بخيت فراج حماد محمد البارى
بخيت فراج عاشق الالوان المائية..
- تالق بخيت فراج باعماله المائية التى عشقها لتستجيب لانطباعاته دون تردد او افتعال متعلقا بالطبيعة ريفها وحقولها وبحرها وزهورها التى يحليلها الى كائنات عضوية تشير الى صفات جديرة بالتقدير اختص بها الفنان تمده باسرارها وبواطن الجمال فيها وتبوح له بدقائق تفاصيلها يحاورها متاصلا عاشقا راهبا يضفى اليها اسلوب المنفرد ممتلكا اسرار الخاصة الصعبة فالالوان مترجما رؤيته الذاتية لالوان الطبيعية ينقلها قيود الرؤية السطحية المباشرة الى عالم جديد يزيد متعه تاملنا للطبيعية ويذى منها لاسرارها .
جريدة الاهرام 5 /10/ 2001
الفنان بخيت فراج عاشق الألوان المائيّة
- استخدم الانسان الألوان المائية منذ آلاف السنين للكتابة على الورق والنقش على الجدران والبرديات، كما استخدمها الرهبان فى مخطوطاتهم الخاصة. واهتم الفنان الألمانى`آلبرخت دورر ` (1471- 1528) اهتماماً شديداً بخلط الألوان والعناية بشفافيتها، وقد خلّف الكثير من الأعمال الفنية التى مازالت محفوظة فى فينا، كما يعدّ الفنان الانجليزى `بول ساندياى` (1725- 1809) أول الرواد الذين فتحوا الطريق للألوان المائية لتحتل مكانتها أمام الأجيال القادمة.
- وتعد بريطانيا المركز الرئيسى للألوان المائية إذ ضمت كبار الفنانين أمثال: `وندسلو هومر، جيمس ماكثل، جون سنجر، سارخبت، وتوماس ايكنز` وفيها تكونت الجمعية الملكية للألوان المائية.
- وفى مصر تكونت أول جمعية لمحبى الألوان المائية على يد الفنان الراحل `حبيب جورجى` ضمت نخبة ممتازة من تلاميذه بمدرسة المعلمين العليا منذ عام 1924، وكان أبرز أعضائها شفيق رزق ونجيب أسعد ولبيب أيوب.. وغيرهم ممن لفتوا نظر أساتذتهم بحبهم للألوان المائية.. وقد أظهروا نشاطاً واسعاً خلال معارض الثلاثينات من هذا القرن وحظيت أعمالهم باهتمام خاص، وارتقت بمستوى الألوان المائية وشكلت مدرسة متميزة.
- ومن أحفاد هؤلاء `بخيت فراج` الذى مازال متمسكاً بخامته المفضلة التى تجرى فى دمائه أصالة تاريخها ووفاؤه لأساتذته.
- نشأ الفنان بخيت فراج فى احدى قرى محافظة أسيوط.. وعاش مع ليلها ونيلها ونخيلها.. وطيورها وحيوانها..
- وكان لتأمله الدائم للطبيعة فى مصر والسودان، والسعودية أثره فى إنتاج كثير من الأعمال الهادئة اللون، الواقعية التكوين، المملوءة بالأمل والتفاؤل، الواعية بأهمية القيم الجمالية والحسية لإخراج الموضوع بصورة جيدة التكوين والتقنية.. أقام فى السودان ثلاثة معارض، وألّف جماعة فنية أطلقت على نفسها جماعة `الفرقة الزرقاء` نسبة إلى المكان الذى كان يلتقى فيه مع تلاميذه ومنهم الآن من هم على قمة الحركة الفنية فى السودان، كما أقام فى السعودية معرضاً كان له صدى واسع فى الصحافة والإعلام وكانت له معارض كثيرة واشترك مع أستاذه شفيق رزق فى أول معرض لتاريخ الفن المعاصر يشترك فيه الأستاذ والتلميذ، وأدرك جمهور المشاهدين دور الصداقة المثمرة فى الفن بين التلميذ والأستاذ..
- إن أعمال الفنان بخيت فراج تطالعنا بطابعها الرقيق وأسلوبها الصريح، وتكشف عن شخصية لها سماتها وأصالتها فى اختيار تلك الخامة التى تستجيب لانفعالاته دون تردد أو افتعال مستخدما إياها فى دراسة الطبيعة التى يحسها ويعشقها فينقلها بأنامله باخلاص فى الرؤية. فالمتأمل لبعض لوحاته يجد أنه فى لوحة: `زوارق الشاطئ` يتجه إلى الطبيعة مباشرة يختار منها لحظة الضوء، كما يختار المشهد الذى يوحى بجمالية تشكيلية، ويعالج عناصر الموضوع بتكوين هادئ متوازن صاف يقترب من الحس الهندسى مسيطراً على خامة الألوان المائية متفهما طبيعتها المتميزة.
- وفى لوحة `الشجرة الجافة` تبدو النزعة الصوفية البعيدة عن البهرجة اللونية حيث التزم فيها الفنان بمقام لونى هادئ بدرجات حساسة مرهفة تتلاحم فيها الفكرة بالخامة والموضوع واللون بالشكل ليؤكد مضمون التشكيل الجمالى.
- أما لوحة `الغروب` فيؤكد فيها الفنان على الدراما المرئية للمشهد اللونى لأفق محتضر بدرجات حمراء عالية الحدة مع احساس لونى داكن لمساحة من نخيل الشاطئ يتخللها لمسات من اللون الأحمر الدافئ مع انعكاس إيقاعى على مسطح النهر، وعلى الأفق البعيد يسبح شراع أبيض ناصع يؤكد بهما الفنان ثلاثية: الليل، النيل والنخيل..`.
- وفى لوحة `نخيل الشاطئ` تبدو سماء مصر الصافية وشواطئها ونخيلها دائما كمحور لتأملات الفنان بحكم نشأته الريفية فى صعيد مصر ليكوِّن منها دائماً لغته التشكيلية.. تحتل السماء مساحة عريضة من اللون يتحرك فيها كم هائل من سحب تشكل نفسها بنفسها فى حركة هادئة ليلتقى الأفق مع مسطح النخيل مؤكداً صدق الرؤية ونجاح التعبير والتفوق فى نقل المشهد.
وإذا نظرنا إلى `قرية وخريف` نرانا أمام مضمون حى متميز استخدم فيه الفنان تنغيمات إيقاعية لسحب غاربة قريبة من الرمادى مع لمسات بنفسجية تهدئ من دفء لون الأرض التى تسيطر عليها ألوان بنية وصفراء وحمراء ليعطى إحساساً خريفياً يسيطر على اللوحة بنسيم لونى متميز..
- أما `الأزهار` كموضوع فهى مجرد عنصر يحقق من خلاله الفنان القيمة التشكيلية التى يبحث عنها، فالزهرة هنا تحولت من مدلولها الشائع إلى شكل وحجم ولون ووضع وعلاقة، وقد وُفِّق الفنان فى ترجمة موضوعه إلى قيمة تشكيلية تجمع ما بين احساس راقٍ باللون ورسم ذى مستوى عال فى التعبير.
- وفى لوحة `أضرحة` يتمثل الزهد التشكيلى والتقشف اللونى مع التلوين الفطرى الوجدانى التلقائى...
- وإذا كنا نقدم اليوم الفنان بخيت فراج من خلال بعض أعماله بالألوان المائية فذلك لأن لها طابعاً خاصاً وجمالاً مميزاً إذ يضع كل لمسة فى مكانها الصحيح ويعطيها وظيفتها المحددة... الأشجار.. المنازل.. الحقول الخضراء يغمرها جميعاً جو مشترك يتلاشى فى ثناياه وجودها المستقل من أجل تحقيق الوحدة الكلية والدلالات الكامنة وراء اختيارها.
بقلم : د. /فرغلى جاد أحمد
مجلة: إبداع ( العدد 6 ) يونيو 1988
الفنان بخيت فراج (1939 - 1997) وفصاحة الألوان المائية
- صفات عدة أُطلقت عليه مرتبطة بفن الرسم بالألوان المائية: فارس، ملك، شاعر، عاشق، عازف، صفة واحدة لم تُقل عنه هى: عابد.. ففيها ذلك السمو الروحانى الذى يرقى بالفن فوق أغراض الحياة المادية صاعداً إلى حياة سرمدية تتواصل فيها الروح مع ذات الخالق الأعظم وفيها صفاء نورانى شفيف وزاهد كإشراقات الصوفية بغير طقوس مظهرية، وفيها حس إيمانى يشيع السلام والحب ويضفى الجمال والنبل حتى على أدنى المخلوقات، فتبدو اللوحة تسبيحاً صامتاً بلغة شفرية للتواصل مع كنه الوجود وهذه جميعا من تجليات فنه.
- بخيت فراج (1939- 1997) ابن محافظة أسيوط فى قلب صعيد مصر، التى شهدت على مر التاريخ حقبة من الحضارة المزدهرة عبر الديانات الفرعونية والمسيحية والإسلامية ولا تزال تحتفظ بدير السيدة مريم العذراء خلال رحلتها إلى مصر هاربة بالسيد المسيح طفلاً، فأضحى رمزاً ومزاراً عالمياً، وبمسجد العارف بالله العالم جلال الدين السيوطى، وبمقابر المماليك الذين هربوا إليها من بطش محمد على بهم، محتمين بكهوف جبالها الوعرة التى ظلت مأوى لمطاريد القانون فى جرائم الثأر حتى أصبحت لهم دولة وسطوة، فكانت للطرفَيْن الهاربَيْن ملاذا مدعوماً بسماحة الكرماء - حتى للظالمين - ما داموا قد طلبوا الحماية من أهلها، ومسلحاً بسطوة العادات والتقاليد البدوية الوافدة من قبائل الجزيرة العربية بعد الفتح الإسلامى، وفوق ذلك كانت مركزاً للإقطاع الذى نجد شواهده باقية حتى اليوم بعد أن زالت دولته، متمثلة فى قصور شاهقة على شاطئ النيل، تحكى صفحات من القهر الذى عانت منه أغلبية معدمة عاشت فى كنف الأثرياء وفى خدمتهم وهى لا تملك غير الرجاء من الله .. وإذا كانت الطبيعة قد أسرفت فى قسوتها على أسيوط بمناخها الحار واختناقها فى شريط ضيق على ضفة النيل فوق مساحة ضئيلة، إلتهَمَ الإقطاع أغلبها فى الماضى، وجعلت من المحافظة نموذجاً للفقر والتخلف، فقد حَبَتْها بجمال أخَّاذ من خلال نهر النيل الذى يسرى تحت أقدامها حاملاً عطاء لا ينفذ من الخير والعذوبة، وبذخاً فى سمات المشهد البصرى على شاطئيه، بات مُلهما للفنانين والشعراء الذين لا تكف المحافظة عن إنجابهم جيلاً بعد جيل.
- أخيرا جاء بخيت فراج - بسنوات عطائه الثلاثين - ليسهم فى تغيير الصورة القاتمة لأسيوط مختراقاً حالة المركزية التاريخية للثقافة بمصر، التى تجعل القاهرة مركزا لكل الأضواء وتحجب فرص النجاح والتحقق عن النابهين فى شتى الأقاليم خاصة بالوجة القبلى، وربما كان المبدعون بالكلمة منهم أحسن حظاً لقدرتهم على العبور من خلال وسائل النشر إلى عالم الأضواء أكثر من التشكيليين، هكذا أفلت فراج من حصار الصمت والتجاهل حتى اختيرت لوحاته أبان موجة الإرهاب المتمسح بالدين فى التسعينات، لتكون سفيراً حضارياً لمصر فى جمهورية رومانيا، حيث طافت بعدة مدن هناك تنفيذاً لاتفاقية التآخى بين محافظة أسيوط ومقاطعة ياسن بجمهورية رومانيا، وذلك قبل رحيله عن دنيانا بشهور قليلة، ما يعطى رسالة بأن هذا الفنان العذب لا يمكن أن يكون أبنا لبيئة متخلفة ترعى الإرهاب، بل هو تعبير عن الوجه الآخر المكتنز بإرثه التاريخى المتحضر.
- ولد بخيت بمركز الغنايم التابع لأسيوط، والتحق بالمعهد العالى للتربية الفنية بالقاهرة عام 1957 وتخرج عام 1961 بمرتبة الشرف، ليصبح بذلك مؤهلاً لتدريس الفنون لتدريس الفنون بمدارس وزارة التربية والتعليم فى أسيوط واستمر فى الترقى حتى عين مدرساً بكلية التربية جامعة أسيوط، وانتدب لتدريس التصميم الداخلى ونظرية اللون بقسم العمارة بكلية الهندسة فى نفس الجامعة.
- ورغم إخلاصه لرسالته التربوية إلى درجة التفانى - حيث ساهم فى اكتشاف وتنمية قدرات العشرات من أصحاب المواهب، فإن طموحه ظل مرتبطا بالفن لذاته، متأثرا فى ذلك بأستاذه فى المعهد شفيق رزق (1905 - 1989) الذى يلقب برائد الرسم بالألوان المائية فى مصر، لتخصصه فيه وتمكنه من تقنياته حتى تربع على عرشه خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، ولم يكن يبخل على تلاميذه بما وهبه الله، ولم يكتف بواجبه الذى تمليه عليه أستاذيته، بل كان يتقرب إليهم كأب لهم ويرعاهم ويشجعهم بكل الوسائل وينقل إليهم عشق الطبيعة وعمق الانتماء .. هكذا فعل تلميذه بخيت فراج وعاش حتى النهاية وفياً له معترفاً بفضله، وإذا كنا نجد أوجه تشابه عدة بين أسلوب شفيق رزق وبين أسلوب بخيت فراج من حيث تصوير مشاهد الطبيعة الريفية بأسلوب انطباعى، ووجود مسحة من الشفافية والانسيابية لعناصر التكوين، ودقة الملاحظة لعناصر الواقع وتميز اللوحة بالهارمونية المنسجمة لونيا وخطيا، فقد تميز فراج عن أستاذه بقدر أعلى من النعومة، وبنوع من الضبابية التى تشف عما وراءها كما تشف ستارة الدنتللا عن مشهد من وراء النافذة، كذلك يتميز عنه بتنوع `البالتة` اللونية: بين الألوان الباردة والساخنة، وما بينها من تدرجات لا نهائية، فاكتسبت اللوحة مزيداً من الحيوية التى تجعلها تتجاوز محدودية الموضوع الواقعى، لتصل إلى مستوى الحالة التعبيرية النابعة من ذات الفنان أكثر من تسجيل معالم المكان وحركة الضوء بمظور وصفى.
- ولعل الفضل فى ذلك يعود إلى البعثة الدراسية التى حصل عليها إلى انجلترا فى الحقل التربوى (1984 - 1987) عن طريق الهيئة الدولية للنقد التعليمى بلندن، حيث تتلمذ من جديد على الأصول الكلاسيكية للألوان المائية على يد البروفيسور بتريك بارتلى رئيس قسم الفنون بالهيئة، وقد اكتسب خلال بعثته مهارات فاقت أقرانه الإنجليز حتى كتب عنه أستاذه لدى تخرجه تقريرا يقول فيه:
- `الفنان بخيت فراج رسام ألوان مائية ذو قدرة فائقة، فهو يستخدم الألوان المائية بمهارة ومقدرة فائقة من الذكاء، ويجمع بين إحساس راق باللون ورسم ذى مستوى فى غاية الذكاء والابتكار، ويسجل فى رسومه طبيعة البيئة المصرية بخيال عظيم وملاحظة دقيقة، وتظهر لمسة التصميم داخل الصورة بدقة غير عادية، وقد لمست خلال فترة عملى معه أسلوبه الشخصى فى الرسم المتطور إلى أن وصل إلى النضج الكامل` .. إن ما كتبه البروفيسور باركلى شهادة لا يستهان بها، كونها صادرة من أحد أبناء المدرسة الإنجليزية وهى الأشهر فى تاريخ الرسم بالألوان المائية ولم يكن بحاجة للمبالغة أو المجاملة فى أحكامه، ولم يكن ذلك نهاية المطاف فى علاقة فراج بإنجلترا وحركتها الفنية بل كان مجرد بداية، حيث منح عضوية الجمعية الملكية للصداقة فى الألوان المائية وعضوية الاتحاد الفيدرالى البريطانى للفنانين فى لندن، وتمت دعوته ليشارك سنوياً فى معارض الجمعية الملكية كواحد من رواد هذا الفن فى دول العالم مثل فرنسا والنمسا وكندا وأمريكا.
- وبقدر ما تميز به فراج عن أستاذه المصرى شفيق رزق، كذلك تميز عن أصحاب المدرسة الإنجليزية الرائدة فى الرسم بالألوان المائية بشيئين أساسين، الأول هو مؤثرات البيئة المصرية، من ضوء ساطع يحدد العناصر فى الطبيعة ويمنحها ثقلاً ورسوخاً، ومن عناصر مادية مثل العمارة الطينية وأشجار النخيل الباسقة التى تمنح الفنان حرية فى التصميم والبناء أفقياً ورأسياً، والثانى هى الطاقة الروحية التى تنعكس من داخل الفنان على الطبيعة الخارجية، فتجعلها تبدو بين الواقع واللا واقع وبين أن تقول ولا تقول، تاركة للمشاهد حرية إطلاق الخيال والتأويل، مُضيفة على الكائنات قدرا من الفطرة الشاعرية، حتى على الجمادات من العناصر `الطبيعة الصامتة`، كأواٍنٍ وأطباق وسلال من الخوص والغاب، وكأباريق الشاى وأقداح الفخار وأوانى الزهور، إذ تبدو جميعاً كمشخصات تتبادل الحوار أو تكتنز أسرارها الدفينة، حتى لو كان موضوعه مقابر المماليك بأنماطها الإسلامية والشعبية، فإنه يستدعى فيك حالة من الخشوع، وتكاد تقول لها وأنت تتجول بين شواهدها وأزقتها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين!
- تكوينات اللوحات تبدو فى تماسكها كلحمة نسيج يدوى، يتماهى خلالها النبات مع الجماد والماء والطين والسماء، فى حالة صوفية تحمل قدراً عظيماً من التوازن، بين الخطوط الأفقية والرأسية، تتخللها فراغات نورانية لالتقاط الأنفاس، كعملية الشهيق والزفير.
- أما الحالة التعبيرية للوحات فهى تضفى إسقاطات جمة بقدر حساسية العين والشعور لدى الملتقى، فكأنه يشم من خلالها أحيانا رائحة الأرض المروية توا، إذ تتنفس ويتصاعد منها البخار متثائبة تثاؤب اليقظة فى صباح باكر، وكأنه فى أحيان أخرى يسمع أصوات الطبيعة الغامضة حتى يكاد المرء يستشعر نسغ العصارة وهى تتصاعد فى النبات، ويسترق السمع لخرير الماء فى الجدول، وإلى حفيف أوراق الشجر وسعف النخيل، إذ تستجيب لمداعبة النسيم.
- وبين شتى الألوان الشائعة فى اللوحات يتميز الأخضر المشوب بزرقة حالمة تنشع من أديم الورق الأبيض الذى يرسم عليه الفنان، ويتداخل النشع فى مسام كل العناصر، موحياً بهمس خاشع فى فضاءات كونية يتردد كرجع الصدى الأصوات الطبيعية.
- إن قصائد اللون الرومانسية - بلمسات انطباعية - لم تكن على حساب بنائية الشكل وتماسكه، إذ كان له قوامه المستتب وإيقاعه الموزون كشعر التفعيلة المتحرر من القافية، ففيه من الطرب جَرْسُه الموسيقى، ومن التعبير سلاسته وهو مطلق السراح من سيمترية النَظْم، مُتجها إلى شعرية اللحظة ودهشة الموقف، حتى أنه يحيل لحظة التأمل فى عمارة المقابر المملوكية إلى حالة استحضار للبعث والخلود على الطريقة الفرعونية، ليس للمماليك بالطبع بل للمعنى الوجودى لشوق الإنسان أو لرهبته أمام الموت ويجعل من تجمعات الأشجار أو النخيل وانسياب النهر بينها فردوساً على الأرض، ويجعل من قلاع المراكب فى النيل بصواريها الشاهقة تواصلاً حميماً مع السماء، ويجعل من باقات الزهور ذات الألوان والأشكال المتباينة لغة ذات جرس خفى كدندنة نغمية على سلم الألوان.
- لقد جقق فراج - من خلال ذلك كله - فناً فصيحاً وعامياً معا، يستحق وصف السهل الممتنع، ويملك القدرة على مخاطبة حس البسطاء بنفس الدرجة التى يتواصل بها مع ذوق النخبة، ونحن ندين لصاحب هذا الفن بالفضل فى إعادة الاحترام لفن الرسم بالألوان المائية، كفرع مستقل ذى خصوصية وأصالة تمتد إلى آلاف السنين منذ الفن المصرى القديم، بعد أن تم تهميشه طويلاً على ساحة الحركات الشكلية فى مصر والعالم العربى، حتى أصبح وسيلة لحظية لتسجيل الطبيعة، كنوع من `الاسكتش` قبل التنفيذ بالألوان الزيتية.
بقلم الناقد :عز الدين نجيب
من كتاب ( الفنان المصرى وسؤال الهوية بين الحداثة والتبعية)
|