حمدى عطية أحمد
إعادة تقديم الصورة الصحفية - معرض للفنان حمدى عطية بقاعة المسار
- معرض `اعادة تقديم الصور الصحفية` للفنان العالمى حمدى عطية افتتح الأحد الماضى بقاعة المسار للفن المعاصر - 157، ش 26 يوليو - الزمالك - الدور الارضى.
- حضر المعرض سفير المجموعة الاوروبية وحرمه والعديد من الجاليات الاجنبية المهتمة بالفن والفنانين التشكيليين من الجيل الرابع والخامس للحركة الفنية المعرض يستمر حتى 11 نوفمبر .
- معرض فن الأخبار المصورة يقدم آخر أعمال الفنان حمدى عطية فى التصوير الزيتى، والمستوحاة من جماليات الصور الاخبارية فى السنوات الأخيرة كل عام يقدم رؤية تجريدية بلغة التصوير الزيتى مستوحاة من صورة صحفية قد تم نشرها عالميا عن حدث ما. وهذا هو المعرض الفردى الأول للفنان حمدى عطية بالقاهرة منذ 1997 وهو الفنان الحائز على الجائزة الكبرى للعمل المشترك بالجناح المصرى فى بينالى فينيسيا عام 1995 بالاشتراك مع فنانين تشكيليين من مصر ويضم 35 لوحة زيتية، ويقول الفنان حمدى عطية : فى العام الماضى، قمت بورشات عمل مع تلاميذ مدارس ثانوية وطلاب جامعيين بمدينة شيكاجو لتحليل الصور الصحفية المطبوعة أو المنشورة على المواقع الالكترونية بهدف تحليلها بصريا والوقوف على مضامينها واهدافها الاعلامية.
- بعدما انتهيت من هذه السلسلة من الورش الغنية بحصيلتها الجمالية والمعرفية بدأت بالعمل فى هذه المجموعة من الأعمال التى تمثل قوام معرضى الخاص والتى تم انجازها خلال العامين الماضيين فى هذه الاعمال، أقوم باعادة انتاج المكونات البصرية فى اللقطة الاخبارية بعد ترجمتها ونقل عناصرها إلى لغة الوسيط التصويرى .يهدف هذا المشروع إلى تقديم قراءة متحيزة للمرجعيات الجمالية التى تشكل لغة التعبير فى الصور الصحفية، وفى نفس الوقت،تميل هذه القراءة إلى نقد الخطاب الوظيفى لهذه الصور، يتزامن انتاج هذه الاعمال مع مشروعات أخرى فى مجالى الفيديو ورسم الخرائط حيث أقوم فيها بتفعيل الوظائف النصية داخل السياق التشكيلى لهذه الأعمال مما دفعنى إلى الاستفادة بالثراء الناتج عن هذه الوظائف بتفعيلها داخل فضاء اللوحة .
- ما زلت مقتنعا بأن تنوع الخامات فى النحت قادر على تحرير الرؤية من السطوة المألوفة للفورم، هذه السطوة لا يعادل الاستمتاع بها إلا الخروج منها أو عليها حسب مقتضيات التجربة ومازلت مقتنعاً أيضاً بأن الحضور الوظيفى لتنوع الخامات فى المنتج الحرفى أو الصناعى لا يعادله من حيث القيمة الا الحضور الميتافيزيقى لهذا التنوع داخل العمل الفنى، فإذا كانت التكنولوجيا اليوم قادرة على تقديم ما يشبه السحر باستغلالها للطاقة الفيزيائية للحوار الناتج عن تنوع الخامات لدرجة أنها اكتشفت أبعادا تبدو غير مادية للمادة كما يحدث مثلا فى مجالات الاتصالات، فان الفن قادر على تقديم السحر نفسه عن طريق استخدامه لمنظوره هو. لا أقصد هنا أن أشير إلى دور المغامرات الفنية فى اكتشاف أبعاد غير مادية فعلا للمادة.
- ولد حمدى عطية فى أسيو ط ، مصر فى عام 1964، درس فى كلية الفنون الجميلة فى القاهرة، وتابع الدراسات المتقدمة فى الرسم والنحت فى الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما.حصل أيضا عطية على شهادة الـ ( MFA ) فى النحت من جامعة بنسلفانيا. ومثل مصر فى بينالى فينيسيا فى عام 1995، وحاز على جائزة أعلى جناح مع أكرم المجدوب، واختير ايضا لبينالى القاهرة فى عام 1997، وبينالى جزر الكنارى فى عام 2006. وقد ظهرت أعماله فى معارض جماعية وخاصة فى القاهرة، نيويورك، فيلادلفيا، ديترويت ، باريس، روما وساو باولو، أوسلو ، وكوبنهاجن، تم تكليفه لعدة أعمال فنية عامة فى مصر، وايطاليا، والولايات المتحدةعطية يعيش حاليا ويعمل بين شيكاغو والقاهرة .
- حصل حمدى عطية على العديد من الجوائز المحلية منها : جائزة تشجيعية فى صالون الشباب الثانى 1990 نحت، وجائزة صالون الشباب الرابع 1992، نحت، وجائزة أولى تصوير الصالون السادس 1994 تصوير، وجائزة النصب التذكارى بمدينة بورسعيد 1999.
- أما الجوائز الدولية،فحصل على جائزة الدولة للابداع بالاكاديمية المصرية للفنون بروما 1994 تصوير، وجائزة بينالى فينيسيا 1995 نحت، وجائزة أحسن جناح `الأسد الذهبى` 1995عمل جماعى .
- وله مقتنيات خاصة لدى الافراد بمصر وايطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، وله مقتنيات رسمية ومتحف الفن المصرى الحديث بالقاهرة .
نجوى العشرى
الاهرام - 18 / 11/ 2010
فى معرض حمدى عطية بقاعة المسار.. اشتعال الحروب وغضب الطبيعة فى ملاحم تجريدية
- تلقى الغربة بظلالها على الفنان المهاجر وهى ظلال كثيفة من الحنين والأشواق ووجع البعاد.. قد تصل أحيانا إلى حد الوحشة والاغتراب.. ولكن مع هذا تمثل حالة شعورية تمتزج بثقافة بصرية جديدة تتأكد بالوعى والتأمل فى صياغاتها غير مسبوقة..قد يخطو من خلالها الفنان من الخصوصية المحلية إلى العالمية . - وهناك العديد من طيور الفن المهاجرة.. ممن غادروا الوطن وحققوا إنجازات تضاف إلى الإبداع المصرى.. بدءاً من الراحلين حامد عبد الله وسمير رافع.. إلى آدم حنين وجورج البهجورى المقيم حاليا بين القاهرة وباريس.. ومدحت شفيق وجمال مليكة وعصام معروف وعبد الرازق عكاشة ووهيب نصار ويوسف ليمود وغيرهم . - ويعد الفنان حمدى عطية المقيم بين مصر وأمريكا من طيورنا المهاجرة وهو يخطو بأعماله نحو العالمية.. وقد جاء معرضه بقاعة المسار بالزمالك `جماليات تجريد الفوتوغرافيا -إعادة عرض` بمثابة إضافة إلى الفن المعاصر تنتمى لفنون ما بعد الحداثة . بين النحت والفيديو - وأعمال عطية تمتد بتجارب عديدة ومتنوعة يستخدم فيها وسائط من الفيديو والخرائط التوضيحية والرسوم والنحت والتصوير . - وهو فى أعماله فى فن الفيديو.. يبحث فى الثقافات العالمية.. وخطاب الغرب الذى مازال محافظا على نبرة التفوق والهيمنة والذى يسيطر على الثقافات الغربية.. وهو ينقلنا أيضاً من ثقافة إلى أخرى.. من مناخ السياسة والإقتصاد إلى المناخ الدينى كما فى الثقافة العربية . - يقول فى حوار له مع زميل دراسته بالفنون الجميلة يوسف ليمود : صحيح أن الفيديو بدأ من حوالى نصف قرن وهو نصف عمر السينما تقريبا.. لكن التواجد الملموس لهذا الفن بدأ يتزايد فى العشرين سنة الأخيرة.. وفى منتصف الستينات.. بدأ الفن التشكيلى يتعامل مع هذا الفيضان السينمائى التليفزيونى وألعاب الفيديو وبرامج المونتاج ومجالات الكمبيوتر وغيرها كمفردات لغوية من أجل استكشاف وترسيخ حساسية جديدة للتعبير الفنى. - وحمدى عطية فنان يرغب فى فهم العالم الحديث..هذا العالم الذى تكتنفه الفرقة وتسيطر عليه بؤر الصراع.. وهو يهدف إلى حلم جديد تتغير فيه صورة الإنسانية الممزقة.. وهو من هنا ومن خلال خبراته فى الميديا يعيد تقديمها من جديد كوسيلة للإشارة والمعرفة.. وهو يتحدث بلغة شاعرية حول الحياة السياسية وقيم الحضارة الآن متمثلاً المواد التى يستخدمها الباحث والصحفى واللغوى وحتى الجغرافى . - ولا شك أن عمله المفاهيمى `خريطة العالم` يمثل نموذجا لما يهفو إليه من تغيير طقس الأشياء.. وإختفاء أماكن وظهور أخرى..بلدان وقارات بل وتغيير خطوط الطول والعرض.. بمعنى آخر الانتقال بالعالم إلى حالة أخرى من خلال خريطة افتراضية متخيلة يتحقق فيها حلم البشرية بمجتمعات آمنة تختفى فيها كل صور العنف وأجهزة الغشم والجهالة من الأجهزة القمعية.. الحرب والكوارث الطبيعية - جاء معرض حمدى عطية بقاعة المسار إضافة لهذا التراكم الإنسانى الذى تبثه أعماله.. وهو هنا يغنى للإنسان فى كل مكان..الإنسان المحقون بالوجع البشرى والمسكون بالدمار والانهيار.. والذى يعيش الخوف والفزع والاضطراب.. من ويلات الحرب وصراعات الحدود والاشتباكات الطائفية.. ليس هذا فقط، بل يعيش أيضا نوعا من الترقب والحذر وخوف آخر من غضب الطبيعة.. وتلك الأحداث الكارثية التى تقع فجأة.. تحول شاعرية الطبيعة وجمال الوجود الإنسانى إلى حطام ودمار.. والنبض الذى يتدفق بالعمل والأمل إلى جثث هامدة. - وأعماله هنا تعد بمثابة وثائق تعبيرية مصورة.. سجل فيها بإحساسه وهج الحرب فى مختلف أنحاء العالم وصور الكوارث التى حدثت بفعل الزلازل والبراكين سجلها نقلا عن صور حقيقية تبثها وكالات الأنباء عبر وسائط من الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية.. وهى صور جاءت من خلال كاميرات ضخمة عملاقة لمحترفين من مصورين صحفيين ومحررين عسكريين يلاحقون الأحداث فى أماكنها.. وقد اختارها من بين مئات الصور . - وإذا كانت الصورة الفوتوغرافية قد استخدمت كوسيط فى فنون ما بعد الحداثة بدءا من فنانى البوب مثلما نرى نحن أندى دارول واستخدامه للصور بالصحف النصفية `التابلويد` مثل صور ماوتسى تونج وإليزابث تايلور ومارلين مونرو وإلفيس برسلى وجمال عبد الناصر..وأيضا ما نراه فى اتجاه آخر من صور الفنانة الإيرانية شيرين نشأت التى تمزج فيها بين نساء وطنها وتلك الكتابات والهمهمات الحروفية التى تنقلها إلى عالم آخر وايحاءات جديدة تخرج على عالمها الواقعى . - فقد استخدم حمدى عطية الصور.. صور الحرب والكوارث كمجرد إشارات فقط وعلامات على احداث دامية مستخدما وسائط أخرى جديدة بعيدا عن عين الكاميرا .. مستخدما الألوان والأحبار والكولاج ومستحدثا عالما آخر من الأطياف موازيا للكاميرا..من الخطوط والمساحات والبقع والانفجارات اللونية مع الحروف أو العبارات النصية التى تصاحب الصورة بمثابة تعليق كما يفعل المصور الصحفى درامية اللون - وربما أراد عطية أن يقول: إذا كان للصورة الضوئية التى تنتمى للميديا الحديثة قدرة نافذة على نقل الحدث بأفاقة الدرامية المؤلمة.. إلا أن الصورة الفنية سحرا آخر.. من خلال تلك الملاحم التى أبدعها وهى ملاحم تجريدية تخفق على السطح التصويرى وقد جسدت زلزال هايتى تلك الدولة الصغيرة على البحر الكاريبى...والذى راح ضحيته 200 ألف فى يناير من عامنا الحالى وأطاح من بين ما أطاح القصر الرئاسى والسجن الرئيسى ومستشفى بالكامل.. كما جسد أحداث غزة وصور الانهيار والدمار واغتيال الإنسان لأخيه الإنسان فى وقت انعدمت فيه الإنسانية وانتقل فى أعماله ذات الجمال التجريدى الذى يموج بالأشلاء والانهيار والتصدع إلى باكستان..حيث تنهار كل قيم الحب والإخاء وحتى وصلات الدم . - وقد جاءت أيقونة المعرض تلك اللوحة..التى تسبح فيها حشود من المظلات فى سماء زرقاء داكنة.. مع طائرة مروحية.. سماء مسكونة بالأبخرة الحمراء مع ثنائية من الأزرق والأسود الفاحم . - وحمدى عطية يمزج فى لوحاته بين الانفجارات اللونية التى تجسد الأبخرة والأدخنة وألسنة اللهب وبين تلك الخطوط الرفيعة التى تختزل الأبنية المعمارية فى سطوح تأكيدا على عمق الهشاشة وفداحة الانهيار . - ووسط الدمار والاحتراق والخراب.. نطالع فى بعض الأعمال ثمة حياة وبعض بشر يتحركون على مسرح المأساة.. وكأنه يريد أن يقول: سوف تستمر الحياة رغم كل شئ.. وتمتد الأعمال من المشاهد البانورامية التى تحفل بدنيا من العناصر..إلى نقطة مركزية وحيوية من مشهد كما يفعل المصور الصحفى. - وألوان حمدى عطية يغلب عليها الأحمر الوردى والنارى والكريم والرمادى والأسود.. والبيج والبنيات مع تلك الألوان التى توحى بالطابع العسكرى مثل الزيتى والأخضر الداكن والزيتونى مع الكحلى . - وهو حين يصور الانفجارات فى لحظات الحرب أو الكوارث تخف كثافة الألوان إشارة إلى انبعاث الغازات والنيران والأدخنة وحين يصور الأشياء بعد هدوء العاصفة يجسد المشهد فى كثافة لونية ثقيلة تعكس لرسوخ الدمار والخراب. - وإذا كان الفنان قد جسد مناظر للمدن المنهارة وانفجارات البترول وبقايا حطام الزلازل.. إلا أنه قد بلغ ذروة كبيرة فى التصوير يضاف إلى هذا العالم الساحر المؤلم .. من خلال تلك الصور الشخصية التى تجسد وجوها مبهمة غائمة بلا تفاصيل.. ولكن تحمل من الألم ودرامية المأساة ما يجعلها وثائق إدانة للبشرية وهى وجوه بعمائم خضراء وصفراء.. وأحيانا بقبعات أو عارية الرأس.. وأخرى من الظهر وكلها تمثل ما حدث وشاهد إثبات. - وفى النهاية.. لقد أراد حمدى عطية أن يبعث برسالة إلى الإنسان فى كل مكان ..فى صورة شفرات تصويرية تدعو إلى الكف عن الحرب وأن يعيش العالم فى سلام.. حتى تكون الطبيعة أكثر رفقا بنا وأكثر خجلا منا.
صلاح بيصار
2010/11/ 2 - القاهرة
..تجريد الزمن
* كيف يمكن للكوارث أن تكون جميلة ؟
- يحاور هذا السؤال / التساؤل شبه ( العبثى ) معرض الفنان حمدى عطية المقام حاليا بقاعة (( مسار )) بالزمالك .
- حمدى عطية يقيم بين مصر وأمريكا ويعتبر من فنانى الجيل الخامس ( ولد بأسيوط عام 1964)، من المصريين الذين حظوا بشهرة عالمية لكون لغته التشكيلية تخاطب المتلقى `العالمى` إن جاز التعبير ربما كان مصدر موضوعه محليا ولكن خطوطه وألوانه تحمل من الرؤى والمعانى ما يكسبها إنسانية عامة. فهو ينطلق من مشهد واقعى ليعطيه بعدا فنيا يبث فيه شمولية تتعدى الحدود الجغرافية والزمنية .
- نعود إلى السؤال الأهم من أجل إدراك ما يقصد به حمدى عطية عبر تفتيشه عن جماليات المشهد الكارثى! إنه ينطلق من صورة صحفية، ربما جمعت المشهد الكلى للكارثة - الطبيعية أو تلك التى حدثت بفعل الإنسان - أو ما تبقى منها من غبار ودمار، أو أيضا من صورة تعبر عن جزء محدد دقيق لآثار فيضان أو عدوان عسكرى. وبينما كانت الصورة الكلية تسرد حكاية وتمدنا بالمعلومات، فإن الصورة الجزئية،التى قامت بتفكيك المشهد العام لتصبح ذاتية تماما من خلال وجهه نظر وموقف المصور الفوتوغرافى، فهى تتحول عبر زاوية واتساع عين مبدعها وكذلك عدسة الآلة إلى ما يقرب إلى اللوحة الفنية، مادتها واقعية بحتة، قام المصور `بانتشالها` من الركام. هكذا ينطلق الفنان حمدى عطية من الصورة الصحفية الثابتة ليعيد صياغة تلك الصورة الكارثية العامة أو المنتقاة الملخصة، بعد أن يكون قد نفض عنها الموقع الجغرافى والزمن التاريخى والمرجعية الإجتماعية بشكل إرادى، معتمدا على محو الدلالات المباشرة الشارحة. عن هذه اللوحة الفنية، يقول وليد عبد الخالق، صاحب قاعة `مسار `، مشيرا إلى اختيار المصور الصحفى للمادة فى مرحلة أولى ثم ابتكار الفنان التشكيلى فى مرحلة تالية، يقول: `إنها نتاج تجريد الزمن من كل ما يمكن أن يكون تفسيرا مباشرا لأى مفهوم كان، فلوحات حمدى عطية تبحث فى الأساس عن جماليات صرفة وإن تضمنت على نحو مضمر معرفة ذهنية ونوازع شعورية مستترة `.
- يقول حمدى عطية على استحياء (نقول على استحياء حتى لا يصدمنا بأفكاره) ` تترك بقع الزيت التى خلفتها باخرة على سطح مياه المحيط ألوانا لا مثيل لها، فهى فى الصباح مع انعكاس أشعة الشمس الساطعة تكون وضاءة لامعة، تأخذ فى الخفوت مع الغروب لتكتسب حجم ولون المأساة التى فجرتها ` .
-هكذا يستند الفنان حمدى عطية إلى هذه الصورة التراجيدية الجميلة ليحولها إلى فن مطلق يعنى بالشكل أساسا فيذكرنا بالشاعر الفرنسى شارل بودلير الذى نظم الأبيات عن جيفة حيوان ملقى فى العراء وفى لوحة أخرى، ولنكن فى جنين بفلسطين أو الدويقة بالقاهرة أو أبراج نيويورك، نرى بيتا أعاد عطية بناءه من الأطلال، وليحيلنا إلى طبقات ميشيل فوكو، فهو يقوم بتلوين كل طابق بلون مختلف وكأنه يريد أن ينبهنا إلى كل ما تحمله البناية من تعاقب للأجيال وذكريات لقاطنيه. فمثل الحفرية اللغوية، نجده يقدم لنا حفرية فنية تجيش بنفس المعانى المنطوقة أو المكتوبة. إن هذا التحرر من `الأصل` أتاح لحمدى عطية إعادة رسم خريطة للعالم فى لوحة هى من أشهر لوحاته وسمح له أيضا أن `يلعب` بصورة الفيديو فاضحا أعمال الترجمة المصاحبة للصورة، الخادعة أو الكاذبة أحيانا، المتواطئة فى أحيان أخرى، والمدلسة فى أغلب الأحيان .
- وعن ممولى المشروعات الفنية الضخمة، فلحمدى عطية رأى مناهض تماما لنواياهم ونزعاتهم التجارية. فقد خلقوا وتحكموا فى سوق ترتفع وتنخفض فيها الأسعار بسبب أهواء شخصية لا تمت للفن بصلة. ويتحسر على كل الفنانين الكبار الذين عاصروا بابلو بيكاسو ولم يحصلوا على كل هذا القدر من التقدير هذه العملية التجارية التى تشبه الأسهم فى البورصة، قد أربكت تماما كل المقاييس الفنية، فلم يعد الناقد أو المثمن قادرا على التقييم الصحيح. إذ أصبحت هناك `موضات`، إن التزم بها الفنان، ربما `وصل` إلى أعلى مراتب الشهرة. من هنا نفهم لماذا نقل حمدى عطية لوجو أو شعار الممول من على صفحات الكتيب المصاحب لأى معرض ليضعه بوضوح على اللوحة نفسها .
- نقل الجملة النمطية التى تبدو فى الظاهر بريئة مع أنها تحمل كل معانى الخبث والدهاء: `قام بتمويل المعرض ودفع مصروفات تجهيزه..الخ ..` يريد أن يقول من جراء ذلك إن الفن أصبح سلعة تم تفريغها من أى مضمون ومن أى قيمة فنية حقيقية. فللمال سيادة وسطوة على العمل الفنى يمكن اعتباره رقيبا على مسار وصيرورة الفن بشكل عام .
منحة البطراوى
2010/10/ 30 - مجلة البيت
حمدى عطية يفرج عن تجريدياته بعد خمسة عشر عاما
- بعد مرور خمسة عشر عاما قرر الفنان حمدى عطية الإفراج عن عدد من لوحاته التجريدية التى لم تعرض من قبل بمعرضه الحالى` لوحات على ورق` بجاليرى المسار الزمالك، رغم أنه فى الفترة الأخيرة وبعد سفره لأمريكا قد اتجه لفنون الفيديو آرت التى يراها من الناحية الفنية تتعامل مع كل الأشكال البصرية كالسينما والتليفزيون وألعاب الفيديو وبرامج المونتاج ومجالات الكمبيوتر وغيرها كمفردات لغوية من أجل استكشاف وترسيخ حساسية جديدة للتعبير الفنى، خاصة أن الصورة المتحركة أصبحت واحدة من العناصر المحتملة للتشكيل المجسم أو الأعمال ثلاثية الأبعاد، وهو اللغة الأساسية لعطية خريج قسم النحت بكلية الفنون الجميلة التى اتسقت ولغة الفيديو آرت.
- الأعمال التجريدية تكون بحاجة للتعرف إلى الخلفية الفكرية والثقافية للفنان، لأن الأعمال التى يقدمها عطية هى أعمال تجريدية فلابد من فهم والاقتراب من عالمه الفكرى الذى شكل مفردات لغته التجريدية القادرة على إغوائه بالبحث فى الإنسان وأدواته شديدة القرب منه.
- فى لوحات عطية المعروضة يقدم الحالة الأولية للتعبير التشكيلى ما بين اللعب باحتراف فى قوانين التكوين الفنى عبر عناصره الأساسية وهى اللون والمساحة والخط، فاللون لدى عطية كان البطل الخفى بلوحاته رغم اختياره لباليتة لونية تبدو باهتة لاعتمادها بالأساس على الدرجات الرمادية، والدرجات الرمادية هنا هى الناتجة عن اختلاط الألوان المختلفة من أصفر وأحمر وأزرق وأخضر مع الدرجات الرمادية وذلك بهدف إطفاء نور اللون الأصلى وتحجيم طاقته اللونية وشحنته التعبيرية، هنا تكمن بطولة العنصر اللونى الذى يظهر باقى عناصر العمل الخطية والمساحات دون اللجوء للإبهار اللونى .
-عطية استخدم الخط بحساب شديد باعتبار أنه المرشد الخفى للحركة الداخلية بالعمل، لذلك كان يخط عطية خطوطه بلون قوى مؤثر وواضح..عطية استطاع فى أعماله أن يسجل مرحلة مهمة فى رؤيته الفنية اعتمدت على التجريد لتصل الأفكار بسلاسة أكثر ووضوح، يعيش حاليا الفنان ما بين نيويورك والقاهرة وعرضت أعماله فى معارض جماعية وخاصة فى القاهرة، نيويورك، فيلادلفيا، ديترويت باريس، روما وساو باولو، أوسلو، وكوبنهاجن. تم تكليفه لتنفيذ عدة أعمال فنية عامة فى مصر ، وإيطاليا، والولايات المتحدة.
تغريد الصبان
روزاليوسف - 28/ 4/ 2013
من عين `هدهد` سُليمان إلى عين `الكاميرا` سعياً لتوثيق الحقيقة
- لن تنهار ذاكرة المكان كما فى إنشطار بيت `جباليا`
- `حمدى عطية` لم يقدم ما يناظر عمل `أولدنبورج` بل قدم جدلية بصرية
- فى العرض الإستعادى الحالى الكبير والمهم لأعمال المبدع `حمدى عطية` المقيم فى أمريكا وبعنوان `نظرة أخرى` قدم لوحات تجريدية لمشاهد من ضرب بيوت مخيم `جباليا` بغزه ولوحات لطائر `هدهد` سليمان وبورتريهات وتكوينات نحتية بالفخار والمعدن أنجزها فى الفترة [1994حتى2021] وذلك بجاليرى المسار بالزمالك.. وبدا عرضه الإستعادى لثلاثين عاماً كسلسلة من حالات ذاتية صوفية الملامح تصور التغيرات خارجة وداخلة عميقاً منذ أعمال التسعينات فى إرتباط ومفاهيمة الفنية مع مرور كل وقت.. تألق فى العرض لوحات `الهدهد` وقد إستشعرتها وكأنه جعل لكل من طيوره ما يشبه `باركود` إعتمده بمفاهيمية الكلمات الملحقة باللوحة.. وهذا ليس بجديد على عمق لوحات `حمدى عطية` ففى كثير من أعمال العرض من لوحات التجريد الكولاجية وبورتريهاته بدى أيضاً هناك `باركود` شخصى كامن يتشكل أسفل السطح.. وكأن تراكمات السطح التصويرى مخزن مُشفر يبلغ حد إعتصار اللون ليتحول إلى مجرد علامة.. وكذلك بتلك الكلمات اللا مقرؤة فى الأوراق الملصقة المنفذه بتقنية الكولاج والتى بها أمكن لجميع عناصر اللوحة أن تبدأ في التحدث مع بعضها البعض حيث يمكن للرسم واللون التحدث إلى الكتابة والعودة مرة أخرى إلى مكانهما كعنصرين مجردين داخل لوحات مليئة بالمسرحة السيميائية.. وأعتقد إلى درجة ما أن`عطية`يبحث عن جسر من المرئي إلى غير المرئي عبوراً بواقع مختمر لديه.. بما يثير كثير من التساؤلات كنت أتمنى لها رمزية من الإجابات بوجود الفنان بصحبة معرضه ولا أقصد بها إجابات شارحة لأن لوحاته تمكن بنفسها للمشاهد طرق عده للرؤية الحرة.
- فى هذا العرض الهام إستوقفتنى لوحة أعتقد أنها لوحة المعرض الأهم معالجة وفكراً.. لمشهد منتهى لقصف جوى لأحد بيوت مخيم`جباليا` الفلسطينية عدواناً من مجرمي الحرب الصهاينة.. واللوحة من إلهام صورة فوتوغرافية نشرت فى الصحف عام 2008 تمثلاً لتلك الآثار الناجمة عن الحروب.. وفى خطوة تالية تناظرت لدي الفنان تلك الصورة وعمل نحتى أنتج عام 1981 لفنان البوب آرت السويدى `أولدونبرج`.. ليطرح به `عطية` فكرة أعمق عن تعارض المفاهيم بين إنشطارين.. أحدهما إنشطار نحتى مادى جمالى منتظم ومناظرته مع الإنشطار العضوى الفوضوي للمكان وكيف عالجه `عطية` فى لوحته عام 2010 ليدفع بالشكل المكسورإنشطاراً إلى وقفة رؤية بأفق إنسانى للمكان الحي.. ولأجد فى لوحة `جباليا` ليس فقط ذاكرة بصرية للمكان وأصوات تهشمه بل كشئ يضرب الضمير بعمق.. ليحقق بهذا الإنشطار لسطح البيت مشهد نفسي قوى جداً.. فالأشياء المكسورة قوية وتتأكد قوتها بما لها دائمًا من قصة؟.. وقد تعامل`حمدى عطية` لإنجاز لوحته عن صورة حرب فوتوغرافية كعملية ذهنية إبداعية ذات اتجاهين.. فبإختيار صورة من الواقع ثم إحداث تقابل بصرى حولها مع منتج فنى.. قام بذلك بإنشاء معادل نفسى وذهنى عن صورة بصرية ليبدو تمثله في صنع اللوحة ينطوي على حوار داخلى مجرد فى تلقى رؤية الواقع بين فنان ومصور فوتوغرافى لم يلتقيا إلا على هذا المشهد المشترك.
شطرى `الزر` و`البيت`.
- مشهد الإنشطار فى صورة عن واقع `فلسطينى` مُدمر درامياً.. ليستفز إنجازعمل فنى تصويرى لـ`مصرى` كموقف تجاه قضية.. ثم ليُطرح فى مقابلة ذهنية مع عمل فنى ثالث لنحات `سويدى` كعمل جمالى بحت.. هذه العلاقة الثلاثية لمشهد متشابه بصرياً له أبعاد مختلفة تماماً.. بين القصف للإبادة والرسم كموقف لقضية بينما `الزر` النحتى لـ`أولدنبورج` المُقام فى ساحة جامعة `بنسلفانيا` هو تصميم جمالى ضخم قال عنه المثال فى مقابلة صحفية أنه `تمثل به رمزياً نهر `شيلكيل` الذى قسم المدينة لأربعة مناطق`.. وخيالياً يُقال أن`الزر` موضوع بالقرب من تمثال `بنجامين فرانكلين`وانه انخلع تخيلاً من سترته وتدحرج بعيدا منقسما الى شطرين.
- علاقة هذه المنحوتة `الزر` بلوحة الفنان `عطية` لبيت مخيم جباليا هى ما ألحقه الفنان كتابة باللغة الإنجليزية داخل قائلاً: `هل يمكن رؤية اللوحة كقراءة فضفاضة سخية للزر المنقسم لأولدنبورج؟`.. ليبدو لنا كمشاهد بعد قراءة كلمة الفنان وأن مشهد المقاربة بين العملين أعمق وأقسى داخلياً ونفسياً ولم يلتقيا إلا فى تشابه بصرى لوضعية الإنشطار.. ليبدو بالتأكيد أن ليس كل إنشطار موجع.. فالمنحوتة الضخمة المنشطرة بدت كمنظر طبيعى سيريالى فى المكان بينما قدم `عطية` فى لوحته ما صاحب الإنشطار من قهر روحى وجسدى فكانت اللوحة نفسها هى المنظر الطبيعى الكامل لواقع تكسير العظام.. هذه الثنائية فى الرؤية بين عمل نحتى لأصغر عنصر تزيينى فى الملابس وبين عمل تصويرى لدمار حقيقى وحشي لحياة بشر جعل كلمات الفنان الملحقة باللوحة صادمة أكثر منها تفسيرية.. يجمعهما فقط شكل الإنشطار ليتقابل بصرياً الرمزى والواقعى.. فما نراه فى مشهد الأول فانتازيا نراه فى داخل الآخر موت مادى ونفسى ولا يلتقيان ويضيع بينهما منطق الوجود ومنطق القصة.. رغم وجود رابطة بصرية لأفكار منفصلة فلا يعملا معًا.. ورغم أن لكل عمل منهما تقابل فى المشهد التضاريسى الخارجى إلا أن كلا منهما يتجه فى إتجاه مختلف دون نقاط التقاء نفسى.. فمشهد إنشطار المكان هو محو انسانى ومحو لذاكرة المكان الآمن وسرقته.
- نظرية القنبلة لـ`هتشكوك`
- للأسف كنا نظن أن هناك جداراً صلبا كالأرض يفصل بين الحضارة والهمجية ليتضح أنه مجرد لوح زجاج قابل لحظياً للتهشيم.. وبالتالى تدربت عيوننا على التفكك والإنهيار وتدربنا على ذعر من النوع العابر اللامُجدى.. وذلك لوجودنا فوق مقاعد المتفرجين وقناعاتنا النفسية بـ`نظرية القنبلة` التى ذكرها `ألفريد هتشكوك` فى احد لقاءاته الصحفية بإفتراض أن هناك قنبلة تحت هذه الطاولة وفجأة `بوووو` يحدث إنفجار.. وكنا قبل هذه المفاجأة نرى مشهد عادى تماما مع علمنا كمتفرجين بوجود القنبلة بل ونعرف مكانها تحديداً ولكن كان لا بد من بعض الذعر رغم تشاركنا فى هذه المعرفة مع المخرج.. وما ركز عليه `هيتشكوك` هو أنه يجب إعلام الجمهور بوجود القنبلة.. هذا ما أراده `هيتشكوك` فى أفلامه.. أما فى الواقع فجميعنا نحن العرب نعلم بوجود القنبلة بل ونعلم بمكانها وبأنها أمريكية الصنع صهيونية الأداء للفتك بالجسد والتاريخ الفلسطينى.. لكننا ندعى التغافل حتى يحدث الإنفجار ونعتبره عمل تشويقى كأفلام `هيتشكوك` وقد إختلط علينا الواقع بالخيال.. تماماً كما هناك تضارب بين منحوتة `أولدنبورج` ولوحة `عطية`.. ولولا وجود مصورين صحفيين وفنانين مبدعين لمرت الأمور بصمت من تحت طاولة `هتشكوك`.. رغم إنخراطنا كمتفرجين بشكل أو بآخر فى الحبكة والأداء ونستمر بعد إنتهاء العرض نحكى لأنفسنا حكاية القنبلة التى فاجأتنا وندعى أننا لم نعلم بها لأننا نحن العرب أبرياء.. أعتقد أن عمل الفنان المبدع `حمدى عطية` التصويرى المستلهم من صورة فوتوغرافية لمصور حربى هو إخبار لنا ومعادلاً لصوت الإنفجار بالقنبلة التى تحت الطاولة.. لكنا نظل كمراقبى لعبة الشطرنج التى تُشكل العالم حولنا حاليا ولا يُسمح لنا إلا بمشاهدة اللعب فقط دون أن نتعلم قواعد اللعبة.. بينما الصهاينة سارقي الأرض والتاريخ تعلموا جيداً من النازيين لتكشف لنا وحشيتهم أنهم أشد نازية.. نازية ذوي اللحى والضفائر والقبعات السوداء.. غير أنه فى مقابل كل هذا التوحش اللاآدمى فإن الفلسطينيين ناجون وباقون وبلا هوادة.
- رؤى جديدة للمألوف
- إهتم `حمدى عطية` بعرض جدلية مفاهيمية بتقنية معاصرة.. فحول اللوحة الى وجهة نظر مع مرونة التعامل والصورة الفوتوغرافية كوسيط فى فنون ما بعد الحداثة.. و`عطية` أجاد إلحاق أكثر من دلالة حدسية ولغوية مع إعادته البناء المفاهيمى للصورة الفوتوغرافية كمنظور تطلبت من هذا الفنان الواعى تحديد المعنى الذي يحصل عليه من عالمه لدرجة أن تصبح لوحته أكثر واقعية من الواقع.. ولتكون هى نفسها سر يطرحه كتساؤل عن سر آخر.. ليعطى `عطية` برؤيته مجال لطرح التساؤلات وليس لإيجاد إجابات.. وهكذا تعمل كثير من لوحات `حمدى عطية` خاصة بورتريهاته فى تجريدها الشديد كأنه أراد أن يبلغ بها تجريداً حتى لحاء العقل.. وفى لوحات أخرى عمل على تأكيد جسدية اللوحة وتراكماتها ليكشف عن إحساس موغل اسفل السطح التصويرى.. لنكون كمشاهدين داخل العمل وخارجه لإدراك ما يحدث.. وبينما نرى الصورة الفوتوغرافية للحرب وهى صور لا تتكرر مرتين لأن كل شئ يختفى بمجرد حدوثه إلا أنه تظل لوحة التصوير هى الباقية فى خزانة التاريخ.. وأيضاً لوحاته هذه هى تحفيز ذهنى لا يتمثل فى نقل مشهد بل ليدفعنا كمشاهدين لرؤية الواقع بعيون جديدة.. ففى إنشطار بيت `مخيم جباليا` رأيناه فى الصحف كومة أحجار كآثار حرب بينما أمام اللوحة تتوقف عن كونها كومة أحجار حين نتأملها نجدها كومة من دموع تحجرت وكأننا نراها لأول مرة.. لذلك أمام لوحات `عطية` دائماً ما أجد شيئا روحيا وأفكار تمت إعادة ترتيبها بشكل مبدع وأعتقد أن فنه يعمل على توقيف الإنتباه وسط التشتت.. وأمام لوحة `جباليا` أتذكر أن قرأت حكاية كانت تحُكى عن ` رجل فى الصين كان يجمع الحجارة بلا توقف ويذرف دموعًا غزيرة.. وعندما تتساقط الدموع على الأرض تتحول الدموع إلى حجارة فيجمعها مرة أخرى`.. وهذا ما إستشعرته بين أحجار صورة الفوتوغرافى وأحجار لوحة الفنان.. وقد إتسقا تماثلا لدورة وحشية للوجود.
- الهدهد والسعى وراء الحقيقة
- بعد مرحلة لوحات الحرب عن صور مأخوذة لمصوري حرب صحفيين أخذ `حمدى عطية` فى تعاطي فكرى منه سعياً وراء الحقيقة.. فبدى شغفه بالبحث فيما وراء التقابل بين عين الآلة `الكاميرا` وعين عقل `الهدهد` فى رصد الواقع ومعه قضى `عطية` سنوات بحثاً فكرياً بمسحة صوفية ليقدم عدد من اللوحات عرضها فى القاهرة عام 2018 فى جاليرى المسار عن المراسل `الهدهد` رسول النبى سليمان وكأنه مراسله الصحفى.. وتلى معرض الهدهد المعرض الذى تعرضنا اليه فى لوحة `مخيم جباليا` 2010.. وجاء معرضيه `هكذا تكلم الهدهد` و`منطق الطير` من منظور معاصر لرؤية هدهد اليوم كمتقصى لواقعنا جامعاً في بعضه على مفردات لقضايا عصرنا كإكتساح السمة الاستهلاكية على حياتنا برمزية مفردات بصرية إختزنها الهدهد فى جوفه لأجهزة تكنولوجية من موبايلات وغيرها وكأنه فى طيرانه كان يلتقطها راصدا ومراقباً لنا.. ففي هذه الصور لطيوره صغيرة الحجم رسمها بحجم ضخم شغل فضاء اللوحة.. هذا اللعب على الحجم يبدو كسرد معلوماتى تفصيلى لما يحويه الهدهد وتوضيحا لطيفا لهيكل الطائر المزدحم جوفه بعناصر إلكترونية لن يستخدمها.. لتبدو المفارقة فى الإختلاط بين الجسد العضوي والألكترونية والكهربائية والرقمية لتعطى إحساس بأن `هدهد` الألفية الثالثة سابح فى فضاء رقمى.. وبعرض الفنان للواقعية الجمالية في مواجهة الهجمة المعاصرة الرقمية حقق لوحات أكبر وأشد وقعاً دون خطابية أو لي لذراع اللوحة.. بل بدت ببلاغة كتفتيت بصرى لحياتنا الحديثة.. وقد قدم `عطية` هذا الرؤية المعاصرة لتتداخل لدينا وجدانياً مع ما تركه `الهدهد` فى ذاكرتنا بما له تاريخ رائع بأكثر من عمق ما بين مزيج من الأسطورة والقَصَص الديني والتراث الصوفى والحكي الشعبي حتى إحتوت لوحاته على نصوص بالإنجليزية مأخوذة من معاني سورة `النمل` كتعليق على تاريخ حكمته وذكاؤه المذكور فى القرآن الكريم.. والذى وجدناه هو الفاهم للغة البشر والجدير بالثقة فى نقل ما رأى من أخبار وهو ذى العين المدربة والمدرك لدلالات الحركة والعالم بمعلومات أجاد الحكم عليها مما شاهد وسمع وتحرى ودقق كما أنه يعى خرائط الأمكنة رغم المسافات الشاسعة.. فهو عرف أن القرية إسمها سبأ وان إمرأة تحكمها وحين وجد حاشية ملكة سبأ يسجدون كان لديه وعى بأن هذا السجود للشمس أى يسجدون لغير الله ولديه علم بأن هذا يُعد من الكفر.. ونحن لم ندرك هذا إلا من حوار الهدهد مع النبى سُليمان الذى ذكر فى القرآن الكريم.
- وكان قد قدم الفنان `حمدى عطية` لمعرض طيوره بكلمات قائلاً: `هذه الطيور العنيدة خاضت قديما أعباء السفر الطويل بدون طعام أو شراب خلال قيامها بمهام التبليغ والدعوة السليمانية في بلاد بعيدة ثم الرجوع اليه بأخبار وأسرار هذه البلاد.. لذلك حين كتب الشاعر الصوفي `فريد الدين العطار` عن الهدهد في كتابه الأشهر`منطق الطير` وصفه بأنه مبعوث الملوك وملك التجليات والكشوف`.. وأضاف الفنان `عطية`: `الهدهد مشروع فني أطمح فيه إلى إستكشاف سحر تلك العين الأسطورية الثاقبة اللاذعة لطائر يبدو كمتجول إستقصائي محترف.. أما البناء الفني نفسه فى اللوحات فيأخذ عن المنمنمات القديمة تزاوج النص البصري مع النص المكتوب وفي الوقت نفسه يخلق فجوة دلالية بين النصين تسمح بنمو التأويلات لدى المتلقى`.
- وفى لوحات أراها أقرب للحالة الصوفية من الطوطمية التى يقدمها `عطية` بتلك الروح الثاقبة الإستقصائية الجامعة بالكتابة بين النص المكتوب كالمنمنمات- كما ذكر - وأيضاً النص المكتوب للكلمة فى اللوحات المفاهيمية المعاصرة.. ومن الكلمات المرفقة داخل لوحات الهدهد من دلالات رحلة هدهد سليمان عليه السلام خصيصاً مثل: `احطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين.. و`انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم`.. و`علمت أشياء ليس لديك علم بها`.. وأعتقد أن الفنان المثقف الذي يريد أن يربط الكلمات بالصورة بمعناها الدقيق يستخدمها كأدوات لا حصر لها للتفكير الواضح بما يمنع الكلمات من التبلور إلى جوامد كاملة.. بل بجمع بها الصفات ليسمح للبيئة الجديدة للكلمة بالدخول ليس فقط إلى فكر المشاهد ولكن أيضًا إلي فكر اللوحة.. فكانت بالفعل الكلمات جزء بصرى فاعل من مشهد الهدهد وتاريخه الوجدانى لدينا أكثر منه من المرئى.. والسبب إننا بحكم قوانين الفيزياء الكمية نجد أن كل ما تنظره عيوننا أو تسمعه آذاننا إنما يتم بأثر رجعي لأن الأشياء تتغير في اللحظة التي نشرع في ملاحظتها بمعنى أن الأجزاء من الثانية التي تستغرقها حواسنا بما في ذلك العين فيما بين الصورة والكلمة كي ترى الشيء وترسله إلى العقل كي يحلله ويرسله مرة أخرى للعين كي تنظره يكون الشيء نفسه قد تغير.. ربما لهذا كان إهتمام `عطية` جمالياً وصوفياً بعيون هدهد لوحاته التى لا تكاد تتغير ولا تفصح قدر ما نرى أنها مُحملة بإنعكاس لرحلات سافر اليها كثيراً مُقدماً صورة قوية لعيون طيور لا تحدق في المشاهد لوجود غيوم عابرة القزحية بحس سيريالى ليدفعنا للبحث عما بداخل عين الهدهد وعقله.. كما بدى طائرة يطير ليكتشف أو يكشف عما يكمن وراء الأفق حتى بدى هدهد لوحاته إلى حد كبير دليل لمن يبحثون عن الوضوح في الفوضى.. هذا إلى جانب معالجاته الجسدية كأنه جسد الهدهد يمتلك خصائص سحرية.. ومثلما نفس الإنسان أو جسده هما أقرب شيء إليه وبالتالي يفترض أنهما أكثر قابلية للمعرفة من باقي الأشياء التي توجد خارجه فربما قصد بها الفنان أن ندركها كرحلة صوفية.. ففى الكتاب المعروف `مؤتمر الطيور` 1177 والمعروف أيضاً `بمنطق الطير` قدم مؤلفه الفارسى الصوفى `فريد الدين العطار` نصائحه من خلال قصائد لمن يسير فى درب المعرفة.. من خلال موضوع عن بحث الطيور عن طائر وهمي معروف بـ`سيمرغ` فهو يشير الى الطيور الحكيمة فى الإسلام وتخطى بها الى الصوفية.. فالطيور هنا ترمز إلى السالكين من أهل الصوفية.. وحيث تجتمع الطيور وتقرر البحث عن ملكها عليها أن تقطع سبعة أودية كي تصل إلى الجبل وترمز الأودية السبعة للمقامات السبعة عند الصوفية وهي وادي الطلب.. ووادي العشق.. ووادي المعرفة.. ووادي الاستغناء.. ووادي التوحيد.. ووادي الحيرة.. ثم الفقر والفناء.. حيث يمر المتصوف عبر هذه الأودية في طريقة نحو الترقي الروحي.
والشاعر الصوفى `فريد الدين العطار` أشار فى كتابه الى الهدهد بإسم `ملك الطيور`.. وهنا جانب من نص فى كتابه فى مخاطبة للهدهد تظهر مكانته: `عزيزي الهدهد.. مرحباً بك سوف تكون دليلنا.. عليك إعتمد الملك سليمان.. لحمل الرسائل السرية بين بلاطة وملكة سبأ الجميلة البعيدة.. كان يعرف لغتك وأنت تعرف قلبه.. وبإعتبارك أحد المقربين منه فقد تعلمت هذا الفن من إحتجاز الشياطين أسيرا تحت الأرض.. وعلى هذه المآثر الباسلة توجت`.
- أخيراً.. كيف تصبح الأشياء ملموسة في عالم الروح..؟ وكيف لفنان أن يقدم سردًا بصرياً لأبواب فتحها بالحس تصوفاً..؟
بقلم : فاطمة على
جريدة : القاهرة ( العدد 1280) 28-1-2025
|