`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
محمد السيد السيد العلاوى

- إن العلاوى لم يلجأ الى تقليد الفن المصرى القديم حين استقى منه روحه الخالصة وعبيره الفواح . فأسلوب العلاوى قد اعتمد على الاختيار الواعى والمحسوب من ناحية. والبساطة التلقائية من ناحية أخرى. وهو يعيش فى اختياره صدق تجربة الفنان ونقاءها من شوائب التقليد والابتداع . مبلوراً فى نهاية الأمر أسلوباً خاصا يجمع بين الشكل الواقعى والتجريدى والرمزى فى نسيج متقن .
د/ صبرى منصور
مجلة الهلال - يوليو 1991

- العلاوى من بين فنانينا الذين ينتمون الى الاتجاه المسمى التعبيرية الرمزية من خلال استلهام أشكال وملامح لشخوص وعناصر آتية من الطبيعة ملخصة الملامح ... النحت لديه عمل تركيب بنائى قائم على تعدد العناصر ووضوحها معا فى تراكيب مليئة بالفراغات البينية والسطوح الحاضرة والجدران الشاهقة والشخوص المتعددة ` .
د/ فاروق بسيونى

إضاءة على طريق فن التمثال
- ليس سهلا أن يبزغ نجم فنان في أفق الثقافة الانسانية، لابد من عدة مصادفات تسمح لنجم المستقبل بالإشراق وللموهبة أن تنمو وتزدهر ثم تثمر لأن المواهب مهددة بالوأد في كل لحظة، لو تخلت المصادفات عن ملاحقتها، كل فنان أو عالم أو مفكرـ ممن رسموا طريق الحضارة البشرية ـ في حياته عدد من تلك المصادفات، لو لاها لا ندثرت موهبته وتعطل التقدم لسنوات طوال وربما لقرون وقد عبر الأديب الفرنسي: رومان رولاند ( 1866ـ 1944) عن علاقة المصادفة بازدهار المواهب، حين وصف كاتب روسيا الكبير: مكسيم جوركى ( 1869ـ 1936)، الذى صعد من الحضيض ليغير وجه الأدب فى القرن العشرين بقوله: إنه كالنبتة التلقائية فى الطريق العام، أخطأتها أقدام السابلة، حتى ترعرعت وصلب عودها وأتت أكلها!
- فى بلادنا فتح المثال محمود مختار (1891ـ 1934) الباب لفن التمثال الحديث. بعد سبات استمر من الغزو العثمانى سنة 1517،إلى القرن التاسع عشر حين عاد المبعوثون الذين أرسلهم محمد على باشا ( 1769ـ1849) إلى أوروبا، وظهور بدايات الابداع الفني على أيدى رسامين ومثالين، وردت أسماؤهم وعناوينهم وتخصصاتهم في ` دليل وادى النيل` طبعة 1891 تطورت هذه الحركة حتى أسفرت عن إنشاء مدرسة الفنون الجميلة العليا سنة 1908، وتخريج أول دفعاتها سنة1911، يتصدرها المثال محمود مختار صاحب تمثال نهضة مصر، الذى فاز بالجائزة الأولى والميدالية الذهبية في صالون باريس الدولي سنة1922 واكتتب الشعب لاقامته في ميدان باب الحديد.
- تكاثر عدد المثالين فى مصر في السنوات الأخيرة، على قلتهم في الثقافات المتقدمة، وتغيرت المعايير الفنية فى النصف الثانى من القرن غموضها وعدم الدراية بضوابطها دفع الكثيرين من التشكيليين في الثقافات المتخلفة، إلى ممارسة مختلف أنواع الفنون المرئية تحت أسم ` الفنان الشامل` وهو طراز من الفنانين ملازم للتخلف، ففي العصر الحجري منذ اربعين الف سنة، كان ` الشامان` فنانا شاملا يرسم ويقيم التماثيل ويرشد القبيلة إلى أماكن الصيد ويتنبأ بالمستقبل وكلمة ` شامل` في الحركة الفنية عندنا، مرادف خجول لكلمة ` عبقرى ` أما الثقافات المتقدمة فآيتها التخصص الدقيق !
- لكن ` هوجة` الحداثة بمعنى التجريد العشوائي والعبث بالخامات والشمول، أخذت في الانحسار في الثقافات المتقدمة، وامتد تأثير الموقف الجديد إلى المجتمعات النامية، حيث ظهر جيل من الفنانين الطليعيين، على قدر من المعرفة والجدية والصرامة في ابتكار المعايير، وشحن ابداعهم بمضامين انسانية يعيدون إلى الذاكرة عصر ` الفنانين المفكرين` في الأربعينيات، الذين اعتبروا الابداع التشكيلي جزءا من الحركة الثقافية مثل : رمسيس يونان (1913ـــ 1966) وفؤاد كامل
( 1919ـــ1973) وحسين يوسف أمين ( 1904ـــ1984) وعبد الهادي الجزار (1925ــ 1966) والمثال: محمد العلاوى يمثل هذا الجيل الطليعي ويبشر بالموجة الجديدة فهو مفكر وصاحب رأى، يطرح بتماثيله المثيرة معايير استطيقية مبتكرة، تضرب بجذورها بعيدا في تراثنا، مستفيدا من النظم والمقاييس التي أرساها المثالون المهندسون في مصر القديمة متمثلة في روائعهم التي عملت : هنري مور (1894ـ1986) الجلال والعظمة ـ على حد قوله ـ يستند في الوقت نفسه إلى المكتسبات العالمية، ويضيف معالم جديدة على الطريق الذى اقتحمه: محمود مختار، ومهده: جمال السجينى (1817ـ 1977) وأضاف إليه: كمال خليفة (1927ـ 1968).
- فى عام 1987، أجريت وزارة الثقافة مسابقة بين المثالين، بمناسبة مرور ستين عاما على أقامة تمثال ` نهضة مصر` وكان اسم التمثال هو موضوع المسابقة إلا أن العقود الستة أو السبعة التي تفصل بين أقامة التمثال وطرح المسابقة، حفلت بتغييرات بل انقلابات في الفنون المرئية اجتاحت العالم خلالها أعاصير ثقافية، تخللتها الحرب العالمية الثانية (1939ـ1945) وتفجير القنبلة الذرية تغيرت المدركات العلمية والانسانية، وظهرت خامات ذات امكانات لم تكن معروفة بل تغير مفهوم النهضة الذى عبر عنه ` مختار ` بتصوير مصر في ثوب فلاحة ممشوقة تتطلع إلى المستقبل، وتستنهض طاقات شعبها ممثلا في صورة أبى الهول يهم بالنهوض فكرة رائعة مستلهمة من الثقافة المحلية وتشكيل نموذج يناسب أحجار الجرانيت، ويتفق مع المعايير الكلاسيكية التي سادت أوروبا والعالم آنذاك من حيث التماسك والاستقرار والتكوين الهرمى والايقاع الهادئ للتضاريس كما تتضح التأثرات الشاعرية الرومانسية التي فجرها: أو جست رودان ( 1840ـ 1917) أبان دراسة محمود مختار لفن التمثال في باريس بالإضافة إلى المعايير الفرعونية المتمثلة في : بلاغة الحركة واختصار التفاصيل وتبسيط الأشكال التشريحية للعضلات وإضفاء تعبيرات محايدة على الوجوه والتكوينات مما يوحى بالديمومة والخلود.
- بعد قرابة السبعة عقود، والتغيرات التي أشرنا إليها، كان لابد للصياغة الحديثة أن تختلف في تعبيرها عن المفاهيم القديمة خاصة أن المثال الحديث يواجه عالما متغيرا لم يسبق له أن اختبره.
- هذا ما فعله ` محمد العلاوى` وهو يصوغ تعبيره المعاصر عن نهضة مصر استفاد من امكانات خامة البوليستر وهى واحدة من مبتكرات التكنولوجيا المعاصرة، تتيح لمثال طرح أبجديات جديدة لا تسمح بها الخامات التقليدية كالخشب والبرونز والحجر والجص تتوافر فيها صلابة الحديد وخفة الخشب والتماسك الصلب تساعد على التشكيل المباشر في هذه الخامة العنيفة، أدوات مستحدثة تضم مناشير كهربائية صغيرة ومثاقب وأزاميل .
- فى هذا الاطار الثقافي الحديث، أبداع ـ ويبدع ـ محمد العلاوى تماثيله الغربية ذات الطابع الدرامي المثير، والتي يصعب تنفذها بغير خامة البوليستر أما في حالة التكبير كتماثيل ميدانية، فيكون للتنفيذ شأن آخر ويعتبر تمثال ` نهضة مصر ` الذى فاز بالمركز الأول في المسابقة نموذجا لتكامل الشكل والمضمون وهو قصيدة تشكيلية لو أقيم في مكان كميدان التحرير لأشاع البهجة والحيوية وأصبح دعوة ماثلة للانطلاق والحرية تشكيل جماعى مسرحى رمزى لا أثر فيه للمباشرة والخطابية يحمل حداثة الوعى والفكر ورحابة الأحلام، فى تكوين معمارى راسخ القواعد بديع التنظيم.
- مصر فى ثوب امرأة ممتلئة ثابتة القدم، تخطو على جدار يمتد افقيا إلى 120 سنتيمترا، ترسم علية نقوش فرعونية ترمز للتراث وحضارة السبعة آلاف عام تخطو رافعة ذراعيها إلى السماء، تطلق طائرا عملاقا وسطا بين الحمامة والنسر يوحى بالسلام والقوة معا واعتزام التحليق والجدار بما يحملة من المرأة والطائر يرتكز على قائمين يتيحان مزيدا من فراغ يخفف من صلابة الكتلة العظيمة نسبيا التي ترتفع في النموذج المصغر إلى 80 سنتيمترات وهذا الاسلوب البنائي المعماري ، الى طبع أبداع العلاوى عقب عودته من الاتحاد السوفييتي سنة 1984، بعد بعثة دامت أربع سنوات، ليس مستمدا من أفكار الرسام الورسي كازيمير ماليفتش ( 1878ــ 1935) وما يسمى البنيوية أو البنائية، إنما تبلور خلال بحث رسالة الدكتوراه التي أنجزها هناك حول الأسلوب الانشائى المميز للأشكال الحيوانية في الحضارة المصرية القديمة، وكيف أضفى لنحات مضمون القداسة على الأشكال الطبيعية للطيور والحيوانات والاشكال المهجنة التي تتألف من عدة كائنات والصياغة الفنية التي تتحول بها البقرة إلى ` حتحور` آلهة تتشح بالشموخ والعظمة والجلال وكيف يؤدى التحوير والتحريف وظيفة تعبيرية، تضفى على تماثيل الحيوانات والطيور صفات انسانية .
- ولد فى مدينة سمنود سنة 1947 ونشأ وترعرع في القاهرة التحق في الثالثة بمدرسة الراهبات ، فتمكن بفضلها من قراءة الصحف في سن السادسة وبهذه القدرة المبكرة استطاع قراءة سلسلة ` أولادنا ` لكامل الكيلاني ولم تمض سنوات قليلة حتى كان قد التهم مكتبة والده ــ مهندس النسيج ــ الحافلة بالمؤلفات الدينية والأدبية والنسخ الكاملة لتحفتي الأدب العربي : ألف ليلة وليلة وحديث عيسى بن هاشم وما كاد يتجاوز مرحلة المراهقة، حتى ألم بجانب من الفلسفة اليونانية وأدب العقاد وطه حسين والحكيم، وغيرهم من المحدثين وقبل أن يختتم تعليمه الثانوي في القسم العلمي ، ساقت المصادفة جارا، فتح له باب الاستعارة من مكتبته فأتى على محتوياتها من روايات مترجمة وقصص مؤلفة، ومعارف منوعة من الشرق والغرب وما زال يعلق في ذاكرته كتاب ` كهف أفلاطون ` الذى أسطورة ساكني المغارة التي ولدوا فيها، فلم يروا من العالم سوى ظلالهم فظنونها حقيقة الحياة وقد أبدع أخيرا عدة لوحات بالحبر الشينى محكمة التكوين تصور هذه الفكرة، وتعيد إلى أذهاننا روائع: عبد الهادي الجزار ( 1925 ــ 1966)، بينها لوحتا ` انتظار` و ` حرية المقيدين` في نسيج هذا المناخ الثقافي للطفل الموهوب، كان الرسم والتلوين شغله الشاغل ما وجد لذلك سبيلا ومرة أخرى ساقت المصادفة جارين يهويان الفن ويدرسان مادة الرسم، وقفا منه موقف التبني، وزوداه بالنصائح والأوراق والاقلام وأصابع الباستل فضلا عما كان يلقاه في البيت من رعاية لهوايته، إذ كان أول العنقود وأكبر أخواته الخمسة ومضى في طريقه يظفر بحب المدرسين وتقديرهم العالي، حتى التحق بكلية الفنون الجميلة سنة 1965،عاقدا العزم على أن يصبح رساما ملونا.
- إلا أن نظام الدراسة يقضى بممارسة مختلف أنواع الفن ومن بينها تشكيل التماثيل، حتى يكتشف المسئولون مواهب الطلاب الجدد ولمح جمال السجينى ــ الذى كان أستاذا آنذاك ــ تشكيلا بالصلصال للطالب محمد العلاوى وتبين بعين الاستاذ الخبير والفنان المرهف الحس، أمارات الموهبة الفذة في ذلك العمل البسيط، فنشأت على الفور بين الطالب والاستاذ علاقة انسانية على نظام ` الصبينة` Apprenticeship الذى كان سائدا قبل إنشاء أكاديميات الفنون في القرن السادس عشر النظام الذى أهدى الحضارة البشرية عباقرة عظاما مثل ليوناردو دافنشي ( 1452ــ 1519) نظام التعلم بالمشاهدة والمتابعة العملية والمساعدة في تشكيل وتنفيذ، ما يكلف به المثال الكبير من نصب يقوم بتصميمها وانجازها وبين الأعمال الصريحة التي عاون العلاوى أستاذه في أقامتها بالحجر الصناعي: تمثال ` العبور` الشهير الذى يستقبل الوافدين عند مدخل مدينة بنى سويف هكذا تعلم في فترة الصبينة ما لم يكن ليبلغه أثناء دراسته الاكاديمية في الكلية ، التي أصبح بدوره أستاذا فيها وما زلنا نلمس في أسلوبه الأخير ذي الصبغة المعمارية، تأثيرات الاتجاهات التكعيبية والبنائية التي نسج` السجينى ` على منوالها فى الستينيات كما في تماثيل: أم كلثوم، نهضة مصر أفريقيا، القرية، رأس سيد درويش لقد طور العلاوى الأسلوب المعماري البنائي إلى صياغة متفردة متكاملة الأركان بسيطة البنيان، لا أثر فيها لكثرة التفاصيل وتعقيدات التراكيب، التي تزدحم بها تماثيل السجينى ، قبل أن ينجو بتشكيلاته المعمارية إلى التبسيط والتجريد كتمثال ` الأمومة` المقام في مدخل مطار القاهرة .
- اقتفى العلاوى آثار أستاذه، وخاض بدوره تجربة ` التعبير المجرد` Abstact expressionism بعد تخرجه سنة 1970 وجاء أول معارضه سنة1973 في أطار تجريدي كامل، لكنه سرعان ما أدرك عبثية هذا الأسلوب وسطحيته، وعدم كفاءته على استيعاب المضامين الانسانية الرفيعة، التي تلبى احتياجات التغيرات الثقافية، وتضيف حلولا جديدة للثقافية العالمية وتقف كتفا مع فنون الشعر والأدب والموسيقى وفنون الغرب المتقدم فالإبداع الخالي من الجهد والفكر والمعنى والاثارة والجاذبية ليس فنا، والعلاوى حين يبدع تماثيله، أنما يسعى إلى تجسيد خياله وأفكاره اللامرئية وتقديمها إلى المجتمع الانساني يختلف في ذلك عن معظم المثالين، في أنه يجمع بين التشكيل Mading والنحت Carving فهو يشكل تمثاله بعجينة البوليستر السريعة الجفاف، قبل أن تتحول إلى مادة قاسية الصلابة وبعد أن يتم هذا التحول، يبدأ مشواره مع النحت وإنهاء التكوين كما أسلفنا الوصف، ربما يسفر هذا الاسلوب التنفيذي سر الحيوية الدافقة في تماثيله، بالرغم من طابعها السكوني ذلك أنها نابعة من الاسقاط الفوري للمشاعر والانفعالات، وإعطاء الفرصة للعقل الباطن لقيادة العملية الإبداعية.
- تتفق اتجاهات العلاوى الجمالية ( الاستطيقية) مع المعايير الفنية الحديثة وتثريها فقد تغيرت المقاييس الكلاسيكية التي سادت عصر النهضة في القرنين الــ 15،14 وبقيت سارية إلى منتصف القرن التاسع عشر حتى قال الشاعر الفرنسي شارل بودلير ` آنذاك: أصبح فن التمثال فنا مملا.
- أقبلت المعايير الحديثة لتمحو عضلات ` ميكلانجلو` وحركاته البطولية الأسطورية وبدت الليونة والرقة تغمر تماثيل مطلع القرن العشرين على يد ` أوجست رودان` وامتد تأثير الاتجاهات الرودانية إلى مدرسة الفنون الجميلة العليا في مصر. فشب عليها ` محمود مختار` ثم ` جمال السجينى` عقب تخرجه سنة 1938 إذ كان أستاذه ` كلوزويل` من أتباع رودان واختفت التفاصيل والملامح من التماثيل حين ألغاها من أشكاله وكائناته: كونستنتين برانكوزى ( 1876ــ 1957) ابن الفلاح الرومانى، فتحول الطائر في ابداعه إلى ما يشبه الصاروخ الانسيابي وأصبحت رأس الانسان بيضة بلاسمات ثم حدثت الطفرة بعد الحرب العالمية الثانية، واختلطت الفنون وتهجنت، وسقطت أعلام المعايير التقليدية قبل أن تتبلور المعايير الجديدة وانتهز المغامرون الفرص وصنعوا ما شاءوا تحت مظلة الحداثة وشرع الفنانون المفكرون في إرساء الأصول الفنية المستحدثة التي تتفق مع التغير الثقافي بين هذه الفئة الأخيرة يتخذ محمد العلاوى موقعه في تاريخ فن التمثال المصري الحديث في أعقاب التدهور الذى أصاب هذا الفن عندنا بعد رحيل ` السيجينى ` سنة 1977.
- تماثيله ذات طابع مسرحي روائي، بالرغم من حبكتها الفنية وتكوينها المتكامل، وأتخاذ أبطالها صفات معمارية فهم يلعبون دورا جماليا تسوده الخطوط الرأسية والأفقية مما يسفر عن إحساس بالرسوخ والديمومة والصرحية حين نتطلع إلى صورة أحد هذه التماثيل، يخيل الينا أنه يرتفع إلى سبعة أمتار أو أكثر ، بينما هو في الواقع قد لا يزيد على المتر ارتفاعا ومن خلال الملامس وتغاير كثافتها، والايقاع وتنظيم وحداته المسمطة أو الفارغة، والاتزان الشامل بين مختلف عناصر التكوين، نستشعر المعايير المبتكرة التي يطرحها العلاوى. أما المضمون، فهو يرمز للحياة بما يشبه المسرح.
- تلعب أدواره شخوصا غامضة، تختفى معالمها كأنها كائنات مقدسة لا يجوز النظر إليها شخوص توحى بالقوة البدنية والعقلية معا تكاد من فرط حيوية تشكيلها، تغادر مواقعها لتسعي بيننا وبرغم غرابتها تبدو أليفة تخاطبنا برفق ووضوح عن أعقد مشكلاتنا الثقافية.
- فى عمل فائز بالجائزة الأولى في بينالى القاهرة الثالث 1988 أبدع تمثالا بعنوان:` حوار متكافئ` تشكيل مباشر بخامة البوليستر يتألف من حائط مرتفع عن الأرض به فتحات يدور بها خمسة رجال كل وجه في نافذة تقابله راحة كف تغطيه وتحجب الرؤية عن عينيه والتكوين في مجموعه، تشكيل معماري يمتع العقل بمحكم حساباته والوجدان بموسيقية ايقاعاته لا يمل الملتقى من التطلع إلية، لشدة إثارته وجاذبيته ولا يدخر وسعا في إعمال الفكر والخيال فما دامت العناصر مقروءة والرموز للتقاليد والعرف والقانون والعلاقات الاجتماعية، التي تؤدى أحيانا إلى تصدى بعض الناس للبعض الآخر، فيثبطون جهودهم ويحيطونها والجدار بهذا المفهوم الرمزي، عامل مشترك في معظم تماثيل العلاوى الأخيرة وموقف الشخوص من حوله إما أن تحتمى به أو تتحايل على تخطيه بالقفز تارة والتسلل من منافذه تارة أخرى هذه المضامين التي نستشفها من تماثيل العلاوى تؤكد حداثته وتلبيته لا احتياجات التغير الثقافي المأمول..
بقلم : مختار العطار
من كتاب (رواد الفن وطليعة التنوير في مصر- الجزء الثانى )
محمد العلاوى وجسارة المقاومة
- إن النحات محمد العلاوى يعد مثالاً قوياً لتلك الرابطة الوثيقة بين الفن والمجتمع، فلا يمكننا قراءة وتلقى أعماله باعتبارها مستقلة استقلالاً نسبياً عن التغير الاجتماعى والسياسى فى المجتمع المصرى، كما يتبدى لنا الخطاب الجمالى عند العلاوى فى صروحه ومنحوتاته الميدانية باعتباره أحد مكونات الخطاب الثقافى السائد والذى يمكن استخلاصه عند دراسة تلك الفترة التاريخية الثرية التى نشط فيها وأنجز أعماله والتى تمتد منذ مرحلة تلمذته على يد جمال السجينى العظيم رحمه الله ثم بداياته فى سبعينيات القرن العشرين وتفاعله الصادق مع متغيرات المجتمع المصرى فى مرحلة نصر أكتوبر وما بعدها فى عصر الانفتاح والحراك الاجتماعى وحتى مرحلة ميلاد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 حيث أنجزت معظم أعمال معرضه الذى أقيم بمركز الجزيرة للفنون فى الفترة من الثانى والعشرين من فبراير وحتى العاشر من مارس 2012 ونحن هنا لا نبتر أو نختصر القيمة الكلية للعمل الفنى فى ترجمة الواقع الاجتماعى وإنما ننظر إلى الممارسة التشكيلية كأحد مكونات الخطاب الثقافى فى مصر وكذلك ككيان متعدد الطبقات والمكونات والانبعاثات الجمالية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلما ذهبنا فى العمق كلما وجدنا رقاقة من رقاقات التكوين الثقافى الكلى للمجتمع المصرى الذى ولد من رحمة هذا الفنان بتفكيره وفلسفته وأسلوبه وفرادته وتميزه، وعلى هذا فلا يمكننا الفصل بين ما هو جمالى وما هو اجتماعى .
- ففى تمثاله المصنوع من البرونز الذى يجسد إنساناً قوى البنية أثقل العلاوى من كتلته عند القاعدة وصنع من جسده قوساً متحركاً بعزم وعنفوان عاصف يجأر بصرخة التمرد والثورة ويمسك بيدية العتيتين بهراوة يضرب بها قوى الظلم والظلام ويحتشد بكل الطاقة الحركية المتوثبة المنبعثة من اتجاه خط الجسد المقوس بعنف فى اتزان بديع عند القدمين يعادل اندفاع الكتلة الرهيب نحو الخلف، فى إرهاصه باقتراب الثورة والفجر الوشيك.
- إن النحت يجسد.. والجسد يطلب حياة ويفتقر الكثير من الأعمال النحتية إلى الصفة الجوهرية المميزة للحياة ألا وهى الحركة وهذا أمر قد يدعو للإحباط ومن ثم يلجأ بعض الفنانين إلى التخفيف من آثاره بحيل فنية أو صناعية عديدة، إن الثبات اللازمنى ليس عيباً أوعائقاً للنحت فهو يقوم باستخلاص وجود فذ جديد من مشهد الحياة المتغير الموار، إنه يضيئها ويطلقها حقائق كونية خالدة متجاوزة حدود الزمان والمكان إن النحات هنا يربط بين الماضى والمستقبل من خلال هذا الحضور الدائم للعمل الفنى فى الحاضر .
- وهذا ما يتضح عند العلاوى حينما ننظر لعمله الذى أنتجه من البوليستر الذى يصور فيه مصر وهى تنفلت من عالقها وتنطلق ويصور الثورة وقد اختطفها طائر مخيف وفى عزم انقضاضه عليها وانطلاقه بها إلى أعلى ينقلب الجسد إلى الخلف فى حركة قوية مباغتة، تكسر منطقية الحركة المتوقعة وتتحدى جذب الأرض وتتجه أفقياً فى جسارة واستمرار حتى ينقلنا اتجاه الجسم الطائر إلى منطقة بصرية تعادل من حدة اندفاع الجسد البشرى إلى الخلف وترفع مركز الثقل إلى أعلى فتتحدى السقوط، فالفنان محمد العلاوى هنا يتحدى قهر الجذب ويحترم قدرية الارتباط بالأرض وينتقل من السكون إلى الحركة ومن الاختلال إلى التوازن ومن الأفقى إلى الرأسى ومن الأرض إلى السماء بحرية وإيقاع وتحرر من تقاليد الخوف البشرى فى صياغة محكمة البناء المعمارى للكتل والفراغات، فيتركنا نحلق بعيداً ونشخص بأبصارنا مع الطائر المندفع وهو فى نفس الوقت يكرس الثقل ويغرس فى الأرض جذوراً وقواعد تحمى الشكل من الانهيار فى توافق وانسجام بديع بين التشكيل البصرى والبنائى والمعنى التعبيرى الفلسفى.
- أما فى عمله الذى أبدعه من النحاس الأحمر فنرى إنساناً فى مقام الصراع والمقاومة مندفع إلى الأمام فى حركة هادرة يسير وهو يخترق حجاباً ثقيلاً كثيفاً قد ألقى عليه يحبسه ويكبله.. يمنعه من التنفس أو الرؤية أو السمع أو الكلام، هو فى وضع متوتر إلى أقصى درجة وحدة الخطوط والظلال التى شكلها العلاوى فى الجسد النحاسى والحجاب تنبئ باقتراب اختراق هذا الإنسان من الخلاص إذ لا يمكن استمرار هذا التكوين المشدود الصارخ المندفع إلى الأمام حيث يكرس هنا الفنان كل القيم النحتية المصرية الموروثة التى تسرى فى خلاياه فى بلاغة وجدة، فهو يستمسك بالثبات الرشيق.. رغم اندفاع الكتلة إلى الأمام، وهو يحتفظ برسوخ القدمين ولا يستسلم لغواية التشريح مسايراً حركة الجسد والحجاب وصد ومقاومة الرياح بل يتشبث أكثر بالقدمين المصريتين القديمتين فى اعتداد .ويقول العلاوى أنه كان ينهى هذا العمل ويطلقه ليبلغ الخلاص وقامت فى نفس التوقيت ثورة الشباب فى الخامس والعشرين من يناير 2011.
- ويستمر العلاوى فى معزوفته الاجتماعية المتناغمة مع النص التشكيلى التراثى المصرى القديم، فيقدم لنا ذلك الجالس على العرش ذا النسب المصرية القديمة فى تصرف غاية فى الجدة والفرادة فى تشريح عضلات الذراعين وفى تكوين الطائر المحلق فوق الرأس كصورة تمثل الصقر حورس يحتضن الوجه من جديد، وفى عمله الذى قدمه من البوليستر المعالج بالترسيب الفلزى على سطحه، يقدم لنا طرحاً لمفهوم السلطة التى تقهر الذات الإنسانية ويتحول فيها البشر إلى كيان شأنه متقوقع مسجون أسفل كرسى العرش وكأن صاحب السلطة قد قهرته السلطة والتى سحقت كل إنسانيته.
- فالنحت وثيق بالأرض كما أوضح أرنهايم حين قال أن التمثال وخاصة حين يكون صرحياً كأعمال الفنان محمد العلاوى فإنه يصبح مناسباًً أكثر لأن يكون مكاناً للزيارة، فنتلقاه كمشهد من مشاهد الطبيعة الجليلة وكى تنطلق ومضات البث النابض بالدلالات الجمالية والفلسفية لتلك الأعمال فهى تحتاج إلى حيز، أو مكان أو فضاء مناسب، إنها توضع فى الميادين وأمام المبانى، وعلى قمم التلال، حيث تكون شاخصة للمتلقى فى حقل دلالى كثيف هادر مكرس لها ويخلق محيطها وحرمها الخلاق، والفنان محمد العلاوى مرتبط بتخصصه الأصيل الأثير وهو النحت الميدانى، فلا يمكننا استقبال نحتاً ميدانياً فى قاعة مغلقة ضاغطة على آفاق صروحه الميدانية، ولعل هذا هو ما يجعلنا نوافق أرنهايم فى مقولته حول عرض الأعمال النحتية فى بيئة مفتوحة أو فى إطار خطة معمارية متجانسة مع سياقها وتكوينها المستقل شديد الخصوصية كواقعة أرضية صاخبة بالمعنى والتعبير لا تستحق بأى حال أن نسجنها فى صندوق، مع كامل تقديرنا واحترامنا لمركز الجزيرة للفنون والسادة القائمين عليه، فلقد شعرت وأنا أشهد هذه الأعمال وأتحرك بينها أنها ميادين مستقلة بذاتها وتصنع مداراتها البصرية المتفردة وتحتاج لعدة حقول مساحية تتألق فيها وتبرز وتستقر وتنطلق دلالاتها دونما تشويش أو تداخل، فمعظم هذه الأعمال قد نفذها الفنان محمد العلاوى مصغرة بمقياس وهى نحت ميدانى من المفترض أن يحتل بيئته التشكيلية الخارجية المناسبة.
- كما أنجز الفنان جمال السجينى تمثال `العبور` وهو يمثل مصر تحمل أبناءها من الجنود فوق ظهرها وهى على هيئة قارب وتعبر بهم إلى النصر وقد قام الفنان محمد العلاوى أستاذ النحت الميدانى بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة بتنفيذ هذا التمثال مع الفنان جمال عبد الحليم فى حجم كبير من الحجر الصناعى عام 1974 وهو موجود حاليا بمحافظة بنى سويف وقد قام كذلك الفنان محمد العلاوى بعمل تمثال من المصيص أسمه ` الخطوة الساحقة تعبيرا عن العبور وكذلك تمثال الشهيد عام 1993 وهو يمثل الجنود المنتصرين يحملون الخوذة تحية للشهيد.
د.هبة الهوارى
نهضة مصر - مارس 2012
الإنسان00 والحواجز فى منحوتات العلاوى
- اختار المثال محمد العلاوى لأعماله الفنية ثنائية درامية بالغة الوضوح والتأثير معاً وهى ثنائية : الانسان والحواجز الخرسانية المعترضة .
- ولأن هذه الثنائية المتعاكسة قد استدعت إلى ذاكرتى صورا من العدوان على الإنسان ، كما استدعت صورا من المقاومة والانفلات من الحصار - قديما وحديثا - فالأرجح أن تلك الثنائية - المفعمة بالإيحاءات - تحرك فى الذاكرة الجمعية ملخصا لتاريخ الانسان وهو تاريخ للعنف مع الأسف .
- إن حواجز علاوى أشبه بالحوائط الشاهقة الصماء ، تخفى خلفها عن الأعين كل ما هو جميل وقبيح ، ولا تترك على سطحها غير الجهامة والتحذير . ويشحنها العلاوى بالعدوان على كيانات إنسانية فتعتصره عصرا . ويبدو إنسانه قادماً من المطلق ليرمز إلى الانسان فى كل مكان ، فليس فى ملامحه التفصيلية - إن وجدت - ما يدل على انتمائه إلى بيئة اجتماعية وثقافية بعينها . وهو لا يحتفظ من هيئة الانسان إلا بالتضاريس الاجمالية . ورغم ذلك فإن الفنان لا يقطع الطريق على نفسه مع الايحاء بجذور جمالية بعينها يحرص على استلهامها. لهذا يترك باب الأخذ والاستلهام موارباً ، أحياناً ، للإشارة إلى الانتماء إلى الجماليه المصرية القديمة . ويبدو ، أحيانا أخرى ، صريحا فيفتح الباب للدرجة التى يقترب فيها من الاستعارة الواضحة كما فى تمثاله ` النسر والحمامة ` وهو تمثال صغير الحجم من البرونز . ولا يخفى التمثال تأثر مبدعه بالتحفة النحتية الفذة التى أبدعها المثال المصرى القديم لخوفو محاطا بحماية النسر . ويكاد تمثال العلاوى الذى أنجزه سنة 1996 أن يكون خطابا سياسيا موجها للشعب ، يؤكد به الدعوة التى تلح بها السياسة الرسمية المصرية على إقرار السلام العادل . وأيا ما كانت نية الفنان فإن العلاوى يعد من الفنانين الذين يحرصون على وحدة المبنى والمعنى ولا يتخلون عن الدلالة مهما كانت مغريات المغامرات الشكلية . وقد قنع فترة طويلة بعنصرية الرمزين : الجدار الشاهق المغلق والانسان الفاعل ومتلقى الفعل .
- وقد رأى فى بساطة هذين العنصرين إيحاء قويا يزداد تأثيره كلما تضخم واحتل فضاء واسعا لهذا تتسم كل تماثيل العلاوى - صغيرة الحجم فى الواقع - بطابع صرحى . غير إنه انتقل فى معرضه الأخير نقلة لافتة فقد استبدل الفضاء بالحوائط المتجهمة وحرك أعضاء الجسد حركات بهلوانية ، وخلق بهذا المتغير جوا ديناميا تخطى به جو البناء والرصانة والسكون . واستعار من الأساطير أسطورة إيكاروس الذى استطاع أن يتحرر من سجنه بالطيران بجناحيه وقدمه فى تمثالين برونزيين أولهما بعنوان : ` إيكاروس مقاوما ` والثانى بعنوان ` إيكاروس طليقا ` . فى التمثال الأول يظهر الحاجز الذى كان خرسانيا متجهما من قبل وقد تمزق وصار معبرا إلى الفضاء - من ناحية - وإيكاروس من ناحية أخرى . وفى التمثال الثانى يبدو إيكاروس وقد تحرر تماما إلى الفضاء الممتد . وينتظر ميدانا من الميادين يستقر فيه حتى تسعد به الملايين وتستقبل الأجيال رسالته عن الحرية .
- وحلت بركات إيكاروس على كثير من شخوصه فبدت فيها الحياة والنشاط ، ففى تمثال بعنوان ` توازن قلق ` والأجدر به أن يكون عنوانه ` علاقة بهلوانية ` أو عشوائية. -وهو يحتفظ لتمثاله بالحمامة والنسر وإن بدت العلاقات بينهما متجاوزة حدود المنطق. ومثلما يحرص لاعب السيرك على الانضباط والتوازن نجح العلاوى فى إحداث التوازن رغم الفوضى الظاهرة .
بقلم : محمود بقشيش
مجلة الهلال- أكتوبر 1998
حكايات حرجة يبوح بها رنين المعادن وصراخ الطين
- قليل من الفنانين التشكيليين الذين أقضت مضاجعهم سخونة القضايا الإجتماعية التى تعصف بالمجتمع وتحرضه على البوح، والأقل هو من جاءت أعماله كاشفة عن الورطة التى تربك هذا المجتمع من خلال صياغة تشكيلية جميلة.
- ويعد الفنان د. محمد العلاوى من هؤلاء القلة الذين تهتز جوارحهم بقوة لأى هاجس قد يهدد الوطن ، أو يعرض أبناءه للخطر.
- تخرج محمد العلاوى من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة العام 1971 قسم النحت ونال درجة الدكتوراه من الاتحاد السوفيتى العام 1984، وشارك بأعماله فى معظم المعارض والمسابقات المحلية والدولية التى تنظمها الدولة ، فضلا عن بعض المعارض الخاصة التى أقامها فى فترات متباعدة.
- جاءت منحوتة ` المتربصون أو النظام العالمى الجديد` لتكشف ببراعة مدى انغماس الفنان فى خضم الظروف السياسية التى يمر بها المجتمع العربى بشكل عام وعنها يقول: لا يمكن أن أنفصل عن هموم الأمة.. لأن ما يسمى بالنظام العالمى الجديد، ما هو إلا قوة غاشمة عاتية تتربص بنا.
- تتكون هذه القطعة المثيرة من جدار، به ثلاث فتحات، كل منها على شكل مربع تقريباً، احتل التجويف أو الفتحة العلوية وجه رجل ذى نظرة خداعة.. متربصة.. ترغب فى الانقضاض، بينما خرجت من التجويفين الأخرين يدا الرجل وهما تقبضان بقوة على الجدار الذى يختفى داخله صاحبها !!
- وزيادة فى شحن المنحوتة بمناخ الخبث والدهاء والانتظار المريب ، وضع الفنان طائراً منفر الوجه أقرب إلى النسر أو الصقر على الجدار وفى وضع ينبىء بالشر!! لم يهمل محمد العلاوى فى هذا العمل المثير أصول فن النحت، من حيث نقاء الكتلة ورسوخها واحتلالها موقفاً مرموقاً فى الفراغ ، بالإضافة إلى الانتقالات الحادة والمفاجئة من مستوى لآخر، مثل هذه التجاويف ، فضلأ عن احترامه الشديد لانضباط النسب التشريحية للجسد الإنسانى، برغم أنه لم يسمح بظهور إلا جزء من الوجه والكفين .
- إن المتلقى لهذا العمل ، لا يمكن له أن يتحرر من سطوة الإحساس بالذعر، كما لو كان يواجه كمينا محكماً !!
- انشغل محمد العلاوى بخامات محددة مثل الطين، والبرونز، و ` البوليستر` تلك المادة التى يستعين بها أحياناً عندما يريد أن يستغنى عن الطين.
- وبعكس المنحوتة السابقة التى شكلها من البرونز نجده فى منحوتة ` الصراع ` قد جنح نحو خامة ` البوليستر` حيث نرى مشهداً مسرحيا مثيراً عبارة عن ثلاثة رجال يقف كل منهم فوق جدار، ويدفع كلتا يديه جداراً آخر أمامه، دون أن يضمهم مستوى أفقى واحد !! إن الحبكة الدرامية هنا شديدة الإحكام والرصانة، حيث يتخذ كل رجل وضعاً مخالفاً لأوضاع منافسية من ناحية، ومن ناحية أخرى يشير هذا الاندفاع نحو إزاحة الجدار، الذى يعلو قليلا قامة الرجل، يحدى التوتر الذى يتحكم فى صراع البقاء هذا.
- أدار محمد العلاوى ` الصراع` - مرة أخرى- ` التاريخى بين الكتلة والفراغ فى هذا العمل بمهارة لافتة للنظر، فالفراغ المتكون بين الرجل الذى يقف على الأرض جهة اليسار والجدار الذى أمامه يتواءم مع شكل الفراغ الذى يحتل المسافة بين الرجل الذى يقف أعلى العمل وجداره ، كذلك انضبط الإيقاع البصرى بين الجدران التى اتخذت زوايا جانبية، وتلك التى استقرت فى المواجهة ، وقد أصاب الفنان عندما حافظ على سلامة وانسجام العلاقات التشريحية لأبطال هذه الدراما العنيفة، حيث لم يشاً أن يكسبهم بأية ملابس تفضح وضعهم الاجتماعى، لأنه كما قال لى ( أنا أعبر عن الإنسان بشكل مجرد).
- يبدو أن الفنان العلاوى مهموم إلى حد النخاع بالظروف التى تضع الإنسان فى مواجهة الخطر.. أيا كان هذا الخطر فمنحوته ` الاختيار الصعب ` تحدد بوضوح مدى الكابوس الذى يمكن أن يحيط بالإنسان، فقد قام بعمل ضخم على قمته اشتبك رجلان فى مواجهة مثيرة وموترة ، وقد تنازعا بقايا عظمة !!
- إن الوضع القلق الذى اتخذه كل من الرجلين، من خلال تقوس الجسد بشكل كبير، يصيب المتلقى بحالة من الهلع، خاصة وأنهما معلقان فى الفراغ للسقوط فى الهاوية !
- ورغم هذا المشهد الفريد، لا يحدث فى الواقع، إلا أن الفنان - صاحب الخيال الوفير- استطاع أن يشعرنا بواقعيته من خلال تناسق جسد أصحاب هذه الدراما. وإمعاناً فى شحن المتلقى بالمزيد من معاشر التوجس والذعر، قام محمد العلاوى بصنع ملمس خشن لسطح الجدار، وللرجلين المتصارعين، والتى شكلت حركة الأذرع والأرجل بينهما، والفراغ الناتج من تلاقيها الدرجة المدهشة من الإتزان المطلوب فى أى عمل نحتى أو فنى بشكل عام.
- محمد العلاوى فنان صاحب قضية ، ينفر من دعاة الفن للفن، مغموس حتى النخاع فى الواقع الاجتماعى والسياسى، استثمر خياله الغزير ومهارته الفائقة فى عمل منحوتات تفضح المتربصين بالأزمة وتعبر عن مأساة الإنسان فى العصر الحديث، وذلك فى صياغات تشكيلية تتسم بالفرادة والأداء الكفء، لذا لا عجب ولا غرابة أن تأتى أعماله مثيرة للأسئلة، ممتعة للعين، سهلة الاستيعاب، وأعتقد أن هذا أقصى ما يطلب من الفنان فى زمن ` المتربصين` !!
بقلم: ناصر عراق
من كتاب ملامح وأحوال
إنسانية القسوة فى أعمال العلاوى
- إن القسوة التى يتعامل بها محمد العلاوى مع الصلصال ( المادة الأكثر حميمية للإنسان ) تظهر مدى إدراكه لعلاقات القهر المنظمة والحاكمة لمؤسسات المجتمع ، هذه العلاقات التى تشوة الأفراد وتمسخ الذوات الإنسانية وتجعل الأفراد متوهلين ودائما وجوههم للحائط.
- الأرض عند العلاوى ليست كروية أو بيضاوية الشكل ، بل هى حجر رحى ، ونحن بين فكى الرحى ندور وندوخ ونسحق.
- إن القسوة التى تدهشنا فى أعمال العلاوى ، جديرة بأن تجعلنا أكثر اتزانا ووعياً فى تفاعلنا اليومى مع الواقع المعيش ، هذا الواقع الطائش المضطرب.
- هذه القسوة الرائعة التى تكمن فى الصلصال ، تجعلنا نردد ببعض الثقة أن الفن الجميل سينقذ الإنسان من طيش العالم .
- إن الرائى للأعمال العلاوى لابد له من أن يتحسس رأسه ، وأعضاء جسده المسحوق تحت سلطة الشر والقمع ( الصقر المترهل ، المشوة ) والقوة العمياء التى تعبث بأقدارنا وتتحكم فى مصائر الحياة.
- هناك رجل يتسلق حائط وهمى ، أو يدخل فى حائط صلد وظهره للقهر ، بصمات أصابع وأقدام تحتفظ بها توابيت ، كأنها شواهد قبور للراحلين / الموجودين دائما معنا ، نساء يتشحن بالسواد وصبية مشردون وصقر يحوم فوق الجميع بقسوته ومخالبه الحادة وبطنه المترهل.
- هذا هو العالم الذى يبتكره ويحفره العلاوى ، وعالم متشابك مع مصائرنا وموسوم بعلامات قهرنا ، إنها وجوه مطرزة بأحزان خبرناها ولذا فنحن نعرفها حق المعرفة.
بقلم : رجاء موسى
مجلة : إبداع ( العدد 11) 1-11-1999
النحات محمد العلاوى (1947 ) الفنان يدق ناقوس القيامة
- محمد العلاوي موهبة فذه جديرة بأن تجعل من صاحبها خليفة لجمال السجيني ، المجدد الأول للنحت بمصر في منتصف القرن الماضي ، وبالرغم من أنه أكمل من عمره هذا العام ( 2021 ) - 74 عاماً ، قضى منها قرابة نصف قرن أستاذاً للنحت بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، تخللتها أربع سنوات قضاها في ليننجراد بروسيا لإستكمال دراسته والحصول على درجة الدكتوراه فى الفن المصري القديم ، ثم عاد عام 1987 حيث تخرجت على يديه بعد عودته دفعات متواصلة من النحاتين بنفس كلية الفنون الجميلة بالقاهرة التي تخرج فيها ، وبالرغم من أن أعماله تجاوزت الحدود المصرية إلى شتى أنحاء العالم واتخذت أماكنها في متاحفها ، فإنه لم يحصل حتى الآن على جائزة التفوق التي رشح لها أكثر من مرة في بلده ، فيما هو جدير بنيل جائزة الدولة التقديرية .
- تتملذ العلاوي خمس سنوات متصلة على يد أستاذه جمال السجيني ( 1917 - 1977 ) ، وصار بالنسبة لأستاذه - رغم صغر سنه - صديقاً ومساعداً في أعماله ، ومحاوراً برأي مستقل كان يشجعه عليه ، وأصبح له بمثابة أب روحي ونور يهتدي به ، بالرغم من اعتداده بإستقلاليته الفنية ، في أول مشواره الإبداعي ، جعله يتعمد الإبتعاد عن أسلوب وتأثير أستاذه ، وكان قد حاول محاكاته في سنوات الدراسة الأولى ، وسرعان ما اكتشف أن شخصية السجيني الفنية الطاغية كفيلة بأن تطويه تحت جناحها حتى يصبح نسخة باهته منها ، لكنه بعد اكتمال نضجه وخبراته أعاد التأمل في أعمال أستاذه وشعر بأنه يقف على قاعدة راسخة من الرؤية العقلانية والدرامية ، مشفوعة بالثقة في قدرته على تحقيقها ، فوجد لدى الأستاذ الكثير مما يغذى به موهبته في اتجاهه الإبداعي المستقل ، وأول ما استوعيه منه هو الإيمان برسالة الفنان في مجتمعه ، كصاحب دور يعبر عن روح قومه ، في الوقت الذي يمد بصره بعيداً للتعبير عن الإنسانية جمعاء ، أن يكون كاشف الآفاق عما وراء الواقع ، على أن يظل حالماً ، متمرداً ، مبشراً بالعدل والحرية ، ونذيراً ضد القهر والقيد ، متأملاً لوضع الإنسان في الحياة سلباً وإيجاباً ، فيراه مقهوراً أو قاهراً ، محاصراً أم محلقاً فوق الحصار والطيغان ، ومنه يستوحي روح الوطن الذي يسكن في جوانحه ، فيعبر عن انكساره أو انتصاره ، عن ضعفه أو شموخه ، عن حبسه خلف الجدران الشاهقة للقهر ، أو عن إطلاله من ثغراتها على الفضاء البراح ، أو انعتاقه وتحليقه في سماء الحرية ... بإختصار هو فنان مفكر تأملي النظرة ، ميتافيزيقي النزعة إلى ما وراء الواقع وبعبارة أخرى ، إنه حالة وعي مجسدة بلباس جمالي خاص .
- عبر العلاوي عن كل تلك المعاني بأسلوبه المختلف عن أستاذه ، جامعاً فيه بين قوة البناء وواقعية التشخيص حتى الألتزام بقواعد التشريح للجسد ، وجرأة الأختزال والتجريد .. كل ذلك في نفس العمل ، ليبدو أمامنا بين الصرحية الرمزية لمعمار مكين وشاهق ، بدائي وخشن ، وبين الحس الإنساني والتأمل الصامت ، أو بين صلابة الجدران المحملة برمزية السجن وفظاظته وصلف الأستبداد ، وإرادة المقاومة وتحدي الجدران ، بأسلوب يشبه أساليب التعبيرية الحديثة في أوروبا الشرقية المؤمنة بالإنسان ، لا التعبيرية الألمانية المتلذذة بعذاب الإنسان وعدمية الحياة ، وقد يذكرنا - على نحو ما - بالتعبيرية السياسية الجامحة للنحات الكويتي سامي محمد .
- لكنه يشبه نفسه أكثر ، بشخصيته كإنسان ينأي عن الثرثرة ويؤثر التأمل الصامت والتعبير الصارم صرامة الجدران التي يجسمها ، لهذا يستغني في تماثيله عن كل التفاصيل غير المفيدة وعن اللغة التوضيحية ، لتكون دواله الرمزية هي الإنسان الخام والجدار المستقيم والصخرة الهائلة والطائر الأسطوري ، ويحركها بحساب دقيق معتمداً على المغزى الرمزي لكل عنصر ، لا ليقول ويصرح ، بل ليومي في غموض ، نافراً من الصراحة المجانية ، مطلقاً خيال المشاهد نحو آفق الأساطير اليونانية وصراع الأرباب العابثة فوق جبل الأولمب مع من يتحكمون في مصائرهم ويحكمون بالعذاب الأبدي عليهم ، كما حكم كبير الآلهة زيوس على من خالفوا أمره .
- هكذا ينتقل المشاهد من موقف المتلقي السلبي إلى موقف المفكر المشارك الذي يستكشف الفنان به الرؤية من وراء التمثال ، وحتى لو اختلفت الرؤى من مشاهد إلى آخر عند استقبال الرسالة المعنوية ، فلا تضل القيم الجمالية طريقها إلى وجدان المشاهد ، بل يخطف التمثال انتباهه إلى مكامن المتعة فيه كإبداع جمالي خالص لذاته ، وربما يجد هذا المشاهد نفسه مشدوداً بخيوط سحرية إلى شكل التمثال وهو لا يعرف في البداية من أين يأتي السحر ، وسرعان ما يكتشف أنه يلامس نقطة غائرة في أعماقه لا يستطيع أن يدركها ، فإذا به يرى في التمثال تعبيراً رمزياً عمايخالجه من مشاعر دفينة أيقظها فعل هذا الشخص العادي مجهول الملامح ، المحاصر بضغوط قاهرة ، أو ذلك الشخصي الآخر الذي يقاوم ببسالة مثل هذه الضغوط ، أو يرى نفسه مراقباً بعيون هؤلاء البصاصين من خلف الشقوق والفتحات ، أو أن يزيح بجسده الجدران المطبقة على أنفاسه ، أو يحاول أن يدفع صخرة كالجبل لتسقط منه على السفح ، ليعود ويرفعها من جديد ، وهكذا إلى الأبد ، كما حكم عليه زيوس على سيزيف ! ..
- وفي تمثال شهير للعلاوي يعبر عن انتصار الوطن عام 73 ، مستخدماً دائرة من الجنود يرفعون خوذة أسطورية هائلة الضخامة حتى تبدو كقبة السماء ، وهي تجتذب إلى ملكوتها هؤلاء الفرسان وكأنهم صاروا شهداء بعد أ، حققوا النصر ، أو كأنهم أعمدة المجد لضريح الخالدين !. فضلاً عن أن الخوذة رمز للبطولة والأستشهاد .
- لكن العلاوي في آخر تمثال له بعنوان ` الناقوس ` تخلى عن نزعته التأملية الصامتة حتى ولو كانت تدوي بالتعبير دوياً مكتوماً ، فأراد أن يكسر الصمت الكوني الخاشع أو الخانع ، بأن جعل الإنسان لا يكتفي بالنجاة بنفسه من الحصار ، بل يدق ناقوساً هائلاً ، كأنما يريد أن يوقظ كل النيام في العالم ، ويدعوهم إلى يوم القيامة في الدنيا ، إيذانا بصحوة الوعي قبل أن ينفخ في الصور إيذانا بالقيامة في الآخرة .
- هذه هي الرسالة .. فليس أصدق من الفنان الحق حين يطلق النذير !
بقلم الناقد: عز الدين نجيب
من كتاب ( الفنان المصرى وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية)
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث