`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
زهران معتمد سلامة

- يحاول الفنان زهران سلامة أن ينتزع الوحشة بالحوار العميق مع ملامح الإنسانية الحميمة فى صميم المنظر الطبيعى وعمارة البنايات العريقة ، ويتجلى طموح الفنان فى الإمتزاج مع الألفة التى صنعتها علاقة الإنسان الدءوبة والمجهدة مع مسيرة الحياة الطويلة عبر زخم الإبداع الإنسانى مع مفردات الطبيعة، فالتحدى الحقيقى للفنان زهران سلامة أن يكون نداً للمخزون الجمالى المتفرد الذى يقبض عليه المنظر بل ربما يتفوق عليه باختزال قيمه الجمالية فى لوحة مؤثرة تمتلك قوة التأثير فى الوجدان وتسبغ عليه قيمة التعاطف والألفة .
- والإنجاز الصعب الذى يراود الفنان هو الوصول الى ذات الحالة العبقرية الفريدة التى كرست لها اعمال الكتاب والفنانين من طراز الجبرتى والنديم ومحمود مختار ومحمود سعيد وجمال حمدان ونجيب محفوظ ولذا فليس مستغرباً أن يستبد به ذلك النهم فى الإحاطة بكل التجليات المصرية الأصيلة فى الدلتا والصعيد وسيناء والواحات الصحراوية وصخور العمارة الفريدة فى الاقصر وقاهرة المعز وتضاريس الوجوه المصرية البسيطة فى تفاعلها التلقائى اليومى فى الأسواق والحقول والاحتفالات الدينية .
- ومن المدهش ان الضوء الذى يشع فى مساحة اللوحة لا يأتى من خارجها بل إنه ينساب من صميمها بدرجات متفاوته فى محاولات لتبديد الوحشة وإسباغ الألفة على الملمح البصرى للوحة . . إن سطوح الأحجار ومعالم الوجوه تبوح بشئ ما فى محيط الرؤية وتنشد إرهاف الحواس للتواصل معها وإقامة حوار انسانى مفعم بالشجن والدفء .
عباس منصور

ابن الفلاحين
- عام 1980 وفى معرضى الأول بأتيلية القاهرة يأتينى حاملا حقيبة سامسونايت فى يده وفى كامل زينته كرجل ، مرتديا بذلة للافتتاح وكنت أرتدى بلوفر يدوى مهرولا فى أناقة نصف غربية كعادتى . يبادرني الحديث بعد أن لف المعرض أكثر من دورة . مشروع ابتسامة على وجهه ، ويقول : نريد أن نسمع منك ، وأردف أعرف أن هذه الليلة للناس والجمهور لكن لنا لقاء تستحقه تجربتك .
- والتقينا بمرسمه وكان أيامها بوكالة الغورى . تصورت بأن لقاءنا سيكون عاديا ، ولكن حدث وأن فوجئت بأنه يخرج مسجلا صوتيا وأشرطة ، وبعد أن ضايفنى بالشاى الفلاحى وأنفاس الشيشة التى كنت أدمنها ذاك الوقت بدأ الأسئلة ، وكان يفسح لى المجال حقا لكى أتحدث وأقول وأقول وأعترف ، وماذا يريد العائد مثلى من غربة العشر سنوات أكثر من ذلك ؟
- وبدأت الصداقة .. وكنت أحتاجها خاصة وأن بعض أصدقاء العمر الجميل كانوا قد انفضوا من حولى لارتكابى جريمة إقتراف الفن ، واثباته بأنه من الممكن أن ننتج فنا ولا نستنيم إلى تبرير جريمة التوقف والخرس واللجوء إلى كسل مريح . كان زهران ينتج حينئذ لوحات تتعكر على الفن الفرعونى برمزية كنت لا أحبذ هذا الاتجاه وتحفظت رغم الصداقة الحميمة .
- بدعوتى زهران إلى الباجور قرب مسقط رأسه . بيت بسيط خمسة من الأبناء أربعة وبنت واحدة يصطفيها زهران ، فى الفجر أصحو لأجد زهران آخر ، غير زهران المدينة ، ربع القامة ، يرتدى سروالا أبيض إلى ما تحت الركبة بقليل ، ممسكا فى يده بسكين صغير يسمى ` الخنصر ` يسلخ به جلد ذكر الماعز بمهارة وحذق ، ووقفت فاغرا فاهى من الدهشة فى البداية ، ثم مستسلما إلى معرفة هذا ` الإنسان `من جديد . كان زهران الذى أعرفه حتى هذا الوقت طالبا زاملنى أيام الكلية يجيد الرسم لكنه لا يحضر إلى الكلية كثيرا ، ثم زهران الذى استمع إلى جيدا وأول من حاول معرفة شئ عن رحلتى الفنية فى باريس . قبل صياح الديك كان زهران قد انتهى من إعداد لحوم الوليمة التى يريدها لعائلة صديقه وعائلته معا. بعد الإفطار وشرب أنفاس الشيشة أخذ زهران ركنا قصيا ليعد أعواد البوص الجاف المنتقاة جيدا ، يشبك بها خيوط البلاستيك مع صنارات من المعدن المعقوق والمعوج . حين انتهى من هذا العمل الدءوب فرك يديه ، وأول مرة أرى أيدى فلاح حقيقي ، ضخم اليدين ، متورم الأصابع من كثرة الاستخدام الخشن والمجهد لهما ، انتحى أيمن أصغر الأبناء ، مع أكرم الذى يكبره قليلا ، يحفران فى الأرض وفى الأركان الرطبة المبتلة بحثا عن ديدان صغيرة .
- فزعت تمر ، وفزعت داليا خوفا ، واستثارة ابتعدنا واقتربنا بمقدار ، وبدأت ضجة الأبناء جميعا وتصبح الجماعة مثيرة للفرح والبهجة لدى هذا الولد زهران الوحيد لأبيه ، وعرفت حينئذ أحد أسراره ورغبته الحارقة فى تكوين أسرة تكون له عزوة فى حياته ، لن أنسى صرخة ابنتى الباريسية المولد ` تمر ` حين أخرجت أول سمكة لها بعد لأى وطول انتظار وخفت عليها أن ينفجر قلبها الصغير ، واحتضنتها ، وأحسست برجفة قلب العصفور الصغير . وشكرت زهران ، وتمرغت تمر الباريسية فى طين ريف المنوفية ، وسقطت الصغيرة داليا ، وأخرجها أبناء زهران ، واحتفظوا بالسر الذى قالوه لنا أخيرا بعد أن كبروا وأصبحوا هم آباءا لأبناء .
من هو هذا الزهران سلامة ! ؟
- كان معتمد إبراهيم حسن سلامة الذى يأتى لزيارة ابنه زهران سلامة رجلا خفيفا على الآخرين لا يريد أن يثقل على أحد . له حمار يلتصق به ، ويعامله بحنان وود ويبتسم حين أسأله عن هذه العلاقة يقول : إنه يقتصر المسافات بينى وبين من أحب ، ويحنى رأسه فى خجل الفقراء حين لا يريدون لعواطفهم أن تفتضح ، وأعرف بأن قلبه ينظر إلى ولده الوحيد زهران . ثم يربت على رقبة حماره بود ويمتطيه ويرحل دون أن يثقل على أحد بحضوره الذى قد يزاحم أصدقاء ابنه الأفندية القاهريين . وأحب الرجل ويحكى لى زهران حكاية أبيه وفق إلحاحى عليه : كان معتمد إبراهيم سلامة لا يملك من الدنيا إلا قوة بدنه وعزيمته صبر الفلاح المصرى الذى لا يملك أرضا ولكن يملك كرامة الرضـا والاستغناء عما يملكـه الآخـرون . كان فى ذلك الوقـت يعمل لـدى زوج
السيدة / تفاحة عبد الله عبد الله . سيدة جميلة ذات حسن تليق بأحد أثرياء القوم . كان معتمد إبراهيم يعمل لديهم محبوبا لكرامته وعزة نفسه وأمانته . مات الزوج الثرى بعد أن أنجب منها الأخ غير الشقيق لزهران . طمع القوم فى زواج الأرملة الثرية .. وخافت تفاحة على نفسها طمع الطامعين أختار قلبها هذا البسيط الفقير غير الطامع معتمد العامل لديها ولدى زوجها ، وكان شرطه الوحيد أن يكون ` الرجل ` جردها هذا الفلاح المكار من كل سلطتها وقوتها ، فأعطت ثروتها للابن وما تبقى للأخ الخال لزهران الطامع أبدا فى ريف مصر ، وأصبحت يا ولداه على السميع المجيد كما نقول . وخلصت له وعمل بكل جهده حتى يكفيها العوز .
- وأنجبت له زهران ، ثم فتحية وعاشا فى التبات والنبات فقراء لكن كرماء بالاختيار وليس بغير
ذلك.
- تركت للأب أن يدير كل حياتها ، يفقرها فترضى ، تعيش على الكفاف فلا تشكو . لكن ليتعلم زهران - وحاول الفلاح العنيد أن يثنيها ويجعلها ترضخ ولكن أبدا . حينئذ تنتصر ` الأم ` المصرية ويحنى الرجل رأسه وكان عليه أن يرضخ هذه المرة ، وكان .
معجزة التعليم
- ككل أبناء مصر الفقراء ، بل حتى أبناء الطبقة الوسطى ، كان التعليم هو كالماء والهواء من حق كل مصرى ، وعلم الفلاحون أبناؤهم وكان من ضمن هؤلاء زهران بن معتمد إبراهيم القانع والراضى وتفاحة التى لم ترض عن التعليم بديلا لابنها .
- كانت صعوبة تدبير مصاريف الدراسة تفوق طاقة البشر ، لكن بالحلم والعزيمة استطاعت الأم بإصرارها والأب برضوخه ، ويذكر لنا زهران الكثير ، لكن سأختار منه حادثة مفرحة يوم حصل على جائزة 50 جنيها من كمال الدين حسين لتفوقه فى الرسم أيام المدرسة الثانوية .
- ويأتى الفلاح ابن الفلاح المرتبك إلى القاهرة ، ويدخل كلية الفنون الجملة بقدرته على الرسم التى كانت ملاذا له للتفوق إبان أيام دراسته ، قاوم زهران سلامة ضغوط المجتمع الطبقى فى ريف مصر حيث للأغنياء ورجال الدين والشرطة سطوة على الجميع - قاوم بسلاح التفوق فى الرسم حيث زين مدارس ، وحجرات الرسم ، وتبناه بعض رجال التعليم الذين كان لهم الفضل فى تبنى قدرات الفتى ويذكر منهم المهندس عبد العظيم أبو العطا وكذلك المهندس عبد السلام سعود ، وكذلك كمال الدين حسين الذى دفع له مصاريف كلية الفنون بعد أن طرد من الكلية لعدم السداد .
- يقول زهران عن نفسه كانت أياما صعبة ، لا أحضر الكلية إلا لماما ، وباقى الأيام للبحث عن لقمة العيش مع استمراره فى الدراسة ارتباك ابن القرية أمام ملابس بنات المدينة الكاشفة مما لم يتعود عليه مرتبك وخائف وعدوانى لحماية ذاته . وستظل هذه الصفات ملازمة لفتانا فى الحركة التشكيلية . لا يعرفه إلا القلة القليلة ممن يقتربون منه إلى حد الصداقة حينئذ ينفتح قلب الفلاح البسيط الودود والمحب أيضا .
- لم يستطع زهران سلامة أن يأخذ حظه كاملا فى الدراسة لاقتطاع جزء كبير من وقته للبحث خارج جدران الكلية عن قوت يومه ، لكن موهبته فى الرسم التى حمته أيام الدراسة الابتدائية والثانوية من غدر أبناء الطبقات القادرة ، حمته أيضا أيام الكلية فلاذ بها ، لكنها لم تسعفه إلى تفوق مستحق نتيجة ضيق أفق نظامنا التعليمى الذى يشترط الحضور والانصراف !!
بداية الحياة العملية
- حينها لا يجود الزمن إلا بالقليل ، ندخل إلى الحياة راضين ، متذمرين فى آن واحد . اصطفى قلبه الإسكندرية لكنه رضا بالعمل فى القاهرة مضطرا بعيشها كالغريب فى المدينة ومازال يعمل يتزوج ، ينجب الأبناء ، واحدا تلو الآخر .
- يرحل للعمل فى بلد عربية ، ويعود .يبنى بيتا فى المنوفية مع حلم العودة إليها ، ولكن أين له ذلك وهناك المدينة ولها الحق ، يكدح زهران من أجل الأبناء ويسافر مرة أخرى فى رحلة أخيرة ويعود إلى القاهرة بعد أن أدى فرائض تربية الأبناء جميعا .
مجتمع الصحراء
- حلم زهران بالصحراء كثيرا وتمنى أن يعيش بجبل أسيوط الغربى ، ثم حلم بالحياة إلى جوار معبد ادفو ، لكن الظروف رمته إلى ` رأس سدر ` حيث بنى أخيرا بيته أو مرسمه . وحدة كاملة مع لوحاته وألوانه ، طيوره ونباتاته .
- يعشق الحمام ويعشقه الحمام . يزرع الأرض الصغيرة لكى يأكل من الأرض . فلاحا كان وفلاحا عاد . رحلة دمى فيها القلب والجسد . شيخا جاوز الستين ، لكن قلب أخضر مازال ، والحب لم يرتو عطش إلى التواصل وإذا أمسكنا بكلمات الحب والوجد والوصال لعرفنا أبواب تلقى أعمال زهران سلامة الفنية يرسم ما يحب من البشر والحيوانات والطيور والطبيعة . أضاحكة على رسوم الوجوه . فلاحين ، فقراء الحسين ، بنات الريف ، أبوه ، أمه ، أخته . وأسأله أين ناعمات المدينة فيضحك قائلا أنهن لأستاذى بيكار . الحمار المرسوم هو حمار أبيه الذى يقرب البعيد ويجعل وصال الأحبة السهل صعبا . زهرة عباد الشمس ، طاغية الجمال والتى عشقها . حمامه المغناج ، وبطه المتهادى ، وماعزه الشقى الطيب ، مراكب الأحبة والعشاق وطبيعة الإسكندرية التى تمناها يوما .
أحب ، فرسم وهذا يكفى
- أعطى ظهره للمدارس الحديثة فهى ليست مبتغاة .
- عاشق تكفيه نظرة حمار يتعاطف معه ، أو انحناءة رجل أخنى عليه الدهر ، أو صخور جلس عليها يتأمل تصاريف الدنيا .
هذا هو عالم صديقى زهران سلامة ، وبه إئتنس القلب .
المسافر خانة
- للمكان فى القلب زهران سلامة ، مكان فى الصدارة ، وللتأكد من هذا يجب على أن أشهدكم على ما عرفته وعشته مع زهران سلامة أيام أن كنا نتجاور بمراسمنا فى المسافر خانة . كان زهران هو الوحيد الذى أخذ من المكان وأعطاه فى آن واحد . مجموعة من اللوحات يضن زهران ومازال يضن بعرضها مجتمعة ، وأنا أدعو حقا لاقتنائها متحفيا ، لأنها تحمل إلى جوار قيمتها الفنية ، شهادة حب للمكان ، لا أكاد أذكر مثيلا لها فى فننا المعاصر حتى لو تبجح البعض بزياراتهم للوحات مثلا .
- ومن الغريب أن اقتراب أعمال زهران من المواقع بشدة قد أفادنا فى تلك المجموعة فائدة مضافة تذكر له وأتمنى إقناعه بعرضها متجاورة قريبا .
- عشق الريف وحياة الفلاح ولم يستطع أن يعود خاصة بعد التغيير الكبير الذى يسود الدنيا الآن ووصل إلى مشارف ريف المنوفية بحثا عن عذرية وبراءة يطلبها قلب الفنان - فوهب نفسه ووهبنا لوحات الريف .. عشق الإسكندرية وبحرها فسجلها لنا لوحات عشق ناس الجمالية والحسين البسطاء ، كما عشق حواريها وطرقاتها ، عاش زهران عشقه لوحات ، وأعطى ظهره للحداثة مقلدين وأصلاء . فهل خسر أم كسب الفن والفنان والإنسان ، والسؤال قائم ؟
بقلم : عدلى رزق الله

رحيل زهران سلامة عاشق الحارة والوجوه المصرية
-فقدت الحركة التشكيلية المصرية مؤخرا الفنان زهران سلامة وهو واحد من أهم روادها عن عمر يتخطى السبعين عاما، وقد غيبه الموت فى أول أيام عيد الفطر المبارك بعد صراع طويل من المرض إثر غيبوبة عميقة رقد خلالها فى غرفة العناية المركز بأحد المستشفيات الخاصة جراء إصابته بجلطة فى المخ للمرة الثالثة.
- تنقل ` سلامة ` بين ربوع مصر وأرجائها المختلفة، فقد كان ميلاده فى قرية زاوية جروان بمحافظة المنوفية عام 1939، ومنها استلهم العديد من مشاهد لوحاته عن الريف المصري، ومنها تنقل فى ربوع مصر بين القاهرة، الواحات، سيوة، وقد ساهم مع آخرين من الفنانين فى الذهاب لرسم الأماكن النائية والبيئات المتميزة فى الواحات الخارجة والداخلة وسيوه وفى مدن الصعيد خاصة الأقصر وفى شبه جزيرة سيناء جنوبها وشمالها فى ثمانينيات القرن الماضى.
- وقد حصل على البكالوريوس من قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة عام 1963 شارك بعدها وحتى وفاته بشكل فاعل فى العديد من المعارض المختلفة، وهو عضو مؤسس لمجلس إدارة أتيليه القاهرة للفنانين والكتاب، وعضو مؤسس بجمعية فنانى الغورى، وله العديد من الكتابات الفنية سواء من خلال العمل الصحفى أو من خلال كتب، وكانت له العديد من المشاركات الفنية سواء بمعارض خاصة أو جماعية، ظل خلال معظم سنين عمره شديد الالتصاق بفرشاته وألوانه يمارس بهما حبه للفن التشكيلي.
- وقد برع زهران سلامة فى رسم المناظر والشوارع والحواري بحرفية شديدة ناقلا تفاصيله وأزقته، ونرى فى لوحاته الفنية سيطرة اللون الرمادى على مسطح لوحاته ينازعه اللون الأزرق بدرجاته، ورسم فى لوحاته كل ما وقعت عليه عيناه، فقد رسم الحمام والحيوانات والحقول والفلاحين والفلاحات، رسم أسواق الصعيد بكل تفاصيلها، وتناولت لوحاته الصيادين والحرفيين على أن لقصر `المسافر خانة `هذا المكان الذى كان قبلة المثقفين والتشكيليين أثر كبير فى تغيير مسيرة الفنان الراحل، ذلك الأثر الذى بناه أحد كبار تجار القاهرة فى نهاية القرن الثامن عشر مقرا لإكرام المسافر عبر التاريخ الإسلامى الطويل، غنيا بزخارفه وعناصره المعمارية الرائعة، كان المكان خلالها ينقل صورة حية لطبيعة الحياة الاجتماعية لطبقة التجار فى أواخر عصر المماليك، وهو طراز يعالج خصوصية البيئة بكل مستوياتها الطبيعية والاجتماعية والنفسية، وكان هذا القصر شاهدا حيا على جوانب من هوية طبقة التجار المصرية.
-على أنه مع مرور الوقت واختلاف الزمن والحكام، تحول `المسافر خانة ` إلى موقع أثرى يتبع وزارة الآثار المصرية والتى قامت بدورها بتحويله إلى مجمع لمراسم الفنانين، ليتم بعد ذلك طرد الفنانين من مراسمهم تلك ومنهم زهران نفسه الذى كان مراقبا للمراسم داخل هذا الأثر .
- وقد تعرض قصر المسافر خانة لحريق هائل أدى إلى تدمير معظم معالمه فى أكتوبر 1998، وكانت تلك الحادثة صدمة أخلت بتوازن الفنان الراحل وكانت سببا فى إصابته بمرض السكر بعد أن أتت النيران على كل أرجاء المبنى الأثرى العتيق واحترقت معها ذكريات مئات السنين.
-فى العقد الأخير من عمره عانى `سلامة ` من المرض فاختار العيش فى منفاه الاختيارى معتزلا الحركة الثقافية والتشكيلية بما فيها من صراعات فى مدينة رأس سدر على ساحل البحر الأحمر فى بيت متواضع أشرف على بنائه بنفسه، رسم من حديقته زهور عباد الشمس والخضروات والورود.
أحمد سميح
روزاليوسف - الجمعة 24/ 8/ 2012
زهران سلامة فنان كبير علي فراش المرض والعزلة: طردوني من المسافر خانة عن طريق الشرطة!
- اختار الفنان التشكيلي الكبير عزلته، ومنذ عدة سنوات ذهب الي أقصي الشرق حيث البحر الأحمر، وعلي شاطيء مدينة الغردقة حيث السكون شبه المطلق أقام بيتا ومرسما وحديقة صغيرة، لكنه منذ عامين أصيب في حادث سير مروع لازال يعاني من آثاره حتي الآن، انه شبه قعيد حتي الآن، ويعاني من آلام شديدة بالعظام، فقد تجاوز الستين من عمره، لكنه لازال يثابر ويكابد لأنه لازال قادرا علي الامساك بالفرشاة وفيما يبدو أن سنوات سلامة الراهنة هي سنوات السلام حسبما يعبر هو نفسه عندما يقول: أنا الآن أعيش اليقين العميق وأعلن هدنة مع القلق المزمن، حيث يتقدس وجوده، ويعيش تجربة الانقسام للحقول والنهر والسهول، للضوء والظلال والحركة، حركية الحياة الأبدية، تتسع العين وترهف الأذن، وتشحذ الحواس، وهكذا يتجدد الوجود عمقا واتساعا .
- كان المعرض الأخير للفنان زهران سلامة علامة مضيئة حول تاريخ قصر المسافر خانة المحترق، اذ كان مديرا سابقا لها، وكان يحمل لها حنينا يمثل روحا محتقنة بالمكان، انها روحه الهاربة في تاريخ مصر المكتظ بالجروح والحرائق المشبوهة التي لن يكون آخرها حريق المسافر خانة.
- ضم معرض زهران سلامة أكثر من ثلاثين لوحة تستعيد قدرة التصوير المصري ومدرسته التليدة، وتقدم فيها الفضاءات الداخلية لمشاهد ساحرة وشجية من داخل أروقة المسافر خانة، انه بالفعل معرض استطاع أن يوائم بين اللوحة وموضوعها من جانب وبين فنانها من جانب آخر، وكما يعبر الناقد والكاتب عبدالمنعم عبدالقادر فان اللوحة تبدو وكأنها تجسيد للمصالحة بين الذات والموضوع كما تجسد التجاوز الفني لطرفي العملية الابداعية.
- وقد جاءت جميع لوحات زهران سلامة غير موقعة وغير مؤرخة وقد علل ذلك بأنه يترك لنفسه فرصة الاضافة والتعديل قبل توقيع اللوحة وكأنه يريد القول أن جرح المسافر خانة لا يزال مفتوحا وسيظل كذلك، وربما كان رفض زهران بيع أي من لوحات المعرض هو تأكيد علي هذا المعني.
- ولم يتوقف توثيق عبدالمنعم عبدالقادر للحدث عند ذلك السقف، انه أقرب المقربين الي قلب زهران سلامة، انه يري أن سلامة يواصل البناء الذي وضع لبنته الأولي رواد عظام ويقول: كنت شاهدا علي ارتكاز زهران في رحلة البحث علي بداهات انسانية عريضة تسعي نحو اكتشاف الجمال عبر خصوبة الحياة، ورأيت كيف كون ذاته الفنية بموارد استمدها من كفاءة الحواس، ورهافة المشاعر، واستقلال الفكر، والثقافة الواسعة، والمعرفة العميقة، بأبعاد الابداع الانساني وتنوعاته وبينما هو يكتشف في ارتياده العظيم سطوح الانسان وتجلياته في علاقته بالأرض، ويكدح الي جماليات هذه التجليات ويجسدها بابداعاته. ثم يؤكد عبدالقادر مرة ثانية: كنت شاهدا علي صبره علي ما يصفون، حتي أسس ـ ولأول مرة في تاريخ الحركة التشكيلية ـ ما أسميه رؤية واقعية مصرية متكاملة في انجاز ريادي يحقق التجاوز الصحيح الذي استوعب العصر وخصوصية الوطن فاتحا الطريق واسعا للأجيال الجديدة نحو ابداع تشكيلي مصري .
- أما المسافر خانة تلك البقعة من الفن المصري الاسلامي التي وثقتها لوحات معرض زهران سلامة،فهي ذلك البناء الذي كان قائما وسط حي الجمالية بدرب الطبلاوي بمنطقة مصر القديمة الي جوار شارع قصر الشوق، وقد بنيت علي مرحلتين الأولي كانت عام 1193 هجرية ـ 1779م حيث بنيت السراي الواقعة في الشمال ثم بنيت السراي الثانية الواقعة الي الجنوب في عام 1202 هجرية ـ 1789م ويمثل القصر في مجمله ـ حسبما يؤرخ له عبدالمنعم عبدالقادر ـ تراثا معماريا وفنيا وثقافيا يُعد واحدا من الطرز العربية الأصيلة، ويقدم صورة حية لطبيعة الحياة الاجتماعية لطبقة التجار في أواخر عصر المماليك، وهو طراز يعالج خصوصية البيئة بكل مستوياتها الطبيعية والاجتماعية والنفسية، وكان هذا القصر شاهدا حيا علي جوانب من هوية طبقة التجار المصرية باعتبارها طبقة قائدة ورشيدة، ويضيف الكاتب عبدالمنعم عبدالقادر القول: ان هذه الشهادة المعمارية كانت تبلغ من قوة التأثير في فكري الي الدرجة التي تجعلني أتشكك في قيمة وادعاءات التنوير الذي جاءتنا به الحملة الفرنسية.
- هذه هي الأبعاد التاريخية الشكلية للمسافر خانة أما رؤية عبدالقادر لها في السياق المعماري فيدفعه الي القول: كان لنا بغير شك طرزنا المعمارية فانظر الي بؤس حالنا ونحن نسبح في فوضي معمارية بائسة وشاملة القبح عدوة لسعادة الانسان.
- ويري عبدالقادر أن نقطة البدء لدخول زهران سلامة الي العلاقة بالمكان كانت كلماته الاثيرة: أنت لن تعرف خصائص هذه العمارة الا اذا جربتها بجسدك، هنا يتكامل الاحساس بالتوازن بين الجمال والوظيفة، اني كنت أعرف التكامل النظري بين الجمال والوظيفة في كتابات هربرت ريد حين تناول هذا الموضوع في حديثه عن الحرفي القديم، غير أني لم ألمس هذه التجربة في مكان له سمات جامعة لعدد كبير من الحرف لقصر المسافر خانة فالمرء هنا يعيش ويجرب وظائف هذا المعمار وهي تتبادل الحوار مع الانسان بحيث تكون في خدمة نموه وهو يعيش حياته اليومية.
- يصف عبدالمنعم عبدالقادر احدي زياراته لزهران سلامة في المسافر خانة كاشفا عن هذه العلاقة الفريدة بالمكان فيقول: ذات مرة قصدت زيارته، فوجئت به منكبا علي هذه الأرضية المزخرفة مفترشا عددا من أوراق الكلك العريضة يضغط عليها بأقلامه ليستخرج بصماتها وتصميمها باحترام وتوقير جعلني أجلس بالقرب منه ولم يرفع رأسه نحوي سوي مرة واحدة، وأكمل ما كان يستغرقه، بعدها قام وجمع أوراقه ودخلت معه مرسمه فبسط ورق الكلك بترتيب معين أكمل نواقصه بسرعة فبدت بصمة الرخام جلية من خلال خطوطها المتوازنة والمتقاطعة والمتعانقة.
- ويضيف عبدالمنعم عبدالقادر أن زهران سلامة كان يترك بيته بعد صلاة الفجر حتي يدرك أول لقاء للنور يقع علي المسافر خانة ويكون قد أعد أدواته وحامل رسمه قبلها بيوم ليكون في حضرة حوار الأنوار المباشرة والمصفاة والمرقشة دوائر ومثلثات ذهبية اللون من خلال فتحات خشب المشربيات ـ موسيقي وضوء ونور، وظلال وأشباها، وموسيقي آتية من خارج مجهول متداخلة ومتموجة متمازجة بأصوات حمائم وطيور وبشر.
- أما زهران سلامة الذي أثري الحركة التشكيلية المصرية كواحد من أهم فناني حركة التصوير المصرية الي جانب الفنان الكبير حسن سليمان فقد أصدر كتيبا صغير باهداء بالغ الرقة والقسوة في آن معاً، فهو علي جانب التشكيل صاحب قلم بارع بحق ومثقف عميق الثقافة، وهو ما يعكس في نفس الوقت قدرة سلامة اللغوية، وهي قدرة ليست جديدة بالطبع اذ أنه واحد من التشكيليين القلائل الذين يحسنون التعامل مع النص الأدبي وعلي تواصل دائم معه يقول زهران في اهدائه: الي مصر، هذا التجلي من تجليات كنزها المستور، أيا مصر، كم استباحك البداة الغزاة من أبنائك ومن غير أبنائك، الذين ركبوا مراكب القوة الغاشمة والنهزة المختلسة، والذين قد تردعهم المعرفة اذا كان لهم نصيب في الرحمة.
والي أصحاب النوايا الطيبة من أبنائك المخلصين الذين تراءي لهم أن طريق النهضة هو في اقتناء سر غير سرك المستور، فانتهوا بنا الي ما نعيشه من شقشة وفوضي..! والي أبنائك الذين أنكروك فأحبوا المال حبا جما، وأكلوا تراثك أكلا لما، وتصوروا أنهم اذ يفعلون هذا قد أباحوا قدسك لأولاد الحرام.
يقدم زهران سلامة معرضه بتذكر ما قاله له أحد أصدقاؤه من أن يقيم معرضا لأعماله عن المسافر خانة في مناسبة كارثة احتراقها، لكن زهران رأي أن ذلك من الممكن يبدو نوعا من المتاجرة بالمأساة فتعفف عن فعله، وحسبما يعبر هو لم أفعلها خجلا من حب انقطعت أواصره بيني وبين المسافر خانة أولا، وحزنا كابسا ممن شاركوا في الجريمة البشعة، وخيبة أمل من أن من فعلوا أفلتوا من القانون أو هم فوق القانون، ويذكر زهران سلامة أنه لم يذهب أبدا لرؤية المسافر خانة بعد احتراقها ـ وحسبما يعبر ـ كان ذلك احتراما لعريها الفاجع ولخيالي أن تتأبد فيه صورتها البائسة، ويضيف زهران: الآن أقيم معرضا عنها بعد ست سنوات ونصف وقد تكيفت حياتي بشكل مغاير، أحد أسبابه الرئيسية هو المسافر خانة كاطار أول ثم هناك أطر أخري عديدة ساهمت في هجرتي نحو الصحراء.
- بالذكر أن زهران يعيش الآن في صحراء رأس سدر علي البحر الأحمر وسط بيت متواضع ومرسم لا يتجاوز هذا التواضع، لكنه يحاول دائما أن يجعله جنة من نوع خاص، وذلك منذ أن تم طرده وجميع التشكيليين المصريين من قصر المسافر خانة.
-ولا يخشي زهران سلامة أن يذكر بل يؤكد أن حريق المسافر خانة كان مدبرا ولا يمكن لحريق خارجي في أحد مقالب الزبالة ـ حسب الصحافة الرسمية ـ أن يلتهم المسافر خانة ويقضي عليها قضاء مبرما، ويذكرنا زهران بأن هذا المكان كان محط أحلام وزراء الثقافة منذ يوسف السباعي أن يحولوه الي مطعم سياحي أو فندق، ولن تسنح فرصة عمل ذلك الا بتدميره حتي لا يعود اليه أحد للمطالبة به، ويذكر أن وزير الثقافة في تصريحاته عقب الحادث قال انه سوف يخصص ثلاثين مليون جنيه لبناء مسافر خانة جديدة، وهذا لم يحدث منه شيء حتي الآن، هذا فضلا عن عبثية التصريح نفسه الذي لا يعني الا الاستخفاف الكامل بالقيمة التاريخية لمثل هذا المكان الذي لن تفلح كل أموال العالم في اعادته الي الحياة بعد تدميره.
- ويذكر زهران سلامة أن هذا المصير الذي لاقته المسافر خانة لم يكن مفاجئا علي أي نحو، ويشير هنا الي أنه ومنذ أن كان مراقبا للمراسم داخل هذا الأثر كان يرصد عدم الادراك لأهمية المكان لدي موظفي المركز القومي للفنون التشكيلية الذي يتبعه الأثر، وكانت هذه المسؤولية تتحصل في دفع فواتير الماء والكهرباء ويضيف انه بسبب كثرة مطالباته بتحسين شروط المكان كان لابد ـ بعد ترك الفنانين للمكان ـ أن يغادر زهران سلامة نفسه مقر مرسمه وقد فعلت الوزارة ذلك بالفعل وعن طريق الشرطة.
- ويذكر زهران سلامة أن تدمير التاريخ المصري ليس جديدا علي الحكومات المصرية المتعاقبة ويضرب عددا من الأمثلة علي ذلك منها احتلال وزارة الداخلية لواجهة بيت القاضي وتحويله الي قسم شرطة الجمالية، واحتلال وزارة التعليم لسبيل محمد علي بالنحاسين وتحويله الي مدرسة، واحتلال وزارة الصحة لـ بيمارستان قلاوون وتحويله الي مستشفي للرمد.
- أما عن المعرض فيقول زهران سلامة: انها المرة الأولي في حياتي التي أرسم فيها مناظر داخلية، كانت التجربة جديدة تكتنفها غوامض لم أتبين لها طولا جاهرة، قلت لنفسي لم لا اقفز في بحرها لاكتشف الحلول المناسبة، كان المنظر أمامي بالغ الاختلاف عما كنت اعتدت ارتياده في المناظر الخارجية في كل أرجاء مصر، فكل ما ترسب لدي من خبرات فنية في معالجة ألوان وأضواء وعمق وقرب عناصر هذه المناظر الخارجية لم أستفد منه في تجريد المنظر الداخلي، وكان عليّ أن أبدأ بلا رصيد، أتلمس خبرات طازجة تبني لوحة تؤكد أصالة كشوفاتي فاحترم عقلي واحساسي.
- ويضيف زهران سلامة: في البداية واجهت خمسة سطوح متعانقة هي ثلاث جوانب رأسية حوائط للمكان وخلف حائط ليس داخلي في الرؤية، وسطحان أفقيان يجمعان هذه الحيطان الثلاثة هما الأرضية والسقف، وكان النور والظلمة والألوان متناثرة في خمسة أبعاد في هذا المكان بشكل كاد أن يتأبي عليّ فلا أمسك بتلابيبه، وفي النهاية تكون لو حتي مجرد وهم.
- وتبدو تجربة زهران سلامة القلقة بحث في الدور أو الوظيفة المنوطة بالفن منذ قديم الزمان، وقد تغيرت ـ بالطبع ـ مواضع التصور الانساني لهذه الوظيفة تاريخيا وكان المعيار الحاكم مختلفا في ظروف زمنية متصلة متناقضة، وفي نفس الوقت فان المعرفة النوعية التي طرحتها معايير جمالية لمدارس فنية مختلفة ساعدت علي تبلور وتجذر الوظيفة وان لم تثبت مشهدها بأي شكل من الأشكال، غير أن التاريخ يؤكد أنه رغم عدم ثبات هذه الوظيفة الا أن التراكم النسبي لقوانين وتعقيدات الفن رسخت بعض القواعد والتقاليد غير الحاسمة، غير أن هذه التقاليد وهذه القواعد ثبت فشلها المطلق عندما اعتقدنا أن الفن يمكن أن يقود الثورات، ويقتاد الفاسدين من أقبيتهم الي غياهب الظلمة، ان مثل هذا القول يمكنه أن يناسب سياسيين فاشلين يعلقون فشلهم علي شماعة الفن.
- وما نحب أن نختتم به حديثنا عن زهران سلامة هو سؤال نوجهه لوزارة الثقافة ووزيرها التشكيلي، ما الذي فعلتم بزهران سلامة وهو في محنة الاعتزال والمرض، متي سيتم تكريمه، ومتي ستمنحه الوزارة جائزتها، ومتي يتم الانتباه لمشروعه الكبير، أم أن زهران لابد أن يقدم أولا رقبته لقاء هذه الأعطيات، أعلم تماما أن زهران لن يفعلها، وعلي من يتمسحون بالفن في وزارة الثقافة أن يصدقوا لمرة واحدة.
محمود قرني
القدس العربي
أبى .. زهران سلامة
- رحل الفنان زهران سلامة بعد معاناة مع المرض .. ووسط حزنها قلنا لابنته الفنانة أمانى زهران : أكتبى عن الأب والفنان فسوف يبقى الفن وتبقى الكلمات.
- بين الحياة والموت - بغرفة الرعاية المركزة بإحدى المستشفيات الخاصة - يرقد أبى فى غيبوبة عميقة إثر إصابته بجلطة فى المخ للمرة الثالثة . حين أتطلع إلى وجهه تمر حياتى وحياته التى شهدتها أمام عينى الآن كشريط سينمائى بعض مشاهده أبيض وأسود والباقى ألوان .
- زهران سلامة فنان كبير أثرى الحركة التشكيلية المصرية كواحد من أهم فنانى حركة التصوير المصرية وهو إلى جانب التشكيل صاحب قلم بارع بحق ومثقف عميق الثقافة وهو ما يعكس فى نفس الوقت قدرته اللغوية ، اذ أنه واحد من التشكيليين القلائل الذين يحسنون التعامل مع النص الأدبى وعلى تواصل دائم معه يقول زهران فى كتيب تقديم أحد معارضه : إلى مصر ، هذا التجلى من تجليات كنزها المستور ، أيا مصر ، كم استباحك الغزاة من أبنائك ومن غير أبنائك ، الذين ركبوا مراكب القوة الغاشمة والنهازة المختلسة ، والذين قد تردعهم المعرفة اذا كان لهم نصيب فى الرحمة. وإلى أصحاب النوايا الطيبة من أبنائك المخلصين الذين تراءى لهم أن طريق النهضة هو فى اقتناء سر غير سرك المستور ، فانتهوا بنا إلى ما نعيشه من شقة وفوضى ...!
- وإلى أبنائك الذين أنكروك فأحبوا المال حبا جما ، وأكلوا تراثك أكلا لَما ، وتصوروا أنهم إذا يفعلون هذا قد أباحوا قدسك لأولاد الحرام .
- كنت أرى إلى أبى وهو يرسم ويتعامل مع الألوان واللوحات وكنت أسمعه وأصدقائه فى حواراتهم وأنا صغيرة وأتمنى أن أكبر فى يوم من الأيام لأفهم ما يقولونه .. وكبرت والتحقت بكلية الفنون الجميلة وعهد بى أبى إلى صديقه الفنان الكبير الراحل حسن سليمان وذلك لظروف سفر والدى لخارج البلاد مدة خمس سنوات هى سنوات الدراسة بالكلية وتتلمذت على يديه وتعلمت منه الكثير والكثير .
- وبعد تخرجى أصبحت صديقة لأبى أذهب معه فى السادسة صباحا يوميا إلى مرسمه بقصر المسافر خانة .. منه تعلمت الإلتزام والحق والمثابرة والاجتهاد ، وكانت عينه تحاصرنى حتى وهو غير موجود وأنا أرسم وكأـنه يراقبنى .
- رسم زهران سلامة كل شئ وقعت عليه عيناه رسم الحمام والحيوانات والحقول والفلاحين والفلاحات فى بلدته زاوية جروان ، رسم أسواق الصعيد بكل تفاصيلها والصيادين والحرفيين .. حتى حين اعتزل الحياة وسافر إلى رأس سدر بجنوب سيناء ليقضى الخمسة عشر عاما الماضية فى فيللا بناها بتصميمه زرع حديقتها بنفسه ورسم منها زهور عباد الشمس والخضروات والورود بأحجام عملاقة وكأنه يحتفى بالطبيعة الجميلة حوله ، وبرع زهران سلامة فى رسم المناظر والشوارع والحوارى بقدرة عالية ومنظور سليم يحسده عليه المهندسون المتخصصون . مازالت أذكر مقالا بديعا كتبه الراحل محمود بقشيش بمجلة الهلال تحت عنوان ` الاتزان الرمادى عند زهران سلامة ` يشرح فيه أسلوب تلوينه على سطح اللوحة محاولا خلق نوع من التوازن اللونى مع سيطرة اللون الرمادى الذى كان يراه مسيطرا على أجواء بلدنا .
- حريق المسافر خانة : وكانت الصدمة المدوية التى أصابته بمرض السكر خبر حريق المسافر خانة أثناء تواجده فى هولندا لإقامة معرض فنى خاص حيث أتت النيران على كل أرجاء المبنى الأثرى العتيق واحترقت معها ذكريات مئات السنين . عن تجربة رسم المسافر خانة يقول أبى : إنها المرة الأولى فى حياتى التى أرسم فيها مناظر داخلية ، كانت التجربة جديدة تكتنفها غوامض لم أتبين لها أطوالا جاهزة ، قلت لنفسى لم لا أقفز فى بحرها لأكتشف الحلول المناسبة ، كان المنظر أمامى بالغ الاختلاف عما كنت اعتدت ارتياده فى المناظر الخارجية فى كل أرجاء مصر ، فكل ما ترسب لدى من خبرات فنية فى معالجة ألوان وأضواء وعمق وقرب عناصر هذه المناظر الخارجية لم أستفد منه فى تجريد المنظر الداخلى ، وكان علىّ أن أبدأ بلا رصيد ، أتلمس خبرات طازجة تبنى لوحة تؤكد أصالة كشوفاتى فاحترم عقلى وإحساسى . ويضيف : فى البداية واجهت خمسة سطوح متعانقة هى ثلاثة جوانب رأسية حوائط للمكان وخلفى حائط ليس داخلى فى الرؤية ، وسطحان أفقيان يجمعان هذه الحيطان الثلاثة هما الأرضية والسقف ، وكان النور والظلمة والألوان متناثرة فى خمسة أبعاد فى هذا المكان بشكل كاد أن يتأبى علىّ فلا أمسك بتلابيبة ، وفى النهاية تكّون لوحتى مجرد وهم .. وأنا أنظر الآن إلى جسده الساكن أمامى إلا من نفس يدخل وأخاف ألا يخرج أتذكر كلماته وهو يقول : أنا الآن أعيش اليقين العميق وأعلن هدنة مع القلق المزمن ، حيث يتقدس وجوده ، ويعيش تجربة الانقسام للحقول والنهر والسهول ، للضوء والظلال والحركة ، حركية الحياة الأبدية ، تتسع العين وترهف الأذن ، وتشحذ الحواس ، وهكذا يتجدد الوجود عمقا واتساعا ..
بقلم : أمانى زهران
مجلة الخيال : ( العدد الثلاثون ) سبتمبر 2012
`ترانيم` زهران سلامة.. مووايل فنية
- هو الناسك المتعبد، والثائر المتمرد، ابن الفلاحين، عاشق الحارة المصرية، الفنان الراحل `زهران سلامة`، واحدا من أهم فنانى حركة التصوير المصرى المعاصر، الذى أثرى الحركة التشكيلية منذ الستينات حتى وفاته قبل عقد من الزمن.
- وإلى جانب التشكيل كان `زهران `صاحب قلم بارع بحق ومثقف عميق الثقافة وهو ما يعكس فى نفس الوقت قدرته اللغوية، إذ أنه واحد من التشكيليين القلائل الذين يحسنون التعامل مع النص الأدبى وعلى تواصل دائم معه. وهو ما تجلى فى كلمة افتتاحية معرضه عن المسافر خانة، حين كتب: `إلى مصر... هذا التجلى من تجليات كنزها المستور، أيا مصر، كم استباحك الغزاة من أبنائك ومن غير أبنائك، الذين ركبوا مراكب القوة الغاشمة والنهازة المختلسة، والذين قد تردعهم المعرفة إذا كان لهم نصيب في الرحمة. وإلى أصحاب النوايا الطيبة من أبنائك المخلصين الذين تراءى لهم أن طريق النهضة هو في اقتناء سر غير سرك المستور، فانتهوا بنا إلى ما نعيشه من شقة وفوضى!..
- وفى معرضه `ترانيم مصرية` المقام حاليا بقاعة (بيكاسو) بالزمالك - والذي يعد إحياء لذكراه- يستعرض المعرض من خلال 40 لوحة مراحل فنية لرحلته مع الواقعية المصرية، كما يرصد أيضا سيطرة الأسلوب الانطباعي على مشاهد الطبيعية عنده فى مجموعة الشاطئ ومراكب الصيادين والبحر، حيث احتفى بعنصر الضوء في كل لوحاته، أما الظلال الدرامية فكانت تظهر مقدار الترددات فى مساحتها والتداخل بينها وكأنها هى العنصر الذى يوحد كل عناصر سطح اللوحة وأيضا يضيف قيمة تشكيلية لعنصر إظهار الكتلة في الشكل المرسوم.. وتأكد إحساس زهران بالكتلة بكل تجلياتها في الحارات، والأزقة، في وجوه موديلاته مثل- بورتريه `ابن البلد` أو العمال الكادحين والمكافحين من أجل لقمة العيش - وأيضا في رسم الطبيعة الصامتة مثل لوحة `زهور عباد الشمس` التي زرعها في حديقته، أو `مراكب الصيد` في بحري، أو `جبل الموتى` في واحة سيوة، فهو يجعل الجماد يتحدث ويحكي قصته مع `الزمكان`، وينتزع من بنايات الحوائط إحساس الوحشة فيجعلها تحاورك وتتحدث معك فتشعر بالألفة وكأنك عشت في هذا المكان من قبل. أما عن التوازن اللوني فهو سمه تميزه يشعر بها المتلقي العادي ويفهمه الفنان المتخصص، ذلك التوازن الذي يجعلك تشعر بالراحة، خاصة مع الإحساس بوجود نور يشع من جنبات اللوحة، رغم تلاعب الفنان بالضوء والظل إلا أنه يفعل ذلك بأسلوب بسيط وحرفية عالية، نتاج كفاح ومثابرة وكفاءة حواس، ورهافة مشاعر، واستقلال فكر، بالإضافة إلى الثقافة الواسعة، والمعرفة العميقة، بأبعاد الإبداع الإنساني وتنوعاته - رسم زهران سلامة كل ما وقعت عليه عيناه، رسم الطيور والحيوانات، رسم الحمام والخيول والحمير والأوز والحقول والفلاحين والفلاحات فى بلدته زاوية جروان، رسم أسواق الصعيد بكل تفاصيلها في قبلي، والصيادين والحرفيين في بحري.. وكانت رسومه لقصر(المسافر خانة) بالجمالية ،الذي ضم مرسمه وعاش فيه لسنوات قبل أن يحترق هي شهادة حب للمكان، فمن خلال لوحاته لهذا القصر ولمناظر القاهرة القديمة الإسلامية والقبطية - بمنظور معمارى رصين - كان يحاول
إعادة ترسيخ المكان كعنصر تراثى مهم ، وليس كمجرد خلفية للمشهد الإنسانى ، وتقف أمام لوحاته فتشعر أنك تقرأ تاريخ الشعب المصرى.
-أثناء مرضه الأخير وقبل الرحيل كتب الفنان زهران سلامة رسالة وداع قال فيها:` أنا الآن أعيش اليقين العميق وأعلن هدنة مع القلق المزمن، حيث يتقدس وجوده، ويعيش تجربة الانقسام للحقول والنهر والسهول، للضوء والظلال والحركة، حركة الحياة الأبدية، تتسع العين وترهف الأذن، وتشحذ الحواس، وهكذا يتجدد الوجود عمقا واتساعا`.
- والفنان الراحل زهران سلامة (1939-2012) تخرج من كلية الفنون الجميلة بالزمالك عام 1963 وعمل بقطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، أقام العديد من المعارض الخاصة بأرجاء مصر و سوريا والعراق والنمسا وبلغاريا ورومانيا وفرنسا وهولندا، كما اشترك مع الدكتور عبدالغفار شديد فى ترميم كنيسة إتنبرج الأثرية بألمانيا.
- وقام بتأليف عشرة كتب من سلسلة كتاب جيب الفنان وسلسلة علم وفن عن طرق ومواد الرسم والتصوير والألوان والطباعة الليثوجرافية والطباعة على المنسوجات والحفر على المعادن والمرجع في أصول التصوير، وغيرها.
- ويستمر معرض `ترانيم مصرية` فى استقبال زواره بقاعة بيكاسو بالزمالك حتى نهاية شهر مايو الحالى.
بقلم : أمانى زهران
جريدة : ملحق الجمعة لجريدة الأهرام 13-5-2022
زهران سلامة والحنين إلى المنظر الخلوى
- لحسن حظ الفن أنه، مهما تراكمت مدارسه وأساليبه عبر تاريخه، فإن الجديد منه لا يطمس قديمة كل الطمس، بل على العكس تظل إبداعاته العظمى مستمرة العطاء، متجددة فى شرايين التطور. كل مدرسة وكل أسلوب فى الفن هو حضور تناسل من موجود فنى سابق، وبحكم طبيعة الموجود الفنى الجديد المخالفة - فى بعض جوانبه - مع الجِذر الأسبق - سواء كان جذراً قديماً أو حديثاً - فى هذا الإطار الحنينى قدم الفنان `زهران سلامة` معرضا بقاعة بيكاسو للفنون الجميلة، تدور كل لوحاته حول موضوع `المنظر الخلوى` الذى تجلى فى المرحلة التأثيرية التى وجدت فيما بين (1863-1900) وأحدثت ثورة فنية ما تزال أصداؤها قائمة.
- وعندما أخرجت `التأثيرية` الفنانين من المراسم المغلقة إلى فضاءات المشاهد الخلوية منحتهم الطريق إلى اكتشافات باهرة فى مجالى اللون والضوء، بعد أن كان المنظر الخلوى فى اللوحة الأوربية، منذ القرون الوسطى مجرد خلفية مُتَخيلة، أشبه بديكور المسرح، وأفلحت التأثيرية فى إبعاد الفنانين عن استلهام الموضوعات ذات الطابع المسرحى - الحكائى، والتركيز على جماليات البيئة الطبيعية لهذا تُعَد التأثيرية - بحق - فناً للبهجة والتفاؤل.
- الترحال
- مثلما اختار التأثيريون الأوائل الترحال طريقاً للكشف عن جماليات البيئة، أقام` زهران سلامة` رحلات متلاحقة داخل مصر وخارجها منذ تخرجه فى كلية الفنون الجميلة (قسم التصوير) سنة 1962 بقصد واحد لم يُبذله وهو الإمساك بمواطن الجمال فى الوطن المصرى، تلك المواطن التى أهملتها بلادة الحس، ولأنه يمتلك مهارة فائقة فى نقل الواقع فإنه يختار - أحياناً - عناصر قد تبدو لنا هامشية، عديمة القيمة، ولكنه يبثها حياة جديدة تثير إليها الانتباه والإعجاب، ورغم ذلك فلابد من الاعتراف بأن البيئات الأوربية قد أتاحت لرساميها التأثيريين من صفاء اللون ما لم تتحه لرسامى البيئة القاهرية التى تُجبر رساميها - ومنهم زهران- على إلتقاط تلك الستارة المغبرة، المسدلة على وجهها فتُعكر صفاء اللون وهو شرط اللوحة التى تنتمى إلى هذا الأسلوب، وقد ظن `يوسف كامل` - بحسن نية - أنه فنان تأثيرى، على الرغم من تلوث ألوانه بالألوان القاتمة التى ينفر منها التأثيريون، قال عن نفسه: `لقد ولدت وسأموت تأثيرياً`، وربما كان الفنان `حسن سليمان` من أوائل الفنانين الذين إلتقطوا تلك الستارة المتربة التى تلوث وجه القاهرة وسماءها، وانتقلت إلى نسيج لوحاته وأغرقتها باللون الرمادى، غير أنها فى لوحات `حسن سليمان` كانت تمتلك من الجاذبية ما جعلها تؤثر فى غيره من الفنانين - ومن بينهم فناننا `زهران سلامة` - وكان عليه، لتنقية ألوانه وتحريرها من أسر الحياد الرمادى أن ينفلت من القاهرة ذاتها، وربما لاحظ `زهران` أن القاهرة لم تكن على هذه الدرجة من التلوث فى زمن الرسامين المستشرقين، وتكشف لوحاتهم عن القاهرة عن صفاء بالغ، لا أثر له الآن، ونحن نصدق لوحاتهم لأنهم كانوا يتميزون بدقة الوصف، اختار `زهران سلامة` لنفسه قطعة أرض برأس سدر، أقام عليها مرسما ومأوى، وأحاطها بما استنبته من محصولات يقتات بها، ويعيش راهباً، يتأمل ما تمنحه الصحراء والبحر من صفاء وهدوء، لا مثيل له فى القاهرة، وهو يتحصن فى عزلته بالصدق، مبتعدا عن طوفان البدع التى تُروج لها وزارة الثقافة الحالية بدعوى العولمة، وهى دعوة فى جوهرها إتباع واغتراب وخواء.
- إنطباع الوهلة الأولى
- عندما احتوتنى قاعة العرض أدركت - للوهلة الأولى - أن بعثاً جديداً قد حدث وأن سببه هو البيئة الجديدة التى اختارها لنفسه، وجاءت ألوانه هذه المرة صافية، ظهرت الألوان الساخنة والباردة صريحة، بعد أن كانت تتخفى تحت غطاء رمادى قاهر، مشمسة، تسطع بحضور قوى، وأسبقية على الحياد الرمادى، وهو لا يُفتت اللمسات مثلما يفعل التأثيريون، بل يترك للعين فرصة للتمتع بمساحات لونية واضحة، كما فى لوحته المسماة: `صناعة مراكب الصيد` حيث جاءت الطلاءات اللونية التى تُغطى أجسام المراكب مُبررة، ووضعها فى مقدمة اللوحة، ونشر الألوان الزرقاء والسماوية خلف المشهد لتُزيد من قوة الأصفر الأوكر والأحمر والأخضر والأبيض، وتؤكد صلابة مشاهد المقدمة، وفى لوحة أخرى يتغنى بسطح بحيرة صغيرة صافية كمرآة، تنعكس عليها الألوان والظلال، تحيطها من كل جانب مساحات من خُضرة مُشمسة، ضاربة إلى الصفرة، ولأنه فى الأصل ابن ريف فقد قدم فى عدد من لوحاته بعض عطاياه، فى رسم مشاهد من ريف مصر مما أتاح الفرصة الظهور مساحات من الخضرة المضيئة.
- غرائبية الأشياء المعتادة
- كان `بول جوجان` يعيب على `فان جوخ` فى رحلاتهما المشتركة إلى المشاهد الخليوية بأنه بلا خيال، مجرد عين تلتقط ما تراه مباشرة وتنقله إلى سطح اللوحة، وكان `فان جوخ` يرفض هذه الإتهام، غير أنه فى إحدى رسائله إلى شقيقة يعترف بأنه ليس أكثر من عين، وربما أنتبه `زهران` إلى ذلك وأدرك أنه ليس آلة تلتقط ما تراه العين، من هنا ظهرت بعض محاولاته - خصوصا عندما تمرد على الغطاء الرمادى بالألوان الصريحة - وتؤكد تلك المحاولات حرصاً طارئاً منه على اكتشاف ما فى المألوف من إشارات تثير الدهشة، ومن اللوحات الدالة على ذلك لوحة رسمها تصور جانبا من جوانب الشارع المتخم بالمتاجر والبشر، والأمر عند هذا الحد مألوف، لا جديد فيه، وأغراه ذلك برسم ثياب مغلقة فى فضاء اللوحة العلوى حيث بدت فى تدليها أشبه بكيانات إنسانية مشنوقة، وقد شهد تاريخ المنطقة فى قرون مضت مآسى تذكرها الفنان وأراد لنا أن نتذكرها بالإشارات الرامزة.
- على أن تلك الإشارات الطارئة تُعمق المشهد الاعتيادى، وتدعونا إلى تأمله من جديد ويدعونا - أحيانا - عامدا متعمداً إلى رسم مشاهد غير معتادة، شكلتها عوامل الهدم والبناء الإنسانى والطبيعى، فيتوقف بريشته وألوانه أمام أطلال، ويدرسها دراسة وصفية دقيقة، مُركزاً على الكتل والحجوم، ومقابلات الضوء الساطع والظل الكثيف، فى مثل هذه المشاهد لا يضيف إليها ما أضافه فى لوحة شارع الغورى، بل ينقل ما هو غريب فى الواقع المرئى إلى سطح اللوحة بأمانة تقتضى مهارة فائقة، يتمتع بها بالفعل زهران سلامة، وإذا كان الشئ بالشئ يُذكر فقد ذكرتنى لوحة ` أطلال` لزهران بلوحة للفنان الألمانى (كاسبرد دافيد فردريش -1774-1840) وهو أهم رسام للمناظر الخلوية فى ألمانيا ولوحة `فردريش` تسمى `بحر من جليد` ويُطلق عليها عنوان آخر هو:` تبدد الأمل أو فقدان الأمل` وهى تمثل آثار اصطدام مُروع لسفينه فى جبل عائم، واللوحة لا تُظهر أى أثرٍ للسفينة، بل تُظهر بجلاء كُتل الجليد المهمشة، وقد بدت خشنة الملامح، حادة الحواف، والمشهد فى جملته يلقى فى النفس شعورا بالإكتئاب، وهى حالة قد لازمت `فردريش` نفسه طوال حياته، وكانت ريشته التى لا نظير لها فى البراعة، لا تتألق تألقها الرائع إلا مع المشاهد الخلوية الموحشة، مثل مشاهد المقابر والأديرة التائهة فى البرارى وخلف التلال البعيدة، بينما ظهرت أطلال `زهران` تحت شمس مصر الساطعة وكأنها معرض لمنحوتات صنعتها المصادفات وجاءت بها إلى ريشةٍ حاذقةٍ فالتقطتها ونقلتها إلى سطح اللوحة، غير أن تلك الحيادية لا تظل كما هى فى كل الأحول، ففى لوحة: `أطلال أسوانية ` أو` أحجار أسوانية` - إن شئت - تتسلل إلى المشهد المرسوم روح شعرية مُرهفة ومن زار أسوان يجد أن عوامل التعرية قد نحتت فى أحجار الجبل أشكالاً تحسبها - للوهلة الأولى - من إبداع كبار المثالين!..
بقلم: محمود بقشيش
مجلة : الهلال (العدد 1) يناير2000
الفنان زهران سلامة (1939 - 2012) فنان كابد الحياة وقلق الوجود
- قد يبدو منطيقاً أن تكون عن ذكرى زميل عزيز أسهل كثيراً من الكتابة عن شخص عام من خلال أعماله المعروفة ، لكن الأمر بالنسبة لي أكثر صعوبة عند الكتابة عمن كانت تربطني بهم علاقة حميمة وذكريات ممتدة ، فأجد القلم ` يحرن ` ويتعثر ، ليس من ألم الذكريات ، بل من اضطراب النفس أمام من كان جزءاً من ماضيك منذ مطلع الشباب حتى خريف العمر ، ومن كان يقف معك على أولى عتبات المستقبل وأنتما مدفوعان بأروع الأحلام والتطلعات ، ومن شاركك أولى لحظات النجاح وأقصى لحظات الأنكسار ، والمشكلة تكمن في كثرة المداخل وتشابكها ، فلا تعرف من أين تبدأ للدخول إلى هذا الإنسان الذي فارق عالمنا فجأة بعد جلطة في المخ لم تمهله كثيراً ، ولا تمتلك إلا أن تنتظر حتى تهدأ النفس وتعتاد الموقف كقضاء لا راد له ولا اختيار فيه .
- عن الفنان زهران سلامة أتحدث ، وقد مضت على رحيله أسابيع قليلة ، ولا أستطيع أن أتحدث عنه دون أن أتحدث عن دفعتى 62 - 63 من خريجي كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، إذ كان أحد رموزهما ، وكانتا معاً تمثلان مضخة ثقافية وإبداعية بالغة التأثير فى الحركة التشكيلية ، حيث اجتمعت فيهما كوكبة استثنائية من المواهب ، حركت كثيراً من المياة الراكدة فى واقعنا الفني والأكاديمي، واستطاعت أن تنفذ إلى مواقع عدة ذات تأثير مباشر على ذوق المواطن العادي وثقافته البصرية، أبلغ من تأثير فنون التصويروالنحت والحفر التى انحصرت بداخلها الحركة الفنية أجيالاً متصلة، متعالية على واقع المجتمع الذى يعيش فى عزلة عن الفن .. كان تأثيرها من خلال فنون أخرى مثل فن الكاريكاتير وفن الإخراج الطباعي ، وكانت موهبة زميلنا محي الدين اللباد فيهما لا تبارى ، ومثل الرسم الصحفي ، الذي لمعت فيه أسماء من أبناء الدفعتين : نبيل تاج ، جودة خلفة ، محمد حجي ، إسماعيل دياب ، مكرم حنين ، جميل شفيق ، والنقد التشكيلى الذى تفوق فيه محمود بقشيش، والتأصيل التاريخى للفن المصرى القديم، وتميز فيه عبد الغفار شديد والدسوقي فهمي ، فضلاً عما جادت به مواهب بعضهم في مجالات أخرى - بجانب الإبداع الفنى - مثل كتابة القصة والإنغماس فى العمل السياسي أو الثقافي العام والوصول بهما إلى المناطق المحرمة بالريف ، وهو ما كان لى شرف الإنخراط فيه .
- كان زهران سلامة من أكثرنا إلتصاقاً بواقع الريف الذي أتى منه ( ولد فى إيتاى البارود بالمنوفية 1939)، وكان بوسعك أن تشم في لوحاته عبير الريف وزخم ألوانه وبؤس أبنائه وخشونتهم وبساطتهم ، وطل حتى آخر أعماله مختفظاً بدرجة عالية من المهارة التقنية في إلتقاط أدق تفاصيل هذا الواقع بدون تزييف أو تحريف أو بحث عن جمال شكلى، كان يرى دائماً فى ذلك صدقاً وأمانة ومسئولية لا ينبغي التخلى عنها ، وتلك الصفات كانت - فى الحقيقة - هى العاصم له من الوقوع فى شرك التقليد الفوتوغرافى للواقع ومن الأتهام بالجمود وعدم الإبداع .
- ذكر موقفاً له، ونحن فى السنة الثالثة بقسم التصوير، حيث كان زهران كثير التغيب عن الدراسة لإنشغاله بالبحث عن تأمين معاشه هنا وهناك، مثله مثل كثيرين ممن جاءوا من أدنى درجات السلم الطبقي الذين أتاح لهم نظام التعليم المجاني في عصر عبد الناصر حق التطلع إلى الدراسة الجامعية والنبوغ فى مجالات لا تحصى بل والحصول على مكافأة شهرية للتفوق ، لكنه كان أكثرنا كفاحاً وتضية، فكان يضطر إلى إنجاز(المشروع - وهو إحدى لوحات أعمال السنة) فى جلسة أو اثنتين أمام` الموديل`، مما يجعله يرسم بسرعة فائقة مستخدماً` فرشاً` عريضة يضرب بها سطح اللوحة بإنفعال أقرب إلى اللهاث وكأنه في حالة حمى تعبيرية ، وكان القليل من الأساتذة يتفهم ذلك ويجد فيه إبداعاً وتميزاً ، أما أكثرهم فكانوا يرون فيه إهمالاً واستهتاراً ، وأذكر أن أستاذنا الفنان الكبير عز الدين حمودة - وكان مشهوراً بالتشدد الأكاديمي وبالأناقة في الرسم - دخل الأتيلية يوماً ونحن مستغرقون في استكمال المشروع في اليوم الأخير قبل تسليمه ، ووقف خلف زهران سلامة يتأمل لوحته المهوشة بكثير من الخطوط ، ويبدو أنه كان قد بدأ في رسمها صباح ذلك اليوم، بينما نحن نواصل المشروع منذ أسبوع ، أشار الأستاذ إلى خطوطه المهوشة قائلاً:
إيه دي يا بنى ؟ ... طيب هنا الخط الرئيسى للموديل .. والعشرة دول اللى جنبه بيزفوه ؟!
- كان ذلك كافياً لإحباطه، فترك لوحته ناقصة وغادر المرسم والكلية أيضاً.. لكننا كنا ندرك أن لوحته كانت الأكثر صدقاً وتعبيراً عن حالة ` الموديل` البائسة بين أعمال المجموعة.
- ومن دواعى الدهشة أنه بعد تخرجه ، وفي سنوات نضجه ، صار أكثر ميلاً إلى التأني في الرسم والتأمل فى التفاصيلى، وإلى تقصى مصادر الضوء وانعكاسات الظل للكائنات والأشياء، وتجمعات الخطوط وافتراقها فى حركة داخلية تضج بالحياة،أو حالة من الهمس اللونى بأقل قدر من الألوان وأكبر قدر من الدرجات البينية التي يغلفها الجو الرمادي ، باحثاً عن الأتقان والكمال وكأنه فى حالة من المنافسة مع الطبيعة...أكان بذلك يحاول أن يتحدى أستاذه الأرستقراطى بأستاذية خاصة به ؟ ..أم كان يتحدى كروب الحياة التى تكالبت عليه طوال عمره بغير رحمة أو عدل : من هموم الأبناء والعيش، إلى شراسة المرض وحوادث الطريق؟ .. أم كان يختزل الإبداع في خلق واقع مواز أشد واقعية من الواقع الخارجى؟ أم أن نوازل الأيام وكوابح الجيشان التعبيري قد جعلته يلزم الممرات الأمنة للأسلوب الوصفى؟ .. أم كانت طاقة التمرد التى تملكته فى سنوات الشباب قد آلت إلى حالة من التصالح مع الطبيعة والواقع ، ودفعته للاستمساك بأرض يعرفها ويملكها ويوجهها أينما شاء ، مفضلاً إياها على اللعب فوق يعرف إلى أين تأخذه دوامتها المتلاطمة؟
- وإذا كان زهران قليل الظهور فى أتيلية قسم التصوير فى سنوات الدراسة، إلى حد اضطراره إلى تأجيل تسليم مشروع التخرج إلى عام 1963 متأخراً عن زملاء دفعته ، فقد كان دائم الظهور فيما أسميه` مستعمرة الفنانين بالعجوزة` تلك الشقة الصغيرة في بدروم إحدى عمارات شارع أبو المحاسن الشاذلي ( خلف مسرح البالون الآن ) .. هناك حيث يقيم بصفة دائمة أو متقطعة أكثر أبناء دفعات 61 ، 62 ، 63 بالكلية : عدلي رزق الله ، نبيل تاج ، محي الدين اللباد ، جميل شفيق ، مكرم حنين ، جودة خليفة ، محمود بقشيش ، الدسوقي فهمي ، إسماعيل دياب ، وكاتب هذه السطور .. هناك حيث يلتقون بمثلهم من الكاتب والشعراء القادمين ` بعبلهم ` للتو من أقاصي الصعيد أو النوبة أو الدلتا أو المنزلة . بدءاً من محمد جاد كاتب القصة والمبشر برسالة أخناتون ، وكان عمدة الشقة وعمودها الفقري ، ثم عبد الرحمن الأبنودي ، سيد حجاب ، سيد خميس ، خيري شلبي ، خليل كلفت ، عبد الرحيم منصور .. هناك حيث لا وجود للملكية الخاصة ( لأنها من صفات البرجوازية المقيتة) ، ولا مكان للأنفراد بالنفس أو للتأمل ، فذلك ترف لا يقدر عليه أمثالهم ، كانوا مجاذيب فن وشعر وقصة وسينما وسياسة ، وكانوا مدمنين لأحلام كبيرة لهم ولوطنهم، مؤمنين بعبد الناصر وساخطين عليه ، مؤمنين بالإشتراكية ورافضين أسلوب تطبيقها السلطوي المعادي للنقد والديمقراطية ، قارئين نهمين لكتب الفكر والفلسفة والأدب والفن والتاريخ ، يشترون بعضها بقروش قليلة من سور الأزبكية ويتبادلونها كالحشيش وقد يختلسونها أحياناً إذا عز المال ... يأكلون فى إناء واحد دون أن يسألوا من الذى دفع اليوم ثمن الطعام ، فما في جيب أحدهم ملك للجميع وكذلك ملابسه وكتبه .. فى الأمسيات والليالى الطويلة يستغرقون فى مناقشات مدارس الفن والسياسة، ويحاكمون رموز النظام وأساتذة الكلية ويغتالونهم بالسخرية والنكات، ينامون قليلاً ويقرأون ويرسمون كثيراً حتى وسط صخب النقاش، يحفظون القصائد البكر للأبنودى وحجاب وعبد الرحيم منصور وصلاح جاهين وفؤاد حداد، ويتبادلون همساً أنباء المعتقلين السياسيين فى سجون عبد الناصر ومنشوراتهم السياسية الفاضحة للنظام ... ويستعرضون غزواتهم الأولى لمجتمع الغناء والطرب والنشر والتلفزيون بحثاً عن موطئ قدم لأغنية هنا أو سيناريو هناك، فيما يحاول الرسامون غزو زور اليوسف ودار الهلال - حتى مجلة سمير - برسومهم للكبار وللأطفال، أما كتاب القصة( ومنهم طلبة الكلية : بقشيش وفهمى ونجيب ) فكانوا يسعون لنشر قصصهم فى صحيفة المساء وقت أن كان يرأس تحريرها خالد محيي الدين،بل تجرأوا فنشروا أول مجموعة قصصية مشتركة بأسم ` عيش وملح ` قدم لها الأديب الكبير يحيى بحفاوة بالغة.
- كان زهران يظهر ويختفى بغير إبداء الأسباب، وبغير أن يسأله أحد أين ذهب ، فذلك هو العرف بين الجميع، لكنه كان أستبقنا فى الحصول على وظيفة بهيئة الكتاب حتى قبل أن يقدم مشروع التخرج للحصول على البكالوريوس .. وهكذا اعتقلته الوظيفة مبكراً، وسرعان ما قذفت به إلى الإسكندرية ملحقاً بفرع الهيئة هناك .. وهناك أيضاً جمعتنا الأقدار من جديد عام 1963، حيث تم تعيينى بقصر ثقافة الحرية ( نادى الأسرة الملكية سابقاً بأسم محمد علي كلوب ) ، لكنني اختنقت بالجو الأرستقراطي المعقم بالقصر ، وما أن عملت بأنه يجري بناء قصر جديد للثقافة في حي الأنفوشي الشعبي حتى طلبت نقلي إليه ، وأقمت قبل اكتماله بإحدى حجرات الممثلين في مسرحه ، وأسست فيه مرسماً واسعاً للفنانين والهواة ، وكانت زميلتي في العمل الفنانة رباب نمر ، والتأم شملنا مع خريجي الدفعة الأولى لكلية فنون الإسكندرية ( دفعة 62 أيضاً ) فصاروا من أصدقاء المرسم والقصر : سعيد العدوي ، مصطفى عبد المعطي ، فاروق شحاتة ، وكانوا قد عينوا معيدين بالكلية ، بل انضم إلى المرسم عدد من طلبة الفنون الجميلة بالثغر : عصمت داوستاشي ، رأفت صبري ، كريمة ............. وآخرون ........ ووجد زهران معنى جديداً للمرسم يختلف تماماً عن مرسم الكلية : لا فرق بين أستاذ وطالب .. لا واجبات .. لا مشروعات .. لا مواعيد تسليم .. لا تحكيم .. ولا درجات ... وكنا كلانا غريبين عن المدينة فأقمنا في شقة مشتركة بحي اسبورتنج حيث تنخفض قيمة الإيجار بعد شهور الصيف ، ثم إلتقينا بالشاعر أمل دنقل الذي كان موظفاً بجمرك الإسكندرية ويقيم في لوكاندة بميدان المنشية ، فصرنا جماعة صغيرة لا تكاد تفترق في الأمسيات الباردة والمملة على مقهى النيل بميدان المنشية الذي يتجمع فيه شعراء الثغر ، وبينما كان ` أمل ` هو المشاكس المستفز للجميع ، خالطاً الجد بالهزل مع بعض الخبث ، فارضاً مسافة بينه وبين الآخرين ، كان زهران دائماً هو الحكاء لحكايات القرية والناقد اللاذع لكل شئ لكن بغير خبث ، والمؤمن بأن في الحياة دائماً شيئاً خاطئاً يجعلها مختلة فاقدة للإتزان والمنطق .. كان يكتب أحياناً ولا يحاول نشر ما يكتبه ، شئ من الشعور بعدم الأهمية ، أو بعدم الجدوى ، أو بعدم الرضا ، إنه يقابل كل شئ غريب بهذا السؤال : وإيه يعني ؟ .. وهكذا كان يحلق مع السرب يوماً ومع نفسه أياماً ، كثير الغياب والزوغان ، خاصة بعد أن خطب الفتاة التي تزوجها فيما بعد في القاهرة ، فكان يختفي دون سابق إنذار ، وحين يعود نواصل ما كنا فيه وكأنه حدث بالأمس فقط .
- في أحد أيام شهر مارس 1964 قرأنا في الصحف عن سفر فوج من الفنانين تم اختيارهم لزيارة السد العالي وبلاد النوبة لرسمها قبل أن تغرقها بحيرة السد ، أكلت الغيرة قلبينا ، خاصة وأن بعض الزملاء من جيلنا بالإسكندرية - أعضاء جماعة التجريبيين - كانوا ضمن المدعوين لهذا الحدث التاريخي .. كنا - زهران وأنا - موظفين صغيرين فقيرين ، لا يتعدى مرتب الواحد منا 15 جنيهاً ، ومع ذلك قررنا أن نسافر وحدنا على نفقتنا الخاصة .. كيف ومن أين نأتي بثمن التذاكر في القطار وأين نقيم في أسوان ؟ .. لم نستغرق في التفكير كثيراً .. أعددنا حقائبنا وأوراقنا وألواننا وحاملي الرسم ، ودفعنا قيمة اشتراك كيلومتري بقطار الدرجة الثالثة من الإسكندرية إلى أسوان والعودة بأقل من جنيه لكل منا ، وانطلق بنا القطار ليقطع المسافة في 16 ساعة ونحن جالسان على الدكك الخشبية بجوار النوافذ المكسورة يلسعنا الهواء ويكسونا الغبار ، وذهبنا بترابنا وجوعنا إلى موقع العمل بالسد ، حيث كان يعمل هناك مهندس قريب لزهران من بعيد ، سمح لنا بالإقامة معه في حجرته يوماً واحداً ، ولم يحتمل ما أحدثناه من فوضى بأدواتنا التي ازدحم بها المكان ، فكان علينا أن نرحل دون أن نعرف إلى أين ، لكن انهماكنا في الرسم - وكأننا في مهمة مقدسة - أزال عنا أي إحباط بل زدانا تصميماً ووجدنا ملاذنا بقصر الثقافة في أسوان ، حيث رأف بحالنا زميل بقسم الفنون التشكيلية وتكرم علينا سراً بحجرة خالية بدون أثاث أقمنا بها على البلاط عدة أيام ، أو بدقة أكثر : كنا نأوى إليها في الليل دون أن يرانا أحد ونغاردها في الصباح الباكر قبل أن يصل الموظفون إلى القصر ، أما اليوم بطوله فكنا نقضيه متنقلين بين موقع العمل بالسد وبين قرى النوبة التي لم تغرقها مياة البحيرة ... كنا نرسم ونتأمل ونعيش الحياة مع أناس بسطاء ، نماذج بشرية تتمتع بصفاء الفطرة وأصالة الروح المصرية الصميمة ، وجوه برونزيه وابتسامات صافية وملامح تذكرك برسوم قدماء المصريين .. أما لوحات العمل بالسد فكان اهتمامنا الأكبر بالعمال الكادحين في احتمال أسطوري ، وإذا رسمنا الآلات والمعدات جعلناها تبدو إنسانية أو كخلفية للعمال ، نفدت ألواننا وأوراقنا فرحنا نرسم بالفحم على ظهور اللوحات المرسومة ، دون أن نسمح بأن تتسرب منا دقيقة واحدة بغير إنجاز .
- عندما عدنا إلى الأسكندرية كانت إقامة المعرض هي شغلنا الشاغل ، وبقينا لعدة أسابيع نجهز له ونستكمل اللوحات بحماس أكبر من حماسنا عند تنفيذ مشروع التخرج من الكلية ، لقد كان المعرض حقاً هو الإمتحان الحقيقي لنا والإعتراف بنا كفنانين لأول مرة ، وكانت النتيجة فوق ما كنا نحلم ، فلم تكن اللوحات مجرد تسجيل لما شاهدناه ، بل كانت تعبيراً ملحمياً محتشداً بتحدي الإنسان للطبيعة ، وكانت إعادة اكتشاف لعالم مجهول خلف الجبال والرمال ، وخلف نهر استطاعت إرادة البشر تحويل مساره لخق حياة جديدة .
- ومثلما كانت طبيعة زهران تجعله يختفي ثم يظهر بدون منطق معلوم بالنسبة لأصدقائه ، فقد كانت الحياة تأخذه من عمل إلى علم ومن بلد إلى بلد ، يعيش الحياة أكثر من أن يقلسفها أو يترجمها ، يجرب أشكالاً وتقنيات فنية مهوماً بالتواصل الفني مع بسطاء الناس ، فيجرب الرسم والطباعة بواسطة الشاشة الحريرية ، ويجرب تنفيذ اللوحات بقصاصات القماش الملونة بطريقة الخيامية ،ويجرب خلط الأكاسيد واستخراج الألوان الزيتية وخامات الرسم الأخرى ، حتى أنه قام بتأليف مجموعة كتيبات تعتبر أول موسوعة مصغرة بمصر في هذا المجال ، ويقيم في قصر المسافرخانة بحي الجمالية قبل أن يحترق ويدمر تدميراً كاملاً بعد أن دمرت أنا فيه ب 13عام ، فيستعيد حماسه للتصوير الزيتي ، وينتج مجموعة كبيرة من اللوحات أقام به عدة معارض خلال سنواته العشر الأخيرة ، من بينها لوحاته عن المسافرخانة التي أصبحت وثائق هامة للأثر الضائع ينبغي الحفاظ عليها كمقنيات لمتحف الفن الحديث .
- ولإنتقاله إلى مرسمه بالقصر حكاية جديرة بأن أرويها ... كنت قد شغلت وظيفة مدير مراسم الفنانين بهذا القصر سبع سنوات ( 69- 1976 )، وانتهت نهاية مأسوية على أيدي مأجورين ومخبرين لتحطيم لوحاتي وعظامي بتواطؤ بين الإدارة ومباحث آمن الدولة في صيف 1976 ، واستمر النزاع في المحاكم مع وزارة الثقافة ثلاث سنوات حتى حكم القضاء باستردادي وظيفتي ومرسمي ، لكنني لم أستطيع نفسياً العودة إلى المسافرخانة ، فوافق زهران على تبادل مرسمينا .. هكذا حللت محله في وكالة الغوري وحل هو محلي في المسافرخانة ، حتى تم إحراق القصر وإزالته من الوجود عام 1999 ، بينما ظللت أنا في مرسمه القديم بوكالة الغوري حتي 2019.
- لم يشعرني قط أنه قدم جميلاً إلي وكان ، كشأنه دائماً ، يفعل ما يفعل ثم يمضي بدون أن يلتفت وراءه ، كان دائماً يقف عند حافة الأحداث والقضايا دون أن ينغمس في مشاكلها ، في السياسة كما في القضايا الفنية والثقافية ، مهموماً بها وغير مبال أو مكترث في الوقت ذاته ، قد يتظاهر بذلك مفضلاً الأنغماس في شئ عملي ذى جدوى ، بعيداً عن المعارك الوهمية أو الجوفاء للمثقفين ، ومع ذلك قد يشتبك في صراع ضار مع رمز من رموز الحركة الفنية - مثل حسن سليمان - لأسباب غامضة يمكن أغلبها تحت السطح مثل جبل الجليد ، وتزداد الخصومة إلى درجة إصداره كتيباً يتهم فيه حسن بالسرقة الفنية واستنساخ لوحاته من صور فوتوغرافية ، معرضاً نفسه للرد عليه بنفس التهمة .. كونهما ينتميان إلى مدرسة فنية واحدة !
- لماذا فعل ذلك ؟ .. ولماذا شغل نفسه في أحيان أخرى بقضايا هامشية ومشروعات خاسرة لا تثمر في أغلب الأحيان ؟.. أسئلة حائرة تركها خلفه بغير إجابة ، إلا كونها تعبيراً عن قلق وجودى وعن أزمة تحقق إبداعي ، لكنها أبداً لا تنتقص من جوهر شخصيته الثرية ، دائماً البحث عن مخرج مشرف من ورطة الوجود !
- كان زهران سلامة آخر الصعاليك العظام لفناني جيل الستينيات ، وتحديداً جيل دفعتي 62 ، 63 ، انطفأت من بينهم شموع كثيرة مثل : محيي اللباد ومحمود بقشيش ومحمد قنديل وإسماعيل دياب وجودة خليفة وجميل شفيق .. وها هى شمعة أخرى تنطفئ فى صمت ، وعزاؤنا أن بعض من بقى منهم لا يزال يواصل مسيرة الإبداع متحدياً وهن المرض وثقل السنين : مكرم حنين ، محمد حجى ، حسام غريبة ، الدسوقى فهمى، مصطفى فاضل، محمد نوار، وهبه حنفى، سمير ثابت ... أمد الله فى أعمارهم وأضاء شموعهم.
بقلم الناقد :عز الدين نجيب
من كتاب ( الفنان المصرى وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية)
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث