`



ما رأيك في الموقع:



مقبول
جيد
جيد جدا
ممتاز

 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث
 
العودة
حول رؤية الفنان
 
محمود أبو العزم دياب
رؤية مصرية.. لمحمود أبو العزم
- تكشف السنوات الأخيرة للمتتبع للحركة التشكيلية المصرية، عن مطارحات ثقافية عديدة. وهذه المطارحات تتفاوت ( سالبها وموجبها ) بين التفاهة والجدية، وبين الإدعاء والإخلاص، بين التبعية غير المشروطة وبين السعي إلى الإستقلال.
- وبنظرة مدققة ومتأملة لساحة الفن التشكيلي، عبر السنوات المنقضية، سنجد أن هذه التيارات متمثلة بوضوح في إنتاج إزدحمت به قاعات العروض الرسمية والخاصة، زحاماً لم يشهد له مثيل من قبل. وبرغم ذلك فلم يسفر هذا عن شيء جليل، إنما فاض علينا الإغتراب وأستحكمت العزلة، ونرى مكانة الفن آخذة في الإنحسار... وغرقنا في قضايا قشرية، حول العالمية والمحلية واللهث خلف كل ما يأتي من `هناك`.. ( فكل ما يأتي من `هناك` هام وضرورى ومتقدم وعصرى وخطير ومناسب لنا بالرضا أو بالأكراه) ورداً على هذه الميول تؤخذ أمور من أطرافها، فنفرق في `المصرية` وننقل `موثيقات` فرعونية وقبطية وإسلامية وهلم جرا في لوحات تعالج التراث وتشقلبه فيصبح معاصراً. وهكذا تسود المفاهيم الشكلية.
- غير أن الحياة التشكيلية لا تعمها النزعات الشكلية بصورة مطلقة.. فثمة إتجاهات تدرك توجهاتها، وثمة فنانون مدركون غاياتهم.. فيتعاملون مع الواقع متلمسين ملابساته البيئية والتاريخية التراثية والأجتماعية والأخلاقية... هذه الرؤية ببساطة يمكن أن تكون أساس لتصور جمالى، يقدم نفسه وسط هذا المهرجان.
- والفنان محمود أبو العزم قد عكف على تناول العديد من جوانب الواقع ومكوناته، إستلهاماً وإستدلالاً، وهو ينزع إلى تكوين عالم ذاتى قادر على نقل ملاحظاته ورؤاه المتداخلة، والمتماسكة. عالم تختلط فيه الرغبة في إحكام التصميم ورومنتيكية الحلم.. عالم وديع ومسالم وممتليء بالشجن ومغلف بضوء شاحب.. ويرتاد الفنان أبو العزم تجربته متشحاً بالبساطة والتقشف، مختزلا الألوان إلى ألوان البيئة القليلة، مكتفياً بما تأثير هادئ وعميق. ووسيلته لهذا العالم المصور السامر الليلى، والنهر والقوارب والقمر، والنخيل والنساء والرجال والأطفال.. فوراء كل هذه العناصر تهمس اللوحات بنداءات إنسانية، وهواجس معذبة، لأناس يعيشون تجربة الحياة بطولها حتى الموت في رضا وصبر، مغمورين بالزهد والبساطة... ومن هذه الزوايا المحلية والعامة، يخترق الفنان عتمة الخلط، شاقاً طريقة إلى واقعه بلا زخارف وبلا تفصيلات مستعينا بالحلم الرومانتيكي، والخيال الهادىء، ليمنح لوحته الممتلئة بمفردات الحياة المصرية ، مزيجاً درامياً للواقع والحلم... وهذه التجربة الشديدة الخصوصية.. هي الرؤية المصرية للفنان أبو العزم.
بقلم: يحيى حجى
جريدة: القاهرة 7-2-1989
أبو العزم ،، إنها حقا عائلة تشكيلية
قل أن نجد أسرة بكاملها متشبعة بالفن إلا أن أسرة الفنان محمود أبو العزم مثال مختلف ، وحالة نادرة للاتفاق على ان الفن هو الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الذات .
- الكل يرسم ، الكل مهموم بعالمه التكويني اللوني ، السياقي .
- محمود أبوالعزم يشغله الانسان بشكل عام يشغله الحروب والآلة التدميرية ، يغشي الوحدة والفقر ويبحث عن السلام والود والاحتواء وهذا هو المضمون الانساني الذي يحاول ان يؤكده أبو العزم في اعماله .
- لوحات ابو العزم يضغى عليها جو الأسرة وتقديم الود مع باقات الزهور وحضن يحتوى الآخر لكن خلف اللوحات دائما يوجد ظل أسود وحزن دفين يعكس حالة الخوف من الحرب والفقر تدعوك الى احتواء من حولك قبل الطوفان ..
والطوفان عند ابو العزم هو ان تعيش وحيدا خلفك ظلال سوداء او زرقاء فمعروف ايحاؤها توحي ببحر بلا شواطئ تسقط فيه شخوصه المتعلقة بأحبال دائبة ..
- الشخوص عند ابو العزم تحاول التشبث ببعضها وإلا تفقد ثقلها معلقة فى الهواء او في عالم بلا روابط في معظم لوحاته نرى قمرا معتمااو شبه معتم يشي بحالة الليل الضبابية التى يشعر بها الفنان في اعماق نفسه .
- الاحتواء عنده لا يشى بلحظة حب قدر ما يشى بلحظات الاحتواء في ليالي الخوف .
- الأيدى عند أبو العزم ممدودة دائما تجاه الآخر بالاحتواء بالمشاركة وربما بالعزف على الناي تلك الآلة الموسيقية التى تحمل في طياتها حزناً نبيلاً ووحدة ومناجاة تشاركه نفس الحالةزوجته الفنانة / ابتهال بهاء سامي هي ترسم البحر لكنها ترسمه رسماً حزيناً ، البحر يلفظ آحياءه ويليقهم على شاطئ غريب وهي تسجل لحظات صادمة وخروج الانسان من فلكه الطبيعى ليصبح دخيلا على أفلاك أخرى .
رانيا ابو العزم لا تبعد قليلا عن نفس الاحساس ترسمه على طريقتها ، لوحاتها محملة بالكتب المغلقة واشارة تحذير وممنوع الوقوف او احذر الوقوف على تلك العوالم .وعصفور يقف عند التحذير وكأنها تقول لنا لا ترتبط بعوالم اخرى وطر وابحث عن حريتك بنفسك .
اما ريهام ابو العزم فهي تحمل روحا متمردة تبحث عن ما يسعدها وان خالفت توقعات الآخرين تلعب ، تطير طائرة ورقية تقف على يديها تركب عجلة تسمع لنفسها بتأمل ممن حولها هي تحاول ايجاد تيمة خاصة بها تحاول وستصل قريباً.
مالك يبدو أكبر سناً من بلال ويبدو أكثر اشراقاً واقبالا على حياة لم يصل بعد لكنتها ، ألوان دافئة واعدة مركزة فى وسط اللوحة تاركاً خلفية تتحاور مع الموضوع في لحظات اقتراب الجمل ينظر الى الامام في تطلع لمستقبل مشرق كألوانه .
أما بلال فألوانه وخطوطه عفوية جميلة يحكي بها قصة مازلت تتشكل بداخله ونرجو ان تكون قصة سعيدة .
عوداً الى الجد الفنان الكبير محمود ابو العزم الاحتواء الذى تبحث عنه في لوحاتك موجود فى تلك الأسرة الفنية اتسعت موهبتك لتحتوى أسرتك وتفرض عليها بالفن طريقا وعرا مليئا بالوعي الذي يشقي صاحبه .
مشكلته الأساسية اتساع رؤيته وبحثه داخل الانسان . انسان القرن الواحد والعشرين الخزين الوحيد المرتبك ويبحث وينقب عن نفسه الانسانية يبحث عن الالفة والسلام والاحتواء ، يبحث عن من يشاركه ويقاسمه خوفه من المجهول .
هشام قنديل
كلمة كتالوج معرض / محمود أبو العزم وأسرته الفنية - بجاليرى ضي
لوحات محمود أبو العزم : واقعية مشبعة بالحلم
- الفنان واحد من الذين فرض عليهم قدرهم الاحتكاك بظواهر الطبيعة الكونية، غير أن نظرته للأشياء قد تختلف عن نظرة العالم والفيلسوف، لأنها تتفاعل مع الأشياء بعين الوجدان أكثر من تفاعلها بعين العقل.
- ولن يتخلى الفنان في رحلة الإبداع عن الدهشة البريئة ولا الانبهار الطفولي الذي يسدل على الكون من حوله غلالة حالمة تخفف من وطأة الواقع.. إنها نظرة الحالم لا نظرة العالم.
- والفنان هو الوحيد الذي يستطيع أن يحلم بإرادته وهو في كامل وعيه ويقظته، فهو يسخر خياله في إبداع صور وأحداث لا وجود لها في دنيا الواقع ويكشف عن عوالم فانتازية تضفي على الحياة متعة نفسية لا تعادلها متعة.
- والفنان محمود أبو العزم واحد من هؤلاء الفنانين الحالمين، فهو يطلق لخياله العنان، ويصحبنا في رحلة ممتعة في أغوار عالمه الخاص، سابحا وسط صور لها طابع الأطياف وتراكيب لها جرس الشعر ورنين الموسيقا ووهج العاطفة.. وأيضا حكمة العقل.. عبر تركيب غنى ومتنوع ينم عن طول النفس وقدرة على التنويع من دون الوقوع في ضحالة التكرار الممل.
- ويقول عنه الفنان الراحل حسين بيكار: إذا كان من أصعب الأمور التوفيق بين التوازن العقلي والعاطفي، فإن الفنان أبو العزم قد استطاع باقتدار نادر أن يضع أحلامه داخل علاقات هندسية، تجريدية من جمودها الرياضي وتشبعت بعصارة روحية، لها نبض مؤثر يتداخل مع الدلالات المعنوية التي يتطلبها الموضوع، فالمقعد والنافذة والأرجوحة والوتر والمنضدة كلها عناصر هندسية الطابع حادة الزوايا والحواف، والأطراف، ولكنها موظفة توظيفا تشكيليا ومعنويا بذكاء كبير، وهو تأكيد على أن الأحلام ضرورة حياتية ولكنها يجب أن توضع داخل ضوابط تخطيطية حتى لا تنقلب إلى شطحات عبثية.
- وهو أيضا تأكيد على أن التخطيط والتصميم لا يتعارضان مع تدفق المشاعر وانطلاق الأخيلة، فما الشعر إلا عواطف جياشة تنسكب في بوتقة العروض والقوافي والأوزان وكذلك الموسيقا.
- والتحوير عند الفنان أبو العزم ليس تحريفا زخرفيا خفيف الوزن، لكنه تحريف أسلوبي رصين ومحتشم يلازم جميع مفرداته وشخوصه الذين يرتدون جميعا أردية بيضاء (لون الصبر والنقاء) وكأنهم حجيج إلى قدس أقداس النفس، ما يستلزم التطهر الكامل ظاهرا وباطنا، وهو عندما يمحو آثار الشفاه والأفواه من الوجوه فكأنما يريد أن يخرس الأصوات الشفوية ويسكت الألسنة، لكي يسمح للهمس الوجداني بأن يبوح بما يعجز عنه اللسان وأن تفصح عناصر اللوحة عن مضمونها ببلاغة وشاعرية نفاذه.
- أما الناقد الراحل فاروق بسيوني، فقال عن الفنان محمود أبو العزم، إن لديه رموزا خاصة تنتشر في معظم أعماله يصيغ من تحاورها عوالمه الملتحفة بغموض سريالي مثير. فالطائر القاتم المحلق، برغم سكون مظهره والدائرة والشمس أو القمر والقضبان الساخنة والحوائط الفاصلة بين الشخوص وذلك التقسيم القاطع في حدته للسطوح بخطوط أفقية ورأسية وقطرية، كلها مفردات أو عناصر أولية، يركبها معا ليصوغ منها عوالم ممتدة الجذور والملامح في الواقع المستقاة منه، ومحلقة في سرمدية الحلم وغياهب ما وراء الواقع، وكأنما هي مزاوجة بين معنى الحاضر والغائب معا، أو بين المعروف المرئي والمعاش وبين التمني الأشبه بالأحلام الرابضة في اللاوعي، ومن تلاقي النقيضين تبدو الأعمال دائما في حالة توتر مستمر ومثير.
- أما الفنان `أبو العزم` فيقول: إن إيماني الشديد بأن التصوير المصري الحديث يجب أن يستمد منابع رؤيته من بيئتنا وأن المصور المصري يجب أن ينقب ويبحث في تراثه الحضاري، يغوص ويتعمق فيه وفي طبيعة البيئة التي يعيش فيها، وأن يبحث في أعماق نفسه عن الشكل والمضمون أو المحتوى الذي يعبر عن ماضيه وحاضره وأن يأتي فنه محملا بعبق تاريخه ومستقبله، لكي يكون ركيزة حضارية تثري وتؤثر في محيط العالمية.
- وتدور أعمال الفنان `أبو العزم` في محاور عدة، يجمعها خيط واحد هو واقع الإنسان المعاصر وأحلامه وأمانيه، وفي الوقت نفسه نجد أن هذه الأعمال الفنية ما هي إلا تعبير ذاتي وشخصي عما في داخل الفنان من مشاعر وأحاسيس نابغة من رؤيته الخاصة التي فرضها وجوده في بيئة معينة.
- وتتنوع هذه الأعمال بين الرجل وعلاقته الأبدية بالمرأة ولحظات الشجن والصمت والترقب وسط مشاعر الحب وشاعريتها وبين الأعمال المستوحاة من الحياة الأسرية والأمومة وأيضا الأعمال المستوحاة من البيئة الريفية، حيث نشأ الفنان وعاش طفولته المبكرة.
- وفي ذلك يقول: إن طيف ذكريات الطفولة وسنوات الشباب المبكر وحنيني لجذوري، حيث النشأة الريفية وسط عالم يتسم بالبساطة والشفافية والنقاء والهدوء والحنان الذي يصاحب ذاكراتي في أوقات كثيرة ويجعلني في حالة اجترار لذكريات أيام حلوة مضت بعيدا من صخب المدينة وحياتها القاسية.
- ويتعرض الفنان محمود أبو العزم لمحنة وفاة والدته، ومن خلال أحزانه ومعاناته النفسية، يلجأ للتعبير والإبداع الفني عن هذه التجربة القاسية في مجموعة لوحات `ثنائية الحياة والموت` في جو خيالي يغلب عليه الطابع الدرامي، سواء من ناحية اللون أو البناء المعماري للوحة أو توزيع العناصر.
- وعن تجربة الموت يقول الفنان: إذا كانت الحياة بكل مرادفاتها قد تترك بقاياها التي تتراوح تأثيراتها في الإنسان، فإن الموقف من الموت يبدو أكثر تلك البقايا تأثيرا، حينما نستشعر تلك الرجفة التي تصيبنا وقد أدركنا الزمن في لحظة فاصلة بين الحياة والموت.
- والمتأمل للوحات الفنان سوف يتضح له حرصه على تنوع أحلامه وخيالاته وتصوراته كما اهتم بإبراز الجو الفني والنفسي الخاص بكل لوحة من هذه اللوحات، كما حاول الفنان أبو العزم أن يبدع لوحات تتسم بتصميمات جديدة مبتكرة تعكس توزيعه الجيد لعناصره الملونة بمدلولاتها الرمزية ليحقق فيها كل الأبعاد الجمالية والتعبيرية التي ينشدها أثناء تنفيذه لها.
بقلم: أحمد الأبحر
مجلة: الشروق - الشارقة - الإمارات العربية المتحدة ( العدد 598 ) 28 -9-2003

- وتحرك طقاطيق الفنان `محمود دياب` الأشجان بشاعريتها الناعمة دون تشنج أو توتر ، وهى رغم تواضع أحجامها تقنعنا بأن القيمة ليست بضخامة العمل وإنما بضخامة مضمونه ومحتواه.. إذ تسبح أطيافه الحالمة في غلالات بيضاء، وخلفيات وردية ، وأثيريات بنفسجية هادئة . بلا تفاصيل تشريحية تفسد شموليتها ، كما أنها لها القدرة على التطريب البصرى الذى تحدثه رهافة الألوان ، وحبكة التكوين ، ورقة التناول..


بقلم : حسين بيكار
جريدة : الأخبار 26-4-1985
أبو العزم لا يخشى الموت
- ما زالت المرأة تتصدر مفرداته
- ببساطة المعهودة والزهد الذى تتسم به شخصيته. رسم محمود أبو العزم القادم من أعماق القرية المصرية منبت رأسه في كفر الشيخ عام 1946 لتظل ذاكرته البصرية محملة بتلك المفردات الساحرة.. المصرية عميقة المعنى والمغزى والتاريخ.
- يعود الفنان بثلاثيته المعهودة وكأنه يؤكد أن الحياة والحب والموت هي الفلسفة الأبدية الخالدة والحقيقة التي يبحث الإنسان بين ثناياها منذ بدء الخليقة.
- فلسفة بليغة الأثر تعكسها أعماله المتميزة التي لا تخطئها العين.. بساطة في التعبير والأداء وتقشف مواز في اللون.. المرأة هي عنصره الأثيري، يشاركها الرجل حتى يكتمل عنوانه بين الحياة والحب، وكذلك الموت.
- افتتح معرضه الخاص منذ أيام بقاعة الباب بمتحف الفن الحديث بأرض الأوبرا، بعد غيبة أكثر من 7 سنوات ظلت فيها `الحالة` ساكنة ليضيف إليها في تجربته المثيرة التي تمنح المشاهد مزيد من التأمل..
- عاد ليتغنى بالحياة والحب ولا يخشى الموت.. قدم مجموعة من أعماله الجديدة متواصلة على نفس الوتر لتظل `التميمة` حاضرة رغم تراكم السنوات وامتداد الرحلة. أثرت هذه `الحالة` التي ظل مخلصا لها حتى في العنوان دون أن يحوم حوله طوال الرحلة، لينهض من جديد ويكمل المسيرة الدرامية المحكمة التصميم تحت شعار ` السهل الممتنع` معبرا ومخترقا آمال وأحلام البسطاء من المصريين .. من خلال امتلاكه أدواته ومفرداته وخبراته التي أثرت التجربة.. المرأة والرجل وما بينهما يبدأ بالحب بعد الحياة بين الحلم والواقع.. السكون والحركة.. الظلمة والنور.. اللقيا والفراق.. وتمتد الرحلة بين الحياة والموت.. وتظل المشاركة هى البطل.
بقلم: د./ محمد الناصر
مجلة : نصف الدنيا ( العدد 1422) 12-5-2017
أبو العزم وجائزة طشقند
- تعتبر جمهورية أوزبكستان من الدول حديثة العهد ببيناليات الفنون التي شرعت بعض الدول العربية ثم إيران في إقامتها حديثاً وتدعيمها بكل الوسائل الممكنة للنهوض بالجانب الثقافي لهذه الدول في ظل العولمة والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية إيماناً منها بأن الفنون هي المعيار الحقيقى لحضارة الأمة ونهضتها.
- وفى الفترة من أول أكتوبر إلى 20 أكتوبر الماضى أقيم بينالى طشقند الدولى للفنون بأوزبكستان في دورته الثالثة وكان عدد الدول المشاركة 26 دولة قامت بعرض أعمال لـ 260 فناناً وفنانة ومن الدول التي شاركت في هذا البينالى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وأمريكا وروسيا واليابان وإسبانيا وبولندا وتركيا وكوريا وإيران وباكستان وأوزبكستان وإسرائيل ومن الدول العربية كانت مصر هي المشاركة فقط في هذا البينالى وقد مثلت مصر الفنانة عفاف العبد أستاذة التصوير بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية التي حصلت على جائزة رابطة الفنانين الروس (جائزة نقابة الفنانين التشكيليين الروس) بينما حصل الفنان محمود أبو العزم أستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة على جائزة `لجنة التحكيم` وقد شارك الفنان أبو العزم بأربع لوحات في مجال التصوير الزيتى تحت عنوان `بين الواقع والحلم` عبر فيها عن الواقع الذى يعيشه الإنسان في الوقت الحاضر من دمار وحروب.
- واستخدام العنف وتدمير الإنسان لذاته وللآخرين بأنانيته فلوحات أبو العزم تحمل رسالة للبشرية يتمثل فيها هذا الواقع القائم هارباً لذلك الحلم بكل ما فيه من أمل وتفائل في لوحاته المشاركة في البينالى استخدم الفنان الورق `المكرش` والملصوق على سطح القماش أو الخشب ثم قام بالرسم عليها بالألوان الزيتية التي غلب عليها أحياناً كثيرة التضاديين الألوان الساخنة والألوان البارزة وتارة الألوان القوية والرقيقة الشفافة والأبيض والأسود ليعبر من خلالها عن ذلك الصراع الفكرى والفلسفى بين الواقع والحلم.
- وقد عبر الفنان عن مشاعره المرهفة عبر مراحل فنية مختلفة تدور في عدة محاور.. يجمع بينها ذلك التضاد والتناقض في الحياة والكون فلوحاته جزء من عالمه الخاص يعبر عن نظرته للحياة والتي يراها الفنان قائمة على عنصرى التناقض وتتلخص هذه المحاور في الرجل والمرأة والواقع الاجتماعي وموضوعات مستوحاة من الأمومة والحياة الأسرية ثم ثنائية الحياة والموت وأخيراً لوحاته المستمدة من وحى البيئة الريفية والشعبية في مصر والسعودية التي أعيد إليها لعدة سنوات مضت والفنان يملك رؤية خاصة للكون والوجود والإنسان فهو متعاطف معه على مختلف المستويات فنشاهد له أعمالاً كثيرة يتصاعد فيها الحس الدرامى معبراً عن رفضه للشر معلناً صرخة في عالم الصمت ضد الحرب وأثارها المدمرة للنفس البشرية فعالم الفنان أبو العزم يقترب أكثر من الحلم رغم استلهام موضوعاته من الواقع فيستخرج الجمال من القبح وينطلق بالمتلقى إلى عالم أكثر سكوناً وفضاء فتلمس عشق هذا الفنان للحرية عندما يضع لشخوصه المعذبة تلك الأجنحة لتساعدهم على الفرار من هذا العالم المتوحش إلى عالم أكثر نقاء وخصوصية فأعمال الفنان خرجت بين عدة مدارس فنية كالرمزية _ `والتعبيرية` و`السريالية`.
- وعندما نشاهد أعماله نتذكر حلم `شاجال` وأحياناً أخرى نرى أننا أمام أحد فنانى عصر النهضة عندما ينقلنا إلى الكعبة وينقلنا إلى ذلك العالم الإبداعى الرافض للمادة.
- فنرى شخوصاً يحملون أرواحهم في جسد شفاف في انتظار لحظة الحقيقة.. فتتجسد حالة الزهد والتصوف في تلك الشخوص لتعبر لنا بصدق عن مشاعر الفنان الإنسانية وعلاقته بالوجود الذى يرى الواقع الحقيقى في الخيال.
- وفى مقالة للفنان الراحل حسين بيكار في عمودة `ألوان وظلال` بجريدة الأخبار كتب يقول تحت عنوان `مع الحزن الأبيض والدموع الملونة` `الفنان` أبو العزم` مؤلف بارع ومخطط قدير يملك زمام التصميم المتزن الرصين ويبنى لوحاته بمنطق هندسى فيه قدر كبير من العقلانية الرياضية وقدر أكبر من الحس الشاعرى الرهيب.. مؤلفاته أشبه بالقطع الموسيقية التي تخضع لإيقاع الرياضى المحسوب دون أن يفقد اللحن طلاوته وإذا كانت التراكيب الهندسية التي يقيم عليها مخططه التشكيلى بمثابة الهيكل الخرسانى الذى يحمل البناء العام للوحة فإن ألوانه الشجية هي اللحن الطروب الذى يذوب رقة ونعومة ويطرب له القلب قبل العين وهو الواجهة السمحة التي ترحب بالمشاهد ذلك الترحاب الطيب دون ادعاء أو افتعال`.
بقلم : أحلام فكرى
مجلة : المحيط الثقافى (العدد 52) فبراير 2006
بعد عامين من رحيلها: خطوط ودموع فنان يبكى أمه
- عودة للزمن الجميل .. زمن الوفاء والاعتراف بالجميل... نعيشه بين اثنين من معارضنا التشكيلية يرفعان شعار الحب والانتماء.. تتدفق من بين ابداعاتهما أرق المشاعر والأحاسيس الإنسانية... وتتجسد أجل صور المبادىء والأخلاق.. فى عالم تتربع فيه المادة على عرش الحياة!!
- موكب الوفاء الأول.. يهديه د`محمود أبو العزم` إلى روح امه الطاهرة `التي حركت مشاعره واحاسيسه الأولى ودفعته الى التعبير والابداع الفنى`.. وهو ما سجله فى كتالوج معرضه الـ 13 الذى تستضيفه حالياً قاعة `اخناتون 4` بمجمع الفنون تحت عنوان `رؤية تشكيلية لثنائية الحياة والموت`.
- يضم المعرض 37 لوحة زيتية.. تتناول تجربة الفنان الشخصية القاسية ومعاناة رحيل الأم.. وصراعها مع المرض وهى ما بين الحياة والموت.. وتزامن هذا الشعور مع الآم الغربة والبعد عن الوطن.. وهو ما ينعكس على المشاهد فلا يملك الا احترام مشاعره والتفاعل مع احزانه ليمتزج لديه الإحساس بالصمت والرهبة مع الإحساس بالشفافية والغموض!
- عبر `أبو العزم` عن تجربته برؤية فلسفية درامية.. تغلب عليها النظره التشاؤمية التي فرضتها عليه القضية الصعبة التي يناقشها.. قضية ` الموت والحياة` `الجسد والروح` `الانتماء والغربة` كمحاور رئيسية في هذا اللقاء.. ومع ذلك نراه يعبر عن موضوعاته الشائكة الحزينة بباليته لونية شديدة الرومانسية والشفافية.. رغم أن الموت والغربة هما بطلاها الأساسيان يتأكد ذلك في شعاع النور الخافت الذى ينبعث في الأفق والطيور التي تحلق من بعيد رمزاً للحياة والأمل في اصلاح النفس وإعادة توازن المجتمع.
- تتجسد كل هذه المعاني في لوحة `مائدة الموت` `بين الواقع والحلم` `الحقيقة والخيال` `الأمومة` `عروس الموت` `غيبوبة` وغيرها من الأعمال تدعونا جميعا للزهد في الحياة الفانية ومباهجها الزائلة قبل فوات الأوان.
- عبر الفنان عن رؤيته بأسلوب تعبيرى رمزى .. يجمع بين التجريد والسريالية.. قدمها في اطار هندسى محكم البناء.. احسن خلاله توظيف الألوان للتعبير عن حالته الشعورية الحزينة التي لازال يعيشها رغم مرور أكثر من عامين على رحيل ست الحبايب وكان عجلة الحياة توقفت وعقارب الساعة اضربت عن العمل!!
بقلم : ثريا درويش
جريدة : الأخبار ( العدد 15107) 28-9-2000
الرمزية التعبيرية فى لوحات محمود أبو العزم
- لكل فنان فلسفته فى الحياة.. تبدو واضحة في أعماله من خلال إبداعه ورؤيته الذاتية والفنان محمود أبو العزم يأخذنا من خلال لوحاته إلى عالم مليء بالقيم وقضايا العصر في رحل الإنسان مع الحياة.
إننا نلمس تلك المشاعر والاحاسيس الإنسانية في المعرض السابع للفنان أبو العزم المقام بقاعة إخناتون 4 في مجمع الفنون بالزمالك.
- تناول الفنان مضمون الحب وإنسان العصر في أشكال جديدة معبرا باسلوبه التعبيري السيريالي على سطوح35 لوحة صاغها بألوان الزيت..
- يستشعر المشاهد أمام لوحاته بالاستمرار رغم الحركة في الخطوط والألوان الصاخبة التي تنطلق بإحساس الفنان الطفولي وتترجم كل ما يحس به أبو العزم من المشاعر المتنوعة التي تتفاعل داخل كل إنسان
- فاخذ يعالج مشاكل وصعاب الحياة المادية والروحانية بنوع من التفاؤل بأسلوب رمزى بحيث يحدث مزجا جماليا فريدا ومميزا فوق مساحة زرقاء أو سوداء تسبح فيها الأشكال من كائنات مثل الحصان والثعبان والطائر والشكل الأدمى _ رجل وامرأة _ فنرى في بعض لوحاته اثر المال على الانسان وقد رسم الثعبان حول فئات مختلفة من أوراق النقود في توازن لونى داخل تكوينات محكمة تدل على خطر المال واستخدام فكرة سموم الثعبان التي تطغى على معنويات وروحانيات الانسان.. وتجعله إنسانا ماديا.
- وعلى الجانب الاخر من التفاؤل والحب قدم محمود أبو العزم لوحات ليضيء الطريق أمام كل إنسان في الحياة.. فنجد القيم الروحية تنساب وتتلاحم في أشكال تنطلق من فوق الأرض محلقة فوق السحاب.. قدمها في حرية وتمكن.. وقد ساعدت الخطوط الانسيابية والمساحات اللونية المختزنة في إيجاد شحنة رومانسية نلمسها تشع من خلال تكويناته القوية فنجد الغموض الذى يجعل المشاهد فى موقف تساؤل من هذا الكون العجيب عالم أبو العزم الخاص الذى يزرع دائما الحب والتفاؤل ويدخل بنا إلى عالم تختلط فيه الرمزية بالتعبيرية..
- ومن هذا الكون ` نجد لوحة عن العلاقة بين الرجل والمرأة ` صور فيها الفنان أحلام رجل وامرأة يحلق بهما في عالم من الخيال تتناقله الأمواج في دفء وشاعرية مبتعدين عن الحياة ومشاكلها..
- تجلس بجانبه تقدم له الحب في باقة من الزرع `الخير` واستطاع الفنان أن يؤكد قدرته على التعبير بموضوعات معنوية حيث الشكل والملمس وبتكوينات في رؤية معاصرة. مثل `الحلم` `والواقع` وانسان العصر` وغيرها من موضوعات سجل فيها كيف يمكن التغلب على المشاكل.. وكيف يكون الإنسان في حالة تفاؤل متغلبا على صعاب الحياة.
- وقد استطاع الفنان محمود أبو العزم في أعماله المعروضة أن يحافظ على الروح الخاصة به والتى لم تفقد انتماءها للفن المصري رغم التنوع وميل معظمها إلى الأسلوب المعاصر والسريالية بالذات.. وضع فيها خبرة 22عاما فى العمل المتواصل على مدى مراحل مختلفة متتابعة لا تفقد وحدتها وامتدادها..
- وأمكنه أن يقف بشخصيته الفنية المتميزة بين أشهر فناني مصر .
بقلم: وجدى حبشى
جريدة: ` وطنى ` 1-8-1993
نزهة نيلية
- الخط المنكسر (الفووم) يعبر حدود واقع متحف إلى مساحات الحلم الملونة.. بحر من الضياء الأزرق وغلالات شفيفة من الأحمر الشفقى يحتويان الخط اللاهث الأنفاس المتسارع الخفق، فيستقيم وينساب بهيجا لونا بنفسجيا يدل على حزن قديم لا سبيل إلى نسيانه.
- في مساحات الحلم الملون ، يغمس الفنان `محمود أبو العزم` ريشته ليرسم بها أطياف شخوص مصرية متعت سنينها في العناء... شخوص من الفقراء الشرفاء والمتعبين قابلت هزيمة سعيها لاقرار العدل بعدم الاستلام للسقوط، قائلة في نفوسها: لنا الجولة القادمة..
- النيل في جريانه يشهد اقتلاع الشجر وقتل الثمار واخلاء العين للاستثمار الشرير... والقمر في تمامه يشهد المؤامرة تعقد في همس ماجن لاغتيال شرف النيل.
- لوحة الفنان ` محمود أبو العزم` التي حصلت على جائزة الاستحقاق في التصوير في معرض مسابقة المركز القومى للفنون التشكيلية بقاعة النيل بالقاهرة.. تصحبنا معها في نزهة نيلية نستمع فيها إلى شجن الفناء القومى وإلى بعض أنفاس ملحمية تتردد بين أطياف شخوص وحدها عناء السعي الى الجميل والفاضل .
- تناغم وانسجام يجمع بين المساحات اللونية، وتكوين قوى متماسك على الرغم من غلالات شفيفة من طيف الخيال تتراءى للناظر وكأنها تريد أن تخرج بمفردات وعناصر التشكيل من أساس اللوحة الواقع إلى رحابة الحلم.
بقلم : أحمد هريدى
مجلة: ` الاذاعة والتليفزيون` ( العدد 2794) 10-10-1988
ثلاثية.. `الحياة والحب والموت`.. وجوهر الوجود
- محمود أبو العزم فى معرضه الاستعادى بافق
- الفنان محمود أبو العزم تمتد رحلته ..لأكثر من ستين عاما فى الإبداع.. فى عالم قوامه فكر الكون والوجود.. بين التناقض والتكامل.. والحلم والواقع.. وقد عمل على مفهوم يعكس تلك الثلاثية للإنسان المعاصر من `الحياة والحب والموت`.. الحياة بما تشير إليه حركة البشر على كوكبنا وخاصة أرض مصر.. والحب كقيمة انسانية ورمز لمعنى المنح والعطاء.. والموت كحقيقة أزلية ولحن للخلود.. انتقل من عمق التعبيرية إلى جموح الخيال فى السيريالية أو ما فوق الواقع.
- فى معرضه الاستعادى الذى أقيم بقاعة افق بالجيزة.. ضم 139 لوحة تنوعت فى مساحاتها من الصرحية الضخمة إلى اللوحات الصغيرة.. ومن التصوير بالزيت إلى الرسم بالاحبار.. بتألق الأداء فى العمل الفنى وتصميم مبتكر.. وكان لنا أن نتعرف على هذا العالم المنساب بلا قيود مشكلا دنيا تفيض بالمحبة وفصاحة الاسئلة التى تتراءى بلا أجوبة.. من أين وإلى اأن تقودنا الحياة؟
- يقول استاذه حامد ندا: `عالم غريب وواقع غير مالوف.. وأن تتلمسه فى عوالمنا البيئيىة فى الريف وفى حياتنا الشعبية.. وفى التراث فى حضارة مصر.. فى الموال الحزين وفى الأسطورة الشعبية.. فى آنات الإنسان المكبوتة وفى أحلام يقظته.. عالم عجيب لكنه واقعنا موجود دفين يطفو فى فترات الصدق.. حلم ماساوى وحب خالص للمخلوقات الانسانية فى صمت رهيب ومحتوى لونى دافىء يعبر عن الحياة والامل`.
- الموديل والفنان
- مع التحاقة بالفنون الجميلة عام 1966 كان شاغله الإ`نسان المصرى عموما.. لنشاته فى عمق الريف المصرى بكفر الشيخ وارتباطه بالناس فى كل مواقف الحياة.. والريف يمثل مجتمع اللمة فى أبهى صوره.. تجسد فى علاقتة الدائمة بالموديل والتى كانت صورة من نبض الواقع.. فكانت تلك الوجوه التى تحمل المزيد من التعبير والانفعال.. مع الايماءات التى لا تنتهى بين الوجه الامامى والوجه الجانبى.. وبعض الثنائيات.. وفى مشروع التخرج جاءت لوحته المتسعة `120-200سم` صور فيها الموديل بشكل كامل بمزيج من اسلوبه التعبيرى.. والذى يمثل البدايات الأولى لعالمه.. هذا العالم الذى يئن تحت وطاة الظروف وتعبير الموت فى جانب.. وعلى الجانب الاخر ينفرج عن باقات الحب والانسان الطائر المعلق بين الارض والسماء من المعنى الارضى.. إلى معنى التحليق الى اعلى مع الملائكة.. تلك الكائنات السابحة فى الأفق.. ممتدة راسيا أو أفقيا بلغة من السمو.
- أقام أبو العزم معرضا لاعماله عام 1973 بعد تخرجه بثلاث سنوان.. وكان معه الفنان العلاوى استاذ النحت حاليا.. فى قاعة اخناتون.. بشارع قصر النيل.
- يقول: عند زيارة بيكار قال لى هناك تاثير باساتذتك مثل زكريا الزينى وحامد ندا وصبرى منصور.. وكانت بداية انطلاق فكرة البحث عن لغة تعبيرية.. كان لهذا الراى ما حفزنى وجعلنى أتامل ذاتى وأبحث عن معنى الخصوصية فى الفن.
- سافرت الدانمارك لمدة عامين آواخر السبعينيات.. جاءت رحلة فيها اكتشاف للذات خاصة بعيدا عن الوطن واستشعار الغربة والاغتراب.. ورغم هذا ساهمت فى أحداث النقاء فى اعمالى ووضوح الرؤية هناك بعيدا عن ألوان مصر الترابية.. ودخلت البهجة على لوحاتى.
- فى التسعينيات قضى الفنان أبو العزم عدة أعوام بحائل كاستاذ للفنون.. أنبهر بالمناظر هناك فى مدينة ذات طابع ممتد فى الزمن.. بما تشتمل من البيوت القديمة بطابعها الاثرى واطلال من البنايات.. ومع مسحة القدم وسحر الزمن.. كان يستشعر خيالات الاشخاص وانفاسهم فيها.. وهى قريبة من سيوة بمنطق العمارة التلقائية الفطرية.. مدينة قوية ذات أسوار ولها مكانتها فى التاريخ.
- عالمه
- من عمق التجربة فى الحياة والاستغراق فى احداثها تمثل ثلاثية أبو العزم بما تحمل من مشاعر واحاسيس وما ترنو إلى التسامى باتساع الافق.. مع شخوصة التى تميزت بالتلخيص والتحريف.
- ألحت عليه فكرة الموت ارتباطا بما واجه من فقد.. خاصة وكان توام رحل اخاه عند مولده.. فكان لهذا تاثيرا وارهاصا لتلك الفكرة.. التى ظلت بداخله وتاكدت بعد رحيل والده فى السبعينيات وبعده والدته.. فجاءت ثلاثيته بطرفيها الحياة والموت وبينهما الحب الذى يمثل اسمى الخصائص الانسانية.. واتجه إلى الاختزال والتلخيص بحس سيريالى ورمزية تشيرالى الصعود والتسامى.. خاصة وهو متامل لما يرى ويستشعر ويحس بحركة السحب فى الافق وما يحدث من ظواهر بين الليل والنهار.. وهنا نرى هذا التكامل والارتباط بين الحسى والمعنوى وبين حركة الحياة والموت والرابط الوجدانى الحب الذى يضىء الطريق.. ويمثل مرفا وراحة.. حتى جعل أعماله عموما بمثابة غنائيات من شفافية الحزن إلى بهجة البشر فى الوجود.
- فى لوحته لوالده صور شخصا فى حالة من الصعود معلق بين الارض والسماء.. فى شوق أبو العزم الابن إلى أن يظل هكذا ليبدد فكرة الرحيل.
- وربما جاءت لوحته للحب فى الحياة وجها اخر.. يحمل نفس المشاعر وبنفس منطق الايقاع.. فى واحدة من لوحاته نطالع ستة شخوص: فتى وفتاه طائران أعلى اللوحة فى الافق يحملان باقة زهور فى رمزية للسعادة.. وتحقق الحب.. بينما نطالع اثنين على الأرض.. يهفوان إلى تلك الحالة الانسانية وبينهما اثنان فى وسط اللوحة بباقة زهور اخرى وكانهما يباركان العواطف والمشاعر.. وتتكرر الحالة التعبيرية بهذا المفهوم فى إيقاع آخر: رجل وامراة فى ارتباط وامتزاج خارجان من بين طيور الماء.. ومن أعلى امراتان بهيئة ملاك مجنح.. الجميل هنا حركة الطيور التى تطوق بؤرة التكوين من أسفل إلى أعلى وشمس الافق وربما القمر يتوسط اللوحة.
- وتستمر ملحمة الحب فى عالم الفنان خلال الثنائيات من الرجال والنساء مع العناصر التى تشدو فى سيمفونية.. من الطيور والبالونات والزهور والاشجار والملائكة المجنحة تبارك اسمى تعبير فى الوجود.. وقد نرى ادم وحواء العصر الحديث بين الافقى والراسى.. هى وهو فى توحد فوق شجرة، وهى وهو على الارض مع الطيور.. ولكن مع كل هذا الحب نرى عينان دامعتان.. هل دموع الفرح والأمل فى البقاء أم دموع الخوف من الفقد والرحيل؟.
- التصوير الروحى
- عندما سافر الفنان أبو العزم الى السعودية وانضم الى هيئة التدريس بحائل.. كانت زيارته لاداء شعائر الحج اكثر من مرة.. ومع امتلائه بالمشاعر الروحية.. من الدعاء والابتهال.. جاءت لوحاته للكعبة المشرفة.. اربع لوحات اختلف فيها الايقاع من لوحة إلى أخرى مع الحفاظ على الاشعاع الروحى.. ما بين اليد التى تدعو وتتضرع.. والكعبة محفوفة بالملائكة.. `مكة وفيها جبال النور طلا على البت المعمور.. دخلنا باب السلام غمر قلونا السلام` كل هذا فى إيقاع سيريالى تعبيرا عن التجليات والاشراقات.
- اطفال غزة
- وفى عام 2025 قدم أبو العزم مجموعة اعمال تمثل مرحلة اخرى.. وقد انفعل باشتشهاد اطفال غزة.. أعمال جاءت بملامح من الحزن والصفاء والحنان.. بامهات من الملايكة واطفال فى تسامى وصعود.. وطيور واوانى تمتلىء بالدماء.. حوارات بصرية صامتة.. مفعمة بالتعبير الدرامى.. طوبى للاطفال فلهم الجنة!.
- والوان الفنان فى معظم الاعمال صداحة بلا قتامة.. فى سطوح لونية بين الأخضر والأزرق والبنفسجى والأحمر والأبيض.. بين الفرح والشجن.
- وفن الرسم
- اذا كان فن الرسم يمثل اول الحالات التعبيرية فى الفنون البصرية وهو لمسة على السطح باستخدام وسائط بعيدا عن الألوان.. كالاحبار وأقلام الرصاص.. يعتبر شكلا فنيا قائما بذاته وقد يكون تمهيدا لعمل فنى كلوحة التصوير.. وفى الحقيقة تمثل أعمال أبو العزم فى فن الرسم عالما يضيف الكثير إلى عالمه.
- قدم مجموعة من الدراسات للموديل تميزت بحيوية ورشاقة الخطوط.. مع العديد من الوجوه التى حملت تعبيرا ومشاعر بين النظرة الامامية والجانبية.. أما الثانية فهى بمثابة تخطيطات قادت لهذا العالم الملون.. بدرامية وايقاع اخر.
- فى معرض الفنان أبو العزم الاستاذ بالفنون الجميلة بالقاهرة.. نطل على عالم يعكس لهذا البعد الدرامى لمفهوم `الحياة والحب والموت`.. كل التحية بعمق الفكر والاداء.
صلاح بيصار
القاهرة 17-2- 2026
رحلة البصر والوجدان
- التجربة التشكيلية للفنان الدكتور محمود أبو العزم فى معرضه بقاعة آفق
- عندما نقف أمام لوحات الفنان التشكيلي المصري الكبير الأستاذ الدكتور محمود أبو العزم، نقف بالضرورة أمام تاريخ بصرى ممتد، وأمام تجربة تشكيلية ثرية تمتد جذورها في عمق التراث المصري، بينما تنطلق أغصانها في فضاءات التعبيرية الحديثة، ويأتي معرضه الذى إحتضنته قاعة ` آفق` بالقاهرة ليعيد التأكيد على مكانة هذا الفنان الأكاديمى الذى وهب حياته للفن ممارسةً وتدريساً وإبداعاً، و لم يكن هذا المعرض مجرد حدث عابر في موسم التشكيل المصرى، بل كان بمثابة محطة تأملية شاملة لتجربة فنان ظل وفياً لأسئلته البصرية والوجودية على مدى عقود، فمنذ تخرجه فى كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1970، ظل أبو العزم يحفر فى دهشة التكوين الإنسانى والطبيعة، متأملاً، محللاً، ومعيداً صياغة العناصر البصرية فى صياغات لونية تحمل نبرة خاصة لا تخطئها عين.
- وفى هذا البحث المختصر، نحاول الغوص في أعماق تجربة هذا الفنان التشكيلي المصري الكبير من خلال تتبع مسيرته المهنية والأكاديمية، ونحلل أسلوبه الفنى وأدائه التصويرى، ونقف عند أبرز الموضوعات التي شغلت خياله طوال مشواره الإبداعى. كما نسلط الضوء على معرضه الأخير في قاعة `آفق` بمتحف محمود خليل بالقاهرة بإعتباره تتويجاً لمرحلة مهمة من مسيرته، ومرآة صادقة لرؤيته الفنية التى نضجت وإكتملت ، ونسير فى هذه الرحلة النقدية مستندين إلى السيرة الذاتية للفنان، وإلى قراءة متأنية لأعماله التي تمتد من سبعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا، فى محاولة لفكك شفرات لوحاته البصرية وفهم العلاقة الجدلية بين تكوينه الأكاديمي الصارم وبين حريته التعبيرية المتفجرة، وبين انتمائه للموروث المصرى وبين انفتاحه على التجارب الفنية العالمية، خاصة خلال فترة دراسته فى الدنمارك، إنها محاولة لرسم خريطة متكاملة لعالم فنان تشكيلي مصري يستحق بجدارة أن يُدرس ويُحتفى به، ليس فقط فى قاعات العرض، بل في ذاكرة الحركة التشكيلية المصرية والعربية.
- أولاً: النشأة والمسيرة المهنية والأكاديمية
وُلد محمود أبو العزم دياب في الثالث والعشرين من أغسطس عام 1947 في محافظة كفر الشيخ، تلك البقعة الريفية الوادعة التي تغمرها الطبيعة الخضراء وتخترقها ترع النيل وفروعه، كان لهذا المنشأ الريفي أثر عميق في تكوين وجدانه البصري، حيث تشكل وعيه الأول على أخضرار الحقول، وإنعكاسات ضوء الشمس على سطح الماء، والبساطة البدائية للتكوينات المعمارية الريفية، هذا المخزون البصري الأولي سيعود ليظهر لاحقاً في لوحاته، ليس بشكل مباشر أو وصفي، بل كإحساس دفين بالفضاء واللون والضوء.
- إلتحق أبو العزم بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة في منتصف الستينيات، وهي الفترة الذهبية التي شهدت إزدهاراً كبيراً في الحركة الفنية المصرية، وتأثراً كبيراً بالمدارس الفنية العالمية المختلفة، تخرج عام 1970 حاصلاً على درجة البكالوريوس فى الفنون الجميلة قسم التصوير، كانت سنوات الدراسة الأكاديمية بمثابة معملاً حقيقياً لصقل موهبته، حيث درس التشريح، والمنظور، وتاريخ الفن، وتقنيات التصوير الزيتي ، هذه القاعدة الأكاديمية المتينة ستظل حاضرة في أعماله حتى في أكثر فترات تجريده تحليقاً، حيث يظل البناء التشكيلي محكماً، والنسب متزنة، والعلاقات اللونية مدروسة.
- ولم ينقطع أبو العزم عن مشروعه الفني بعد التخرج، بل إلتحق فوراً بالعمل الأكاديمي معيداً بقسم التصوير في كليته الأم عام 1970 ، هذا القرار وضع الفنان الشاب في قلب المعمل الإبداعي، بين الأجيال السابقة من الأساتذة الكبار والطلاب الجدد، مما أتاح له فرصة الاستمرار في البحث والتجريب، حصل على درجة الماجستير في التصوير عام 1980، ثم واصل دراساته العليا حتى نال درجة دكتوراه الفلسفة فى الفن عام 1987.
- لكن المحطة الأهم في تكوينه الفني كانت بلا شك حصوله على منحة دراسية من الحكومة الدنماركية لدراسة فن التصوير في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بكوبنهاغن لمدة عامين، كانت هذه الفترة (على الأرجح فى منتصف السبعينيات) بمثابة انفتاح كبير على التجارب الفنية الأوروبية المعاصرة، ففي الدنمارك، تعرف أبو العزم عن كثب على المدارس التعبيرية الشمالية، وخصوصية الضوء في المشهد الأوروبي، وحرية التعبير في الفن التجريدي، حصوله على جائزة في التصوير من الأكاديمية الملكية عام 1977 يؤكد تميزه وتفوقه في هذا المحفل الدولي، وقدرته على إستيعاب المؤثرات الجديدة وهضمها دون أن يفقد خصوصيته المصرية.
- بعد عودته من الدنمارك، تدرج أبو العزم فى السلك الأكاديمى: مدرساً للتصوير عام 1987، ثم أستاذاً مساعداً، حتى وصل إلى درجة الأستاذية (Professor) في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، هذا المسار الأكاديمي الحافل جعله معلماً لأجيال متعاقبة من الفنانين التشكيليين، وناقلاً للخبرات والتجارب، ومحافظاً على إستمرارية تيار التصوير الأكاديمى المتجدد فى مصر.
- كما تميزت مسيرة أبو العزم الفنية بحضور دائم ومستمر في المشهد التشكيلي المصري والعربي والعالمى، بدأ مشواره فى المعارض الفردية مبكراً، حيث أقام أول معرض له بقصر ثقافة طنطا عام 1972، ومنذ ذلك التاريخ، تتابعت معارضه الفردية في أهم صالات العرض المصرية. كان لافتاً تردده المستمر على `مركز الفنون` بالزمالك (قاعة أخناتون سابقاً)، حيث أقام سلسلة من المعارض الهامة في أعوام 1973، 1989، 1991، 1993، 1997، 2000، 2002. هذا الارتباط بقاعة أخناتون يعكس مكانته المتميزة في خريطة الحركة التشكيلية، فهذه القاعة كانت (وما زالت) محطة رئيسية لكبار الفنانين المصريين.
- كما أقام معارض مهمة في متحف محمد محمود خليل (قاعة السلام) في 1981 و1983، وفي قاعة كلية الفنون الجميلة بالزمالك أعوام 1987، 1990، 2008. هذا النشاط المعرضي المكثف يعكس غزارة إنتاجه الفني، ورغبته الدائمة في التواصل مع الجمهور، وعرض تجاربه الجديدة للنقاش.
- على المستوى القومي، شارك أبو العزم في عشرات المعارض الجماعية المحلية، منها معارض `الجمعية المصرية للفنون الشعبية`، ومعارض `تيار الفجر` (1988-1990)، والمعارض القومية للفنون التشكيلية (1990، 1999، 2001)، ومهرجان الإبداع التشكيلي الأول (2007). كما مثل مصر في العديد من المحافل الدولية المهمة: في إيطاليا (1976، 1993)، الهند والصين (1984)، بينالي الإسكندرية الدولي (1983)، الأردن (1989، 2001)، الكويت (1990)، سوريا (2000)، ومعرض الفن المصري المعاصر في مسقط (2006).
- هذا الحضور الدولي أكسب فنه شهرة واسعة، واقتنى أعماله العديد من المؤسسات الرسمية والمتاحف داخل مصر وخارجها. ففي مصر، توجد أعماله في متحف كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، ووزارة الثقافة، ودار الأوبرا المصرية، ووزارة الخارجية، ومؤسسة الأهرام. وعلى المستوى الدولي، اقتنى متحف الأكاديمية الملكية للفنون بالدنمارك بعضاً من لوحاته، كما توجد أعماله في مجموعات خاصة في الدنمارك، ألمانيا الغربية، قطر، الكويت، فرنسا، لندن، والسعودية.
- حصل الفنان على العديد من الجوائز والتكريمات التي توجت مسيرته، من أبرزها: جائزة التصوير من الأكاديمية الملكية بالدنمارك (1977)، جائزة في التصوير من معرض أسبوع الأخوة الشبابى المصرى السودانى (1977)، وجائزة الاستحقاق فى مسابقة `الماء فى حياة الإنسان المصرى 1988.
- ثانياً: معرضه الإستيعادي بقاعة `آفق` - محطة تأملية جديدة
- جاء معرض الفنان محمود أبو العزم في قاعة `آفق` بالقاهرة ليعيد الفنان إلى واجهة المشهد التشكيلي، وليؤكد أن تجربته لا تزال متوهجة وقادرة على العطاء والإدهاش. قاعة `آفق` التي تديرها وزارة الثقافة المصرية (قطاع الفنون التشكيلية) تُعنى بتقديم تجارب فنية جادة ورصينة، واختيارها لاستضافة معرض لأبو العزم يؤكد المكانة الرفيعة التي وصل إليها الفنان، ووزن تجربته فى سياق الحركة التشكيلية المعاصرة.
- يمكن النظر إلى هذا المعرض باعتباره خلاصة وتتويجاً لمسيرة طويلة من البحث والتجريب ، فقد ضم المعرض مجموعة مختارة من أعمال الفنان التي تمثل مراحل مختلفة من تطوره الفني، مع تركيز خاص على إنتاجه في السنوات الأخيرة، و لم يكن المعرض مجرد استعراض لأعمال سابقة، بل كان بمثابة بيان فني جديد يعيد تأكيد ثوابت تجربة أبو العزم، ويكشف في الوقت ذاته عن تطورات وتحولات طرأت على أسلوبه ورؤيته.
- الإنطباع الأول الذي يتركه المعرض في نفس المتلقي هو تلك القوة الطاقية النابعة من الألوان، وذلك التناقض البديع بين صخب الألوان وهدوء التكوينات ورصانتها، فلوحات أبو العزم تهمس في عيني المشاهد، وتدعوه للتأمل والغوص في طبقاتها اللونية المتعددة. يبدو الفنان وكأنه يتحاور مع ذاته، مع تاريخه، ومع الطبيعة، ويقدم لنا خلاصة هذا الحوار على مسطح اللوحة.
- وما يميز هذا المعرض أيضاً هو التنوع الكبير في الأحجام والموضوعات والتقنيات. فهناك الأعمال كبيرة الحجم التي تحتل حيزاً كبيراً من جداريات القاعة، وهناك الأعمال متوسطة وصغيرة الحجم التي تحمل حميمية خاصة وتدعو المتلقي للإقتراب منها والتأمل في تفاصيلها الدقيقة، هذا التنوع يعكس ثراء تجربة الفنان وقدرته على العمل على مستويات ومقاسات مختلفة دون أن يفقد تماسكه الأسلوبي أو وحدته التعبيرية.
- ثالثاً: الأسلوب الفنى والأداء التصويرى - لغة بصرية خاصة
- التعبيرية الملونة
- يُعد الأسلوب الفنى للدكتور محمود أبو العزم أحد أكثر الأساليب تميزاً في الحركة التشكيلية المصرية المعاصر، فهو يصنف ضمن تيار التعبيرية الملونة (Colorful Expressionism)، حيث يهيمن اللون بصفته العنصر الأهم في العمل الفني، لكن لون أبو العزم ليس لوناً تقليدياً أو وصفيّاً، بل هو لون ذاتى انفعالي يحمل فيضاً من المشاعر والأحاسيس. إنه يستخدم اللون كأداة لتوليد الإحساس بالفضاء والعمق، وللتعبير عن حالات وجدانية معقدة.
-هنا يظهر التأثير العميق لفترة دراسته في الدنمارك، هذا التأثير يمكن تلمسه في لوحات أبو العزم، خاصة في معالجته للعلاقات اللونية الباردة والساخنة، فكثيراً ما نجد في لوحاته حواراً بين الأزرق بدرجاته المتعددة (من الكوبالت العميق إلى الفيروزي الفاتح) وبين السجلات الترابية الدافئة (المغرة، الأصفر الذهبي، البني المحروق)، هذا الحوار بين الدافئ والبارد يخلق توتراً بصرياً يبعث الحياة في سطح اللوحة ويضفي عليها إحساساً بالحركة والتحول.
- التقنية التصويرية: طبقات اللون وسحر المادة
- يتميز الأداء التصويري لأبو العزم بتقنية فريدة تعتمد على بناء طبقات لونية متعددة. لا يكتفي الفنان بطبقة لونية واحدة، بل يبني سطح اللوحة بالتدريج، كما يقوم باستخدام الالوان الزيتية بطريقة توحي بالشفافية في كثير من لوحاته ، وهذا البناء الطبقى يمنح اللوحة عمقاً بصرياً نادراً، حيث يشعر المشاهد وكأنه ينظر إلى مشهد يتشكل ويتحول أمام عينيه.
- كما يهتم أبو العزم بشكل ملحوظ بمعالجة سطح اللوحة (Texture) فسطح لوحاته ليس أملس ولا منتظماً، بل يحمل آثار الفرشاة والسكين وأدوات الرسم المختلفة، هذه الآثار تحول سطح اللوحة إلى خريطة جيومورفولوجية مصغرة، بها ارتفاعات وانخفاضات، ووديان وتلال لونية، هذا الاهتمام بالمادية (Materiality) يعزز من حضور اللوحة ككيان فريد حى، وليس مجرد نافذة نطل منها على عالم آخر.
- التكوين والفضاء التشكيلى
- ورغم إنحياز أبو العزم الواضح للون، فإنه لا يهمل الجانب البنائي والتكويني في أعماله ،لوحاته مبنية بناءً محكماً، حيث تخضع العناصر لتنظيم دقيق يوزع الكتل والمساحات والفراغات بتوازن واضح، لكن هذا التنظيم ليس هندسياً جافاً، بل هو تنظيم حيوي عضوي ينبع من داخل اللوحة نفسها ومنطقها الداخلى.
- يلاحظ فى أعماله ميل نحو تبسيط الأشكال وتلخيصها، أحياناً إلى حد الاقتراب من التجريد، لكنه نادراً ما يصل إلى التجريد الكامل (Non-representational Art)، إذ تظل إشارات إلى العالم المرئي حاضرة فى لوحاته: أفق بعيد، تلال متعرجة، بيوت متلاصقة، أشجار ممتدة، أحياناً جسد إنساني متخفٍ خلف كثافة اللون، هذا التوازن الدقيق بين التمثيل والتجريد هو أحد السمات المميزة لأسلوبه، ويجعل لوحاته قادرة على التواصل مع شرائح مختلفة من الجمهور: مع المتخصص الذى يقدر القيم التشكيلية البحتة، ومع الجمهور العام الذى يبحث عن بقايا الألفة البصرية.
- رابعاً: الموضوعات والمضامين - هموم الفنان ورؤاه.
من خلال زيارة المعرض الإستيعادي والحديث مع الفنان نجد أن الموضوع الإساسي المسيطر علي مشاعر الفن هو الحب، فمعظم لوحاته تتحدث عن العلاقة بين الإنسان والحب حيث الحركات المتشابكة بين أبطال لوحاته والتي أحيانا تتعانق وأحيانا تتطلع للعاطفة وأحيانا تطل بنظراتها لما هو أبعد لإلي الحب الأبدي وما بعد الموت وإلي اللانهائية، وبمسحة صوفية يسرد مشاعره علي مسطحات لوحاته في حالة استدعاء وجداني لجوهره الروحي، حيث تتحول لوحات أبو العزم إلى مساحات لونية متداخلة ليبدو المشهد وكأنه يُرى من الذاكرة، من مسافة زمنية ومكانية تحوله إلى أسطورة بصرية، هذه النزعة الأسطورية في تصوير الطبيعة تمنح أعماله بعداً إنسانياً عاماً يتجاوز المحلية إلى العالمية.
- الجسد الإنسانى: حضور خفى
- في مجموعة من لوحاته نجد أنها عبرت عن الأطلال من وحي الثقافة الشعبية في السعودية - حيث إقامته فيها لفترة أثناء حصوله علي إعارة- والتي نجد فيها أن بالرغم هيمنة الطبيعة على موضوعات أبو العزم، إلا أن الجسد الإنساني يحضر بشكل خفي في أعماله، لكن حضور الجسد ليس حضوراً مباشراً أو تشريحياً، بل هو حضور متحول، متخفٍ، يندمج مع عناصر الطبيعة المحيطة، أحياناً نجد خطوطاً توحي بجسد امرأة يستريح على تلة، أو وجهاً يطل من بين جدران المنازل المتهالكة ، أو ظلال أشخاص يلعبون بالمكان، وكأنها أرواح بقيت في تلك الأطلال، هذا الدمج بين الإنسان والطبيعة يعبر عن رؤية متصلة للوجود، حيث الإنسان ليس كائناً منفصلاً عن محيطه الطبيعي، بل هو جزء عضوي منه.
- كما أن الجسد عند أبو العزم ليس جسداً مثاليّاً أو أكاديميّاً، بل هو جسد متحول، مشوه أحياناً، لصالح التعبير عن حالات وجدانية معينة، هذا التشويه التعبيري يذكرنا ببعض إتجاهات التعبيرية الألمانية (German Expressionism) التى شوهت الأشكال التقليدية للتعبير عن القلق والإغتراب والإنفعالات الإنسانية العميقة.
- الضوء: موضوع ووسيط في آن يمكن القول إن الموضوع الحقيقي للوحات محمود أبو العزم هو الضوء، فجميع عناصره الأخرى (الطبيعة، الجسد، الفضاء) ليست سوى وسائل لدراسة سلوك الضوء وانعكاساته وتحولاته. الفنان مأخوذ بفكرة كيف يسقط الضوء على الأشياء فيحولها، وكيف يخلق الأجواء والمشاعر، وكيف يحدد علاقاتنا بالعالم المحيط.
- فى لوحاته المبكرة، كان الضوء أكثر تحديداً ووضوحاً، معتمدا على تباينات لونية قوية. لكن في أعماله اللاحقة، أصبح الضوء أكثر انتشاراً ونعومة، يغمر اللوحة كلها ويخلق إحساساً بالوحدة والانسجام، هذا التحول يعكس نضج الرؤية الفنية وانتقال الفنان من مرحلة الصراع والحدة إلى مرحلة الصفاء والتأمل.
- خامساً: البعد الإنسانى والروحى فى التجربة
- لا يمكن قراءة تجربة محمود أبو العزم الفنية بمعزل عن البعد الإنساني والروحي الذي يتخللها، فلوحاته تحمل نزعة تأملية صوفية واضحة، حيث يتوقف الزمن، ويصمت العالم، ويتاح للمتلقي فرصة الغوص في أعماق ذاته، هذا البعد التأملي يجعل من لوحاته أشبه بأيقونات تدعو للتأمل والهدوء والصفاء النفسي.
- ثمة حالة من السكينة والحنين تطبع معظم أعماله، حالة من الحزن الجميل، ليس حزناً درامياً أو مأساوياً، بل حزناً هادئاً متصالحاً مع ذاته ومع الحياة، هذا المزيج من الحنين والسكينة هو ما يمنح أعماله ذلك البعد الإنساني العميق الذي يمس قلوب المشاهدين بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية.
- سادساً: التأثير والإرث - أبو العزم فى سياق الحركة التشكيلية
- للدكتور محمود أبو العزم مكانة خاصة في سياق الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، فهو ينتمي إلى جيل الوسط، الجيل الذي تخرج في السبعينيات وجمع بين التكوين الأكاديمي الصارم والإنفتاح على التجارب العالمية، بين أصالة الموروث المصري وحداثة التعبير الفني.
- ويمكن النظر إلى تجربته كحلقة وصل مهمة بين رواد التعبيرية المصرية (كعبد الهادي الجزار وأحمد مرسي) وبين الأجيال الأحدث من الفنانين، فقد إستطاع أن يستوعب دروس هؤلاء الرواد في التعامل مع التراث المصري القديم والشعبي، وأن يمزجها مع تقنيات ورؤى تعبيرية معاصرة إكتسبها من احتكاكه بالفن الأوروبي.
- كذلك فإن موقعه كأستاذ أكاديمي في كلية الفنون الجميلة على مدى عقود جعله مؤثراً في أجيال متعاقبة من الفنانين الشباب. لم يكتف بتدريس التقنيات والأساليب، بل نقل لطلابه رؤيته للفن كطريق للحياة ووسيلة للمعرفة والتعبير عن الذات، كثير من الفنانين الشباب اليوم يدينون لهذا المعلم الكبير بجزء من تكوينهم ورؤيتهم.
- كما أن وجود أعماله في مجموعات متاحفية مهمة داخل مصر وخارجها، ومشاركاته الدولية المتعددة، أسهم في تعريف المشاهد العربي والأجنبي بخصوصية التجربة التشكيلية المصرية المعاصرة، وقدرتها على الحوار مع الاتجاهات الفنية العالمية دون فقدان هويتها وخصوصيتها.
- خاتمة
- يمكن القول بأن المعرض الإستيعادي لأعمال الفنان الدكتور محمود أبو العزم في قاعة `آفق` بالقاهرة محطة مضيئة في مسيرة هذا الفنان الكبير، وفي ذاكرة الحركة التشكيلية المصرية، لقد قدم لنا الفنان، عبر هذه الأعمال، خلاصة تجربة تمتد لأكثر من خمسة عقود من العطاء المتصل، والبحث الدؤوب، والإخلاص لفكرة الفن كرسالة وطريق حياة ، وتظل لوحات أبو العزم مفتوحة على تأويلات متعددة، لا تقدم إجابات نهائية، بل تطرح أسئلة بصيرة، وهذا هو سر بقائها حية وقادرة على الحوار مع مختلف الأجيال والثقافات.

بقلم: أ.د/ منى غريب
مجلة فنون - التابعة لوزارة الثقافة- والهيئة المصرية العامة للكتاب - العدد ?? فبراير ???6.
 
السيرة الذاتية  | الأعمال الفنية  | حول رؤية الفنان  | تعديل سيرتك الذاتية  | الرجوع لشاشة البحث