أحمد ماهر رائف
ماهر رائف رائد فن الحفر الحديث
- عن حياتنا رحل الفنان الكبير د. أحمد ماهر رائف ( 74 عاما ) مغتربا بعد رحيله إلى ألمانيا ثم الى الولايات المتحدة الأمريكية رحل فى أوائل شهر رمضان ودفن فى مدافن المسلمين وفناننا الراحل الكبير رائد من رواد الفن المصرى المعاصر وتخرج فى كلية الفنون الجميلة 1950 وحصل أيضا على ليسانس الآداب جامعة القاهرة 1954 ودبلوم الطباعة بأكاديمية الفنون بدسلدورف بالمانيا 1961 ودكتوراه فى الفلسفة وتاريخ الفن وعلم الجمال من جامعة كولونيا بألمانيا 1972 وعمل فى ألمانيا لمدة 12 عاما ثم رحل إلى أمريكا ، وقد شغل وظيفة معيد بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ثم مدرسا وأستاذا ورئيس قسم الحفر بفنون الإسكندرية بعد أن أسسه الفنان د. عبد الله جوهر والفنانة د. مريم عبد العليم وتتلمذ على يديه مجموعة من فنانى الحفر فى الإسكندرية منهم د.فاروق شحاته ود.عطية حسين ود.محمود عبد الله والراحل الفنان سعيد العدوى ومجموعة فنانى الإسكندرية فى فن الحفر .
- والفنان د. احمد ماهر رائف عمل وكيلا لكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية واهتم بالتراث والخط العربى فى تشكيلات وإبداعات من خلال فن الجرافيك وحصل على العديد من الجوائز واسهم بدور رائد فى فن الحفر والحركة التشكيلية بالداخل والخارج وفى الحركة المصرية الفنية المعاصرة ، كما فى عالم الفن ومن مؤسسى جماعة الفن المعاصر 1944 مع الفنانين حامد ندا وعبد الهادى الجزار وكمال يوسف ومحمد خليل درس الفن فى إيطاليا وفرنسا وألمانيا وشارك فى المؤتمرات بالداخل والخارج وعرض أعماله وشارك فى العديد من المعارض حيث اسلوبة وتميزه فى فن الحفر بأسلوبا تجريديا متميزا لما اسهم وشارك فى الارتقاء بالفن التشكيلى ،وأستاذ الأجيال متعاقبة ،ومن مؤلفاته (الأسس الجمالية للكتابة العربية لابن فعلة 1975 وقد حقق الفنان جوائز عديدة جائزة عبد العليم 54 وجائزة مختار لاولى فى نفس العام وحصل على وسام ونوط الامتياز من الطبقة الأولى ( 88 ) وجائزة الأوسكار من ألمانيا ( 89 ) وجائزة بينالى الإسكندرية لعدة سنوات وجائزة الشرف من جامعة الإسكندرية ( 91 ) وقد توفى الفقيد العزيز ( 5 سبتمبر 99 ) بعد رحيل زوجته سمية بخمسين يوما ، وكان الفنان د. أحمد ماهر رائف أحد رواد فن الحفر وتاريخ الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة .
- وقد اقتنت العديد من المؤسسات والمتاحف أعمال الفنان الرائد . كما اقتنت مؤسسة أندلسية أعماله وستقوم بطبعها فى كتاب يمثل مراحله الفنية كما أن هناك مجموعة لمحمد رشيد .
فاروق شحاته
أحمد ماهر رائف .. التصوف البصرى .. والتجريدية الحروفية
- هو فنان وفيلسوف وصوفى متأمل.. قضى حياته فى الدرس والبحث والتعبير مجسدا افكاره فى مساحة عميقة جعلت له مكانة كبيرة فى الابداع المصرى المعاصر.. وقد امتدت بدرامية شديدة فى ملحمة طويلة..فقد درس بالفنون الجميلة ودرس الفلسفة بكلية الاداب.. وبدا تشخيصيا وانتقل الى التجريدية الحروفية وانتهي تشخيصيا حيث انجذب لسحر الصورة مرة اخري .. الفنان احمد ماهر رائف احد الرموز الكبار فى فن الحفر الحديث. وقد تنقل فى اماكن عديدة.. ولد بشبرا وقضي طفولته بحي المعادي وانتقل الي الاسكندرية ودرس بألمانيا واستقر به الحال مقيما مع ابنه بالولايات المتحدة الامريكية حتى نهاية رحلته مع الحياة.
النيل والطفولة .
- ولد رائف فى عام 1926ونشأ فى أسرة دينية محبة للفن فكان جده عالما من علماء الازهر الشريف اما والده فكان مدرسا وفنانا تشكيليا زميلا للرواد الكبار : يوسف كامل واحمد صبري وراغب عياد وقد نهل من هذا المنهل مما اثر فى مراحله الفنية ونظرته للفن.
- وفى بداية الطفولة انتقلت الاسرة الى حى المعادى فى جنوب القاهرة علي الضفة الشرقية للنيل والذي تميز بالخضرة الظلية من الاشجار .. وتعود رائف ان يتامل الحقول ويمتلئ بالوان الزهور والنوار ويمتع روحه بمشاهد النيل وصور الصيادين.. ومن هنا كان ينقل تلك المشاهد يملأ بها هوامش كراساته وكتبه بمثابة مذكرات مرسومة.
- وكان رائف واحدا من اعضاء جماعة الفن المعاصر التي اسسها المربي حسين يوسف امين من تلاميذه بالتعليم الثانوي عام 1945 والذين اصبحوا فيما بعد فنانين مرموقين وكان معه : عبد الهادي الجزار وحامد ندا وسمير رافع وابراهيم مسعودة ومحمود خليل وكمال يوسف وسالم عبد الله حبشي.
- وارتكز اعضاؤها في موضوعاتهم علي الخرافات الشعبية حيث استطاعوا ان يتوصلوا الي ما وراء الظواهر الشعبية في الحياة اليومية وانماط السلوك وان يرجعوها الي العقل الباطن الجمعي .
- وهنا اتجه رائف الي التعبيرية في موضوعات خشنة وقاسية باساليب حوشية الطابع وميتافيزيقية القالب والمعني وينتقل الي ايقاع رمزي غلب عليه التلخيص في المشخصات كما في لوحة `السماكين - زيت علي توال -1948 -1949 `ولوحة ` عجلة الميلاد `زيت علي توال -1949` .
- وبعد حصوله علي التوجيهية ` الثانوية العامة ` التحق بكلية الفنون الجميلة وتخرج فيها عام 1950 ....واتسمت اعماله بالواقعية في مشروع التخرج و كان موضوعه ` علي شاطئ النيل ` وقد اختاره لمعايشته الشديدة وتأملاته للنيل منذ طفولته .. كما في لوحة `الصيادين - رسم بالقلم الرصاص - 1950 ` وصور فيها هؤلاء الذين يصنعون ملحمة الامل والعمل من جذب المراكب بالحبال علي المرسي وتبدو هنا شاعرية الاضواء والظلال.
الفلسفة ومرسم الأقصر
- وفي عام 1952 .. بعد عامين من تخرج رائف في الفنون الجميلة التحق بكلية الاداب قسم الفلسفة، كما اوفدته الفنون الجميلة الي بعثة داخلية في مرسم الاقصر هناك حيث ابدع الاجداد تراثا ممتدا هذا مع تأملاته في الفن الشعبي والعمارة التلقائية ومناظر الريف هناك.
- فامتزجت رؤاه بين الكلمة والصورة وتعانق الفكر مع الفن ..
- كما نري في`الكوميديا الإنسانية- 1952 ` التي تختلط فيها الملهاة بالمأساة.
- وتجسد لوحة ` المولعين بالكهوف- تصوير -1953 ` ايقاعا سيرياليا يفيض بعمق التعبير الدرامي الشعبي. أما لوحة ` امراة واناء الصبار- مجموعة الاقصر -1953-الوان باستيل ` والتي صور فيها امراة جالسة في حالة انتظار تحتضن اناء ضخما مزروعا بالصباروسط المقابر ..وقد غلب علي هذه الفترة مساحة من الحس التشاؤمي.
- وينتمي لتلك المجموعة ` بورتريه لسيدة نوبية - فحم علي ورق - 1953 ` وهو يقترب في ألوانه من الاصفر اليانع والاحمر الهندي والأخضر الزيتوني ويبدو عالمه التعبيري معادلا لعالمه الفلسفي والروحي.. لكن بدات النزعة التشاؤمية للفنان رائف تخف بالتدريج وامتزج فيها الفكر الفلسفي بروح النبض الشعبي مع الموروث الفرعوني.
- وقدم لوحات تميزت ببلاغة التصميم الجرافيكي يدخل فيها التصوير الفوتوغرافي والرسم والتلوين والاحماض والشاشات الحريرية.
البعثة إلي ألمانيا
- وفي عام 1956 سافر أحمد ماهر رائف الي المانيا في بعثة دراسية حتي عام 1961 في اكاديميات دوسلدورف وفوبرتال وعاد أستاذا بالفنون الجميلة. وتمثل هذه المرحلة أهمية كبيرة والتي قدم من خلالها العديد من التجارب التي اينعت وابدعت العشرات من النسخ الطباعية بطريقة الليتوجراف من أسطح الحجر والطباعة البارزة من خلال أسطح خشبية ذات مساحات كبيرة.
- ولقد واكبت أعمال رائف منجزات ثورة 1952مستجيبة للتحولات الاجتماعية والتطور الذي شهده الشعب وعبرت في جانب منها عن احلامها وتطلعاتها مثلما نري في لوحة ` التقدم في عهد الثورة - متحف الفن الحديث - 1969 - زيت علي أبلكاش `.
- وايضا لوحة ` العمل في الحقل- زيت علي سيلوتكس.. ولوحة السد العالي التي بدت عبارة عن مجموعة مثلثات ناشئة عن تقاطع خطوط هندسية ودوائر ميكانيكية .
هو والتجريدية الحروفية
- ولا شك أن أعمال الفنان ماهر رائف في مرحلته الحروفية تمثل قيمة كبيرة في الفن المصري المعاصر.. وفي فن الجرافيك علي وجه الخصوص جعلت منه رائدا لهذا الاتجاه الذي جمع بين التجريد والتعبير وبين تداخل الحروف مع المساحات والخطوط وذلك بفكره الفلسفي في الفنون الاسلامية والانتقال بها الي حالة معاصرة تنتمي للحداثة.
- وقد وصل الي التجريد الخالص الذي نري انه نوع من التصوف الفني وجاءت تلك الاعمال بدءا من عام 1967 والتي بدأ يحقق فيها أعماله بحروف لاتينية وعربية وحتي الرموز الفرعونية والكتابات المختلفة.
- وهنا تظهر الخطوط الحروفية دون اللجوء لمدلولها اللفظي فتارة يزاوج بين الحروف والمساحات اللونية وتارة يخفيها في ثنايا التأثيرات والمساحات الملونة وتارة يبرزها ويؤكدها .
- وبدءا من عام 1975 إلي عام 1992 كانت رسالة الدكتوراة التي أعدها الفنان أحمد ماهر رائف بجامعة كولونيا بقسم تاريخ الفن للدراسات الشرقية وحقق العلاقة بين الهندسة والفلسفة عند ابن مقلة وإقليدس.
- ومن هنا جاءت دعوته لإقامة منهجاً يقوم علي استلهام الخطوط العربية والتراث الإسلامي للبحث عن القالب الإنساني في تأمل فلسفي وعلمي متصوف .
- واتخذ لنفسه أسلوباً اتبعه لتطبيق أفكاره ونشر مبادئه بعد أن اعتلي منصب رئاسة القسم بكلية الفنون بالاسكندرية.
- ولكن فناننا احمد رائف عاد من جديد الي سحر الصورة او التصوير التشخيصي في عام 1993وحتي عام 1999 وذلك اثناء اقامته بامريكا فلجأ إلي التصوير من خلال أقلام حبر ملونة ذات أحبار مائية .
- وقد رحل فناننا الكبير ماهر في 5 سبتمبر من عام 1999 في اوائل شهر رمضان .. بعد رحيل زوجته السيدة سمية بخمسين يوما كما يقول الفنان فاروق شحاتة ودفن في مقابر المسلمين هناك.
- والأجمل ان جاءت خلاصة تجربة ماهر رائف العميقة في الابداع تأكيدا علي معني الفن وقد عاد الي سحر الصورة ذات الايقاع التشخيصى وهو الذي يقول: `إن اعتبار الصورة المشخصة أي الصورة المضاهية للشيء المصور أشد دلالة علي المعني من الكلمة المكتوبة فهي تحمل معناها في ذاتها فلا تلجأ إلي ترجمة هذا المعني إلي لغة أخري إذا جاءت لغة هذه الكلمة المكتوبة..الأمر الذي يحدث في لغات البشر جميعاً القديم منها والجديد` .
- سلام علي الفنان احمد ماهر رائف بعمق ما أضاف للإبداع المصري الحديث في فن التصوير وفن الجرافيك`.
بقلم : صلاح بيصار
جريدة القاهرة
الفن الصوفى
- ` التعبير ` إذا خرج عن البدائية والسذاجة والفجاجة والمباشرة ولبس ثوب ` المهارة ` و ` الوعى`. واتسم بالرشاقة والرقة والجاذبية والإثارة والتأثير، تمكن من ` تجسيد ` أفكار الفنان وخياله .. وأصبح فناً سواء كان ` الوسيط ` كلمة .. أولونا أو حركة أو حجراً أو نغمة ..
- إلا أن هذا ليس تعريفاً للفن . ولا يدعى أحد هنا أو فى الخارج أنه قدم ` تعريفاً إجرائياً للفن` أو الجمال .. إنما هى اجتهادات الباحثين .
- كيف آذن تهتدى إلى تقييم لوحات ` الجرافيك ` المثيرة التى أبدعها فنان كبير مثل: ماهر رائف خاصة وهو يتعمد البعد عن الأضواء ؟؟
- لا توجد مواصفات وقواعد يصنع العمل الفنى بناء عليها . أما ما يستخدمه النقاد فى الحكم والتقييم فيستنبط موجزاً من الأعمال التى تم تنفيذها شأنهم فى ذلك العلماء هكذا يصبح تقدير الإبداع التجريدى لفناننا الكبير أمراً شاقاً إذ أن النقاد عادة يستخدمون كلمات مبهمة تفتح الباب للمتفننين والمدعين حتى وصل الأمر بفنانى أوروبا إلى عرض أى شئ وبيعه بشهادة الناقد : فرانسوا مولينار في مجلة ` فنون عربية ` العدد الثالث فما بالنا ببعض الفنانين عندنا الذين وصلت أثمان لوحاتهم - عديمة القيمة - إلى آلاف الجنيهات .. يتهافت عليها ` أغنياء الأنفتاح الأميون ` .. الذين لا يفرقون بين الذهب والنحاس أو الزجاج والماس .
- ربما يساعدنا على تفهم إبداع الفنان ماهر رائف ، بين هذا الطوفان الفنى الذى يغرقنا ، أن نتأمل معاً لوحاته المثيرة ، بعد أن نلم بطرف من حياته الفنية التى قضاها فى الدرس والبحث والتأمل والتعبير عن أفكاره التى تعشق الجمال لذاته .. ويحاول تجسيدها بالرسم وبالتصميمات المطبوعة بالحجر ليتوجراف أو الشاشة الحريرية سلكسكرين أو الحفر.
- ولد فى شبرا 1926 وشب في المعادى مرحاً كالفراش .. يمتع روحه بمشاهد النيل والأشجار والحقول 1936 ويحيا فى أسرة تهوى الفن ربها كان زميلاً لروادنا الكبار يوسف كامل وأحمد صبري وراغب عياد . كلما خلا ماهر الصبى إلى نفسه مساء ملأ هوامش كراساته وكتبه برسوم أحداث النهار كأنه يكتب المذكرات كل ما يعرض له في المدرسة الإبتدائية أو فى الطريق منها وإليها .. كان يسجله رسماً بالقلم الرصاص أو الألوان كثيراً ما نال العقاب الرادع لكنه أبداً لم يرتدع من يومها ، وهو يحاول ` أن يجسد ` أفكاره وخيالاته بالأقلام والألوان حتى وصل الأمر إلى التجريد الخالص الذى ترى أنه ضرب من التصوف الفنى يقدم أفكاراً تعجز عنها ` العناصر التشبيهية ` المستقاة من البيئة والطبيعة .
- لكن هل يمكن حقاً قراءة أفكار الآخرين؟ يؤكد الباحثون فى` الطبيعة المتفوقة ` ` سوبر نيتشر ` هذه الإمكانية ومن المقطوع به أننا نستطيع الإحساس بتلك الأفكار عن طريق تأمل إبداع الفنانين الحقيقيين . وهو ما نعبر عنه جوازاً بمشاهدة ` الأفكار مجسدة ` لأن الفنان الحق هو الذى يمنح أفكاره قالباً وشكلاً فتتجلى للمتلقى المثقف .. الحساس الذكى . بعض لوحات ماهر رائف تبلغ درجة عالية من الإبداع تتطلب ذواقة فى مستواها من رفاهة الحس وثقافة الفكر . لأنه يصور ما يراه بقلبه وفكره . وهو مغاير لما يراه معناً بعينيه كلما تقدم في العمل تكشفت له صعوبة ` تجسيد الأفكار` .. بمعنى ترجمتها إلى أشكال وخطوط وألوان وملامس. فهو فى حالة تجريب مستمر لا يعتقد أنه `قال` ما يريد أن يقول يختلط عليه الأمر أحيانا. لا يحس أنه يقوم بعمل إبداعي .. لأن الإبداع سمة له منذ الطفولة .. شأن التنفس والطعام والشراب هو ` الوسيط ` الذى يعبر به عن نفسه .. كالكلام وينبغى أن يحمل مضموناً على الدوام . لأن الفن بلا ` مضمون ` .. مجرد صنعة .
- للفنان لوحة دعنا نسميها ` مهرجان حرف الألف ` . التصميم محكم مترابط النظام اللونى متناسق الأيقاع سريع متداخل فى جائبية وإثارة . إيقاع كالأبتهالات أو النغمات المتدفقة دون أملال الأقواس في أعلى الأستقامات الرأسية كأنها تيجان الأعمدة فى معبد ما . تذكرنا دائماً بأن الخط الرأسى مستقيم هو الحرف الأول من لفظ الجلالة أجواء صوفية بهيجة أتقن رائف تصميمها بمهارة وأستاذية ودراية واسعة بأسرار الصنعة مدركاً العلاقة الخفية بين حروف الكلمة . لماذا اختار الفنان الأول ` علاقات معينة ` ثم أجمع عليها الناس وفضلوها على غيرها ؟ .. ما يسرى من علاقات جمالية على أنواع الخط العربى ، يسرى على أشكال الحروف والكلمات فى اللغات الأخرى فى مهرجان حرف الألف اكتشف ماهر رائف هذه العلاقات الجمالية السرية ، ومضى يطبقها دون تحميل الحروف اى معنى مقروء . ` قيم جمالية مجردة ` استنبطها من الأعمال الخطية التى تم تنفيذها وأجمع الناس على امتيازها .. حتى هؤلاء الذين لا يعرفون اللغة ، كما حدث في التجارب التى أجراها فناننا في ألمانيا . أدت به هذه التجارب إلى الأعتقاد بأن الحروف الهجائية وعلاقتها فى الكلمات المكتوبة ، أما هى : فكر الإنسان ملخصاً ومجرداً في صورة هدنسية هذا في رأينا مدخل جديد في الأعتماد على حروف الهجائية في التشكيل الجمالي . يختلف عن موقف الفنانين الذين يدونون بعض الكلمات الدينية بشكل تعبيري استدراراً للعواطف الدينية .. ومصادرة لرأي المتلقي والناقد في منتجاتهم غير الفنية . لكن الرأي الذي يضمنه ماهر رائف إبداعه ، جدير بالتقدير ، إذ أننا نعرف أن الفرنسيين خلال الحروب الصليبية نقلوا على بعض مبانيهم أنواعاً من الكتابات العربية ، على أنها زخارف جمالية مجردة لفرط احساسهم بجمال العلاقات الأستطيقية التي تتضمنها .
- سنة 1950 تخرج رائف في مدرسة الفنون الجميلة العليا بالقاهرة .. قسم الحفر وهذه هى الأسماء القديمة للكلية الحالية وقسم الجرافيك حينذاك أدرك فناننا أنه اكتسب صنعة الحفر ومهارته ، بينما افتقد الهدف والمعرفة فالكليات الفنية عندنا حتى يومنا هذا - مجرد معاهد تدريبية عملية لايحصل طلبتها على أى معارف من خلال مناهج برامج معينة . لذلك التحق ماهر بكلية الآداب على الفور قسم الفلسفة بعد عامين 1952 اوفدته ` الفنون الجميلة ` إلى بعثة داخلية فى مرسم الأقصر حيث عاش فى رحاب وادى الملوك وأساطيره .. وجلال وصرحية معابد الكرنك والأقصر .. روائع الصور الجدارية في المدافن ،حيث عاين كيف شاهد الفنان المصرى القديم بفكره ما لم يره بعينيه . وأذكر هنا تلك العبارة ذات المغزى التى قالها الرسام الألماني فولس : أنا اغمض عينى حتى أرى بوضوح أكثر ` .
- فرغ ما هر رائف من بعثة الأقصر وليسانس الفلسفة فى وقت واحد 1954 لاشك فى أن الحالة المعرفية فى المكتبة الفلسفية والفكرية مع الفنون الفرعونية ، كان لهما أبعد الأثر في النكهة التصوفية التي نستشعرها اليوم في ثنايا إبداعه . تتقمصه كما تتقمص الروح الجسد .. فينضح بالحيوية لوحاته ` خواطر وتأملات وفلسفة ` لا يكتبها كالشعراء أو يصورها كالرسامين أنما يخلقها خلقا بعد معاناة طويلة معقدة هي : التصميم المطبوع .. أو الجرافيك يدخل فيه التصوير الفوتوغرافي والرسم .. والتلوين .. والأحماض .. الشاشات الحريرية .. وتنويعات عدة من أساليب الطباعة الفنية فالحقيقة لا تكشف عن نفسها إلا لكل محب شغوف صابر ، وربما تخذله في النهاية ولا تمنحه ما يريد .. الفنان هنا لا يعرف نتيجة إبداعه في صورته الكاملة إلا بعد الإنتهاء من كل العمليات المعقدة التي ذكرناها .. لايوجد أصل تستنسخ منه الصور في فن الجرافيك كل نسخة هي أصل في حد ذاتها من أجل المزيد من التعمق في أسرارالصنعة . والتعرف على أحداث أساليبها رحل رائف إلى ألمانيا ( 1956 / 1961 ) حيث درس فى اكاديميات : ( دوسلدروف ) .. وفوبر تال .. وبرلين . ثم عاد أستاذاً فى كلية الفنون بالأسكندرية التى لم تكن قد تجاوزت بعد العام الرابع من عمرها كان على رأسها النحات الراحل : أحمد عثمان` 1908 /1970` الذى أنشاها وأراد لها أن تكون منارة جديدة للفن المصرى المعاصر .. وحديقة تتفتح فيها كل الزهور دون التعصب لأتجاه فنى بعينه .. وميداناً للثقافة والأبداع معاً فكان لفناننا دوره المرموق وتلاميذه وحواريوه .
- ماهر رائف مبتكر يضرب بجذوره فى جوهر التراث الكلاسيكى المحلى تختلف لوحاته التجريدية عن كل ماعداها بعضها محكم التصميم الرياضي كأنه بلورات الثلج .. ذات النظام الذى تفرضه الطبيعة يحكم تراكيبها الذرية الأساسية . هنا تكمن قوانين الجمال التي تستجيب لها مشاعرنا وأحاسيسنا لأن هذه المشاعر والأحاسيس متعلقة بالأعصاب وبقوانين الطبيعة التي أودعها الله أجسامنا فى إطار نواميس خاصة .. تتسق مع هذا الحيز الذى تعيش فيه نتذوق الجمال ونهفو إليه .. فيما يتجاوب معنا من نظم وطرز، ونعتبر النشاز قبحاً لأنه يتفق مع تلك القوانين الرياضية.
- هذا هو المدخل الذى استطاع فناننا أن يدلف منه إلى عالم التجريد عالم أبعد جذوراً من عالم الروسى : كاندينسكي .. وأوفر إنسانية من عالم السويسرى : بول كلى وأقرب إلى أنفسنا نحن الشرقيين . كما أنه يقدم فكراً جديداً للحركة الثقافية العالمية!!
- لوحة من إبداع رائف .. دعنا نسميها الأغنية ... طالما أنه يضن علينا بالأسماء .. نشعر معها أنه يريد أن يقول لكنه يتردد ويدفن كلمته في حشد من العلاقات الخطية التي تشكل خلفية هامسة من الإيقاعات الرقيقة . خلفية هندسية لا تخلو من رتابة بالنسبة للمتلقي المتعجل فجأة تنطلق الصيحة أو (الكلمة) .. بلون داكن وخطوط سميكة غامضة كلمة لم تقرأ مثلها من قبل . لكنها تعكس على نفس المتلقى شيئاً من التحذير ربما كانت رمزاً .. لكنها أبداً ليست اصطلاحاً متعارفاً على معناه .
- الحرف الهجائى المفرد الذى لا معنى له ، يتضمن في ذاته قيماً جمالية نابعة من النسب الهندسية التي أسلفنا ذكرها وقد قال أحد مشاهير الخطاطين المسلمين - وكانوا جميعاً متصوفين : ( أننى أرى وجه الله . وأنا أكتب حرف الهاء فى كلمة ` هو ` الخطوط السميكة التى صممها رائف فى ` الأغنية ` شديدة الجاذبية والأيحاء حتى ليخيل لنا أننا نستطيع قراءتها وتلقى رسالتها بعد فترة من التأمل والمعايشة . دراسة ماهر للفلسفة فى مطلع مشواره الإبداعى ثم فى` كولونيا` بألمانيا مؤخراً 69/1975 مع ألمامه العريض بالتاريخ العام وتاريخ الفن ، مكنه من النجاح فى وضع الفكرة اللامادية فى قالب مادى هو الألوان والخطوط والملامس .. المنفذة بأساليب الجرافيك بالغة التعقيد .. تحويل اللامرئى إلى مرئى `والخيال` إلى `حقيقة` التجريد عنده ليس `اللامعنى` كما يظن الفنانون الأميون ثقافياً .. بل المعنى والفكر مجسداً مصبوباً فى شكل وقالب وإلا صار زخرفة رخيصة لا صلة لها بالقيم ` الأستطيقية ` التى أنعم الله علينا بالقدرة على تذقها فافترقنا عن الحيوان وباقي الكائنات وأصبحنا سادة الطبيعة . نقول هذا لأن كلمة ` فن تجريدى ` قد ابتذلت تماماً على لوحات الهواة ، تى من خريجي الكليات الفنية . أما لوحات ماهر رائف .. فصياغة لإفكاره الفلسفية الصوفية ومشاعره الرقيقة المرهفة . صياغة بليغة تنطوي على قدر عال من المهارة والقدرة على تطويع الخامات واستثمار معطيات العصر التكونلوجية . تصل ألوانه على الحجر أحياناً إلى ثمانية . غير متهافت على تسويق إبداعه فلا يستنسخ أكثر من صورتين أو ثلاث . يعتبر عملية الإبداع مجرد ` تجربة ` للتعبير عن مفهومه الجمالي . كلما حقق نجاحاً اشتاقت روحه إلى آفاق أكثر رفعة وسموا .. فـ ` بغاث الطير أكثرها فراخاً .. وأم النسر مقلاة نزور` .
- الفارق بين الزخرفة والتجريدى التعبيرى كالفارق بين البلاستيك وزهور الحديقة أو تماثيل الشمع والكائنات الحية التي تدب فيها الحياة . ومن اليسير على المتلقيذي القلب الشريف والفكر المثقف ، أن يتبين صدق التعبير في لوحات ماهر رائف ، عندما يشعر بروح الماضي تطل عليه من ثنايا التصميم .. والإيقاعات الخطية والتوافقات اللونية .. والتراكيب والعلاقات الجمالية الأخرى .. ويحي الجهد الذي عاناه الفنان خلال العمليات التقنية المعقدة .. سعياً لتحقيق تأثيرات معينة في نغمات الخطوط والملامس والألوان .. تأثيرات تغمرنا بالدهشة .. سرعان ما تحتضن عيوننا تستقطب أفكارنا ، وتبعث في جوانحنا شعوراً كنا نفتقده من زمان . شعور الإنتماء والإطمئنان والثقة مع أن لوحات رائف منتجة بطريقة طباعة شأن كل الإبداع الجرافيكي إلا أنه لا يمكن الإستعاضة عنها بصورها المصاحبة لهذه السطور الصحف والمجلات تتصدر مئات الألوف من النسخ في الساعة بطريقة ميكانيكية .. بينما يتدخل فنان ، الجرافيك في كل نسخة على حدة . بل في كل خطوة في كل نسخة كل نسخة كما أسلفنا أصل في حد ذاتها . مهما كانت صور الأعمال التشكيلية بوجه عام دقيقة . فهي تذكرنا بها فقط فإذا كنا لم نشاهد الأصل .. فقدنا الكثير الكثير من متعة التذوق الجمالي .. لا ينبغي لأحد أن يظن أنه يستطيع الإستغناء عن زيارة متحف متحف اللوفر بفرنسا .. أو الارتياج بالإتحاد السوفيتي بأن يتفرج على كتالوجات هذين المتحفين العالميين تحكم خيال ماهر رائف أفكار فلسفية وعلمية هي المحرك الأول لخاماته وأدواته وأسلوبه الإبداعي في التعبير التجريدي ، فهو حين يرسم البحر الأبيض والأسود ، ويتخلى عن اللون الأزرق يترجم ما يراه بعينيه ولا ينقله معتقداً أن الحقيقة شئ باطني مختلف عن المظهر السطحي الذي تصطم به العيون . كيف يرسم الأشجار والناس وباقي الكائنات وهو يعرف أنها ليست سوى أليكترونات وبروتونات وعالم من الحركة والعلاقات ؟؟ الحقيقة لا ترى .. وهي مختلفة تماماً تحت الميكرسكوب الأليكتورني .. وتفقد كل صلة لها بما تراه عيوننا إنه يصور ما يعرفه ليس ما يراه هذا هو الجديد في تجريد رائف .
- كم تذكرنا تلك الأفكار بلوحة أبدعها الرسام والنحات والشاعر الفرنسي هانز أرب المولود 1887 . لوحة تجريدية تشبه في تكوينها خلية هيموجلوبين الحصان في كل من النظام والهندسة والإيقاع والتكوين . صور أحد النقاد الخلية تحت المجهر الأليكتروني وعقد المقارنة .. وأثبت أن الفنان كثيراً ما استلهم الطبيعة الخفية التي لا نراها بعيوننا المجردة .
- ماهر رائف فنان مثقف يزودنا بدليل جديد على أن موقف الفنان والعالم واحد من الحياة كلاهما يعسى إلى معرفة الكون من حولنا . من هنا تكون التجربتان : الفنية والعلمية متشابهتين ... في الهدف مختلفتين في الوسيلة ولعل العبقري الإيطالي : دافنشي ، خير دليل على هذا الإدعاء العالم يكشف عن قوانين الحركة والثبات والتمثيل الغذائي وما إلى ذلك لكي يرفع من شأن الحياة يقوم الفنان بنفس العمل ليكشف عن قوانين الجمال .. مستخدماً الحواس والذهن والشعور والإدراك .. والتصور والخيال والخبرات السابقة وتوقعات المستقبل كل ذلك ينبغي تكييفه منطقياً على سطح اللوحة .
- هذا هو السبيل الذي يسلكه التجريديون الكبار مثل ماهر رائف إنه يكشف عن القيم الروحية في الفن تلك التي كان كاندينسكي أول المتحدثين عنها في مؤلفه الشهير : الجانب الروحي في الفن .
- ماهر رائف فنان خلاق ، لا ينضوي تماماً تحت لواء المدرسة الشكلية .. لإنه يضمن إبداعه تعبيراً إنسانياً يؤكده أحياناً بعناصر رمزية كما نلاحظ في أحدى لوحاته المنفذة بالطباعة على الحجر حيث نتبين عيونا ووجوها .. وربما أشكالاً بشرية تسبح بين سحب من الألوان وخطوط غير منتظمة لكنها تذكرنا بالإيقاع المثير لتصميمات الرقش العربى .
الناقد: د./ مختار العطار
من كتاب رواد الفن وطليعة التنوير - الجزء الثانى
|