وضع الأيدي.. مما يجعل هذا التجميع سيمفونية من الأشكال والأحجام والألوان والملامس والفراغات`.
- وإذا كان الشكل الدائري.. يعتبر من أكمل الأشكال الهندسية المنتظمة وأقواها فى كتلتها.. وبما تتصف به من سمات فنية وهندسية وتشكيلية.. كما أن من خصائصها أنها تتميز باللانهائية.. تكون فى حركه دائمة ودائبة علي محيطها الخارجي.. وتتميز بالسيطرة والقدرة علي الاحاطه والتحكم.. وبصوره عامه نرى كافه الخطوط المنحنية تعطي ذلك الإحساس بالمرونة والدفء والحنان.. والجمال.. وهى رمز يعد أصلاً لأشياء عديدة فى الحياة.
- ومن هنا كان ولع الفنان جمال حنفى.. بالشكل الدائرى لما يحمل من تلك السمات والصفات التى توحى بحيوية التشكيل.. بالطين وهو من الفنون التى ظهرت من بداية التاريخ.. وعند فنانناً يوحى بالاستمرار والتواصل مع التراث الإنساني الخزفى.. من خلال آنية اسطوانية أبدعها على القرص الدوار تحمل أسلوبه التعبيرى.. حافلة بالنقوش والملامس والابتكارات الملونة والتوازن والنسب المدروسة.. تشكل حواراً روحياً ينتمى للشرق الفنان.
- وأعماله فى هذا الإطار مع الإناء والوعاء والأصيص.. تألقت أيضاً فى أطباقه.. والتى تعد بمثابة لوحات خزفية دائرية.. فى موازاة اللوحات ذات البعدين من المربع والمستطيل.
- مركز الدائرة
- وعادة ما يجعل فناننا `سرة` للطبق بمثابة مركز الدائرة.. وأشبه بالخلية والنواة تنفرج الرسوم من المركز.. فى إشعاعات لونية كما فى تشكيلاته البديعة الذى تتحاور فيها الأشكال الهندسية.. فى ثلاثية لونية من الأزرق الهادىء والبنى والبرتقالى.. وهو ينتقل من الإيقاع الهندسى إلى الشكل التجريدى من التبقيع كما فى طبق من الأزرق البحرى الصافى مع الأبيض.. وبين الألوان المضيئة فى المركز من توليفات الأزرق.. ينفرج التكوين والتلوين عن البنيات.. بامتداد الطبق حتى الحافة فى حوارية لونية تعكس لقدراته وتمكنه من استحضار تلك الألوان المؤكسدة.. فى تداخلها وانسجامها من الداكن الرصين والمضيء المشع بالنور.. وتبدو اللوحة الدائرية عند الفنان فى أعمال أخرى.. مثقلة باللون فى دنيا من اللمسات اللونية حافلة بالبرتقالى والأخضر والبنفسجى والأزرق والرمادى والتركواز.. تشع بالبهجة.
- ومع مجسمات الفنان من الإناء والوعاء والشكل الذى ينتمى للجمال الخالص والأقرب إلى المظلة.. يتنوع التكوين اللونى من حالة إلى حالة.. من ثنائيات الألوان إلى المجاميع اللونية المتناغمة والمتآلفة فى انسجام `هرمونى` أقرب إلى الألحان والأنغام.. خاصة من الكريات والأشكال الغير منتظمة نراها فى العديد من أعماله التى تسمو إلى التجريد الخالص.. وكان ذلك عن قصد لإظهار الطاقة التعبيرية للون.
- اللوحة الخزفية
- ولاشك أن أعمال الفنان جمال حنفى تمثل منظومة متناغمة.. بكافة إشكالها من المجسم إلى المسطح.. من الأواني إلى اللوحات.. وهى تؤكد لغته التعبيرية وأسلوبه الذى تميز به.. بلمسة البساطة والعمق والتنوع والثراء.. ومع أعماله التجريدية الخالصة.
- وما يوحى بالخلية والنواة وأشكاله الهندسية التى تحفل بها بعض أطباقه.. تتألق اللوحة الخزفية ذات البعدين فى موضوعات وأفكار ورؤى.. ذات مفردات موصولة بعناصر من المصرى القديم بلمسة عصرية مثل: `معبد مصري.. مركب يوحى بمراكب الشمس - زهرة اللوتس`.. وعناصر أخرى حديثة لأشكال معدنية ديناصورية توحى بعصر العلم وهياكل لصروح وبوابات.. نطالعها فى لوحاته.. كما تمتد أخرى بالشمس فى الأفق محاطة بموجات دائرية.. وصوت الموسيقى وصوت العلم معا فى لوحة أخرى.. ومركب وقلع ضخم يملا الفراغ أو فضاء التصوير بالأبيض.. ووردة فى أناء وشجرة تملا الفراغ.. مع القمر المكتمل محاطا بالسحب الكثيفة والبيوت الريفية.. والنخيل والشجر والزهور.. كلها من مناظر البيئة.. خاصة وهو ينتمى إلى قرية `العمار `قليوبية بالمولد والنشأة وقد تشبع بروح الريف من الخضرة والنقاء والسطوع.. وكان أيضا للحرفية العربية وروح الفن الإسلامي نصيب من أعماله.
- وألوان الفنان.. منظومات متناغمة تكمل بعضها البعض مثلما تجسد إيقاعاً موسيقياً بلمسة من الحيوية فيها النهار والليل.. اقرب إلى الإشراق فى الصباح بتلك الألوان المضيئة.. وفى ألوانها الداكنة تبدو فى أمسيات ليلية .
- ومع حصول الفنان جمال حنفى على دبلوم الفنون التطبيقية عام 1958.. ودراسات فى فن الخزف من `فاينسا` بايطاليا ودبلوم الدراسات العليا المعادل للدكتوراه من فلورنسا عام 1967 إلا أنه مع كل هذا.. كما يقول ناقدنا مختار العطار: `وهب أيامه ولياليه للدولاب الدوار والأفران بأنواعها.. والتجارب التشكيلية والطينات المختلفة فى فورمات رصينة.. من حيث النسب والألوان والأطوال والاتساعات.. حتى وصل بإبداعه المتطور إلى شخصية فنية وجمالية نستطيع استخلاصها.. من بين آلاف الأعمال الخزفية فى المحافل الجماعية :المحلية والدولية`.
ومن هنا ومع خصوصية لمسة جمال حنفى أستاذ ومايسترو الخزف بأعماله.. التى تتكامل بألوانها وعناصرها.. مع الأشكال أو الفورمات التى تنتظم سطوحها.. كان له إسهامات عديدة فى جماليات المدينة المعاصرة.. فقد قدم التصميمات الخاصة بالقرية السياحية `توت عنخ امون` وتصميم وتنفيذ لوحات خزفية لفندق الميريديان بالقاهرة.. وأواني ولوحات بفندق شيراتون القاهرة وشيراتون الغردقة.
- والسر فى هذا كما يقول فناننا: `أن البصر والبصيرة عند الخزاف هما الوقود الفاعل فى العملية الإبداعية.. فهو يرى ببصره ويعرف ببصيرته ثم يعمل بيديه ليترجم تلك الحصيلة.. فى صورة عمل خزفى محمل بمعلوماته وخبراته التى حصل عليها عن طريق بصره وبصيرته فيخرج العمل الفنى ممثلا له.. وعلامة على عالمه.
- تحية إلى هذا العالم المتسع فى فن الخزف.. عالم الفنان جمال حنفى.. وسلام عليه بعمق فنه وتنوع إبداعاته.
صلاح بيصار
القاهرة 21-9-2021
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث